جين وجودي: نجمتان تهويان ونهاية مأساوية واحدة

فيلمان عن معاناة الفنان في عالم مضطرب ليجد نفسه ضحية بين أطراف متصارعة أو نتيجة طغيان هووليود وتدمير الطفولة واستعباد الفنان
الأحد 2019/12/29
جين سيبرغ كانت ضحية عصرها وموقفها

فيلمان ظهرا مؤخرا عن معاناة الفنان ونهايته المأساوية بعد أن وجد نفسه واقعا بين طرفين يتصارعان، أو نتيجة لطغيان سلطة هوليوود وتدمير الطفولة واستعباد الفنان وتراكم مشكلاته النفسية والحياتية.

“جين” هي الممثلة الأميركية جين سيبرغ، التي عادت إلى الأضواء مؤخرا من خلال فيلم “سيبرغ” Seberg بطولة كريستين ستيوارت وإخراج الأسترالي بنيديكت أندروز. وكانت قد اشتهرت بعد قيامها بأول أفلام المخرج الفرنسي جان لوك غودار “على آخر نفس” A bout de souffle (1960) الذي اعتبر البداية الحقيقية لحركة “الموجة الجديدة”. أما “جودي” فهي الممثلة والمغنية الأميركية جودي غارلاند التي لمعت في هوليوود – الخمسينات، وظهر عن حياتها مؤخرا فيلم “جودي” Judy وقامت بدورها رينييه زيلويغر وأخرجه البريطاني روبرت غولد.

انتهت حياة جين سيبرغ في أغسطس 1979 بالانتحار في باريس وكانت في الأربعين من عمرها، وانتهت حياة جودي غارلاند بالانتحار في لندن عن طريق تناول جرعات زائدة من العقاقير المخدرة، وكانت في السابعة والأربعين من عمرها.

نجمتان لامعتان تمتعتا بالشهرة والتألق وحب الجمهور، انتهت حياتهما نهاية مأساوية: لماذا، وما الذي حدث، وكيف يمكن أن يعمل “النظام” على تحطيم النجمة التي صنعها، وكيف تساهم “القوى السرية” في تدمير حياة نجمة لمجرد أنها اتخذت موقفا سياسيا معارضا لموقف “المؤسسة”؟

بين التسجيلي والروائي

لم يكن الفيلم الروائي الطويل “سيبرغ” (2019) هو الأول عن جين سيبرغ، فقد أنتج عنها فيلم “يوميات جين سيبرغ” The Journals of Jean Seberg الذي أخرجه عام 1995 مارك رابابورت، وهو من نوع الدوكيو – دراما، وقامت بدور سيبرغ الممثلة ماري بيث هيرت، وهو يعتمد على المزج بين التمثيل والمحاكاة (الساخرة أحيانا) والمقاطع التسجيلية من الأرشيف، وما نشرته الصحف عنها في السبعينات، مع لقطات من أفلام سيبرغ.

أما جودي غارلاند فقد ظهر عنها فيلم تسجيلي طويل هو “سيد وجودي” Sid & Judy عن علاقتها المضطربة بزوجها الثالث سيد لوفت الذي استحوذ على حضانة طفليها في ما بعد، ولعب دورا في تدميرها نفسيا، وهو دور سيبرز بقوة في الفيلم الروائي الجديد. وكلا الفيلمين عرضا هذا العام في ذكرى مرور خمسين عاما على وفاة جودي غارلاند. ويعتمد الفيلم التسجيلي على شهادات بعض من عملت معهم غارلاند، وشهادة زوجها السابق، ومقاطع صوتية لها ولقطات من أهم الحفلات الغنائية التي شاركت فيها، ومقاطع من أهم أفلامها.

فيلم "جودي" يعتمد على مسرحية من تأليف بيتر كيلتر. وللتغلب على الطابع المسرحي، يلجأ المخرج البريطاني روبرت غولد وهو مخرج مسرحي أصلا، مع كاتب السيناريو توم إيدج، إلى أسلوب المونتاج المتوازي، أي الانتقال بين زمنين

تختلف الدراما عن التسجيل، فهي تستند إلى كثير من الحقائق لكنها تنظر أيضا إلى الداخل لتعيد تجسيد الكثير من المشاهد “المتخيلة” أو المتخيل حدوثها في حياة الممثلة – النجمة، استنادا إلى شخصيتها وتداعيات المواقف المختلفة التي تعرضت لها. هذا الجانب التخيلي بارز في كلا الفيلمين عن جين سيبرغ وجودي غارلاند.

يعتمد فيلم “سيبرغ” بالدرجة الأساسية على الأداء التمثيلي للممثلة كريستين ستيوارت وعلى قدرتها- ليس على المحاكاة- بل على التعبير عن أزمة الشخصية: رغبتها في التحرر من قيود الزواج (كانت متزوجة من الروائي الفرنسي رومين غاري الذي يكبرها في السن، وأقامت علاقة مع ابنه الشاب، ثم لقائها مع حكيم جمال (ابن عم مالكولم اكس) وأحد زعماء حركة “الفهود السود” المناهضة للتمييز العنصري).

وقد حدث هذا اللقاء في الطائرة عندما كانت سيبرغ في طريق العودة إلى لوس أنجلس لاستعادة صلتها بهوليوود التي هجرتها واستقرت في فرنسا لعدة سنوات. لكن لا يجب أن تتوقع رؤية أي شيء عن علاقتها بجان لوك غودار، وظهورها الأسطوري في فيلمه الأول “على آخر نفس”. فالفيلم لا يهتم كثيرا بأفلام سيبرغ باستثناء فيلمها الأول “القديسة جوان” (1957) الذي قامت فيه بدور جان دارك، وأخرجه أوتو بريمنغر ولم يحقق نجاحا يذكر. ولكن فيلمنا هذا “سيبرغ”، يستعين بمشهد حرق جان دارك في إشارة رمزية إلى المصير المنتظر لبطلته نفسها أي جين سيبرغ، فهو يجعلها قديسة ضحت بحياتها من أجل قضية تؤمن بها.

التورط السياسي

في فترة تاريخية من أكثر الفترات سخونة في الواقع السياسي الأميركي في الستينات، تصبح سيبرغ بسبب علاقتها بحكيم جمال وتبرعها بالمال لحركة “الفهود السود” التي أعلنت النضال ضد “المؤسسة” الأميركية البيضاء، والحفلات الصاخبة التي كانت تقيمها في منزلها لأعضاء تلك الجماعة التي كان يُنظر إليها على أنها تسعى لتقويض السلطة الأميركية، أصبحت سيبرغ ملاحقة من قبل المباحث الفيدرالية التي كان يتزعمها رئيسها الأسطوري ادغار هوفر.

لا يهتم الفيلم كثيرا بالجانب السياسي العام وظروف الفترة سواء في فرنسا أو في الولايات المتحدة رغم أن معظم الأحداث تدور في 1968، وهو عام فارق على كلا الجانبين، لكنه يهتم أكثر بتصوير تزايد شعور بطلته بالعزلة والوحدة وكوابيس الملاحقة والتعقب والمطاردة والتهديدات التي لا تتوقف، ورنين التليفون في منتصف الليل، وتفتيش منزلها.. وغير ذلك، مما يؤدي إلى الرغبة في الفرار من العالم خاصة بعد أن تتعرض علاقتها بحكيم جمال للفضح والتشهير على صفحات الصحف، ووصول الأمر إلى زوجته التي تذهب إليها وتهددها، وتأثير ذلك على الرأي العام المتعصب مسبقا ضد السود الأميركيين.

هناك الكثير من التفاصيل التي تصور طبيعة عمل المباحث الفيدرالية: زرع أجهزة التنصت، الاستماع، المراقبة.. الخ لكن الفيلم يبتكر أيضا شخصية خيالية لأحد مخبري الجهاز يدعى “جاك سولومون” يشارك في عملية المراقبة والتعقب ثم يصبح تدريجيا مفتونا بشخصية سيبرغ، كما لو كان قد وقع في حبها، ويؤدي تعاطفه معها ورغبته في إنقاذها، إلى محاولة لفت نظرها إلى ما يحدث من حولها وما يمكن أن تتعرض له من مخاطر، لكنه بهذا السلوك المتعاطف يبدو كما لو كان قد ضاعف من شعورها بالرعب.

يعجز السيناريو عن تطوير الدراما بحيث تصبح دراسة لشخصية مضطربة لنجمة مشهورة في عصر الحرب الباردة والنزاع العنصري ونمو القوة السوداء داخل الولايات المتحدة، مما يجعل الفيلم يدور حول نفسه، دون أن ينجح في التعبير عن التمرد على المنظومة السياسية السائدة رغم أن المعلومات تقول إن جين سيبرغ تضامنت منذ أن كانت في الرابعة عشرة من عمرها مع حركة الحقوق المدنية الأميركية، فقدمها الفيلم كما لو كانت فتاة ضائعة تبحث عن هدف لها في الحياة، وتارة أخرى كفتاة مستهترة، ملولة، تبحث عن الإثارة والمغامرة الجنسية والاهتمام.

"جودي"

زيلويغر تألقت في دور جودي غارلاند
زيلويغر تألقت في دور جودي غارلاند

كما يعتمد “سيبرغ” على الأداء الممتاز لكريستين ستيوارت، يعتمد فيلم “جودي” Judy (الذي عرضه مهرجان القاهرة السينمائي مؤخرا) على التألق الكبير للممثلة التي لم تلق ما تستحقه من قبل، رينيه زيلويغر (50 سنة) التي تعود بقوة لتؤدي أمام الكاميرا هذا الدور الصعب المعقد لشخصية جودي غارلاند، رغم بعدها الكبير عن التشابه الشكلي معها، وابتعادها أيضا عن المحاكاة، بل التعامل مع الشخصية كما لو كانت تعبر عن نفسها، عن محنتها الشخصية، وعن علاقتها بعالم السينما في هوليوود الذي “استبعدها” طويلا من الصفوف الأولى.

الفيلم يصور كيف تنعكس المحنة الشخصية على الموهبة فتقضي عليها تدريجيا، ليس بمعنى فقدان القدرة على الغناء أو التمثيل، بل لأنها تجد نفسها تتجه إلى الهروب فتغرق نفسها في غيبوبة المخدرات والعقاقير المهدئة والخمر مما يؤثر على شخصيتها وبالتالي على قدرتها على الغناء أمام الجمهور فتصل إلى نهايتها المأساوية، لكن الأصل والأساس كامن في “النظام”. وكما كانت سيبرغ ضحية نظام قمعي يرفض الاختلاف ويدمر كل من يقف في طريقه، تصبح جودي ضحية نظام هوليوود الذي أساء إليها من البداية ودمر براءتها.

يلخص المشهد الافتتاحي في الفيلم أزمة جودي التي ستكبر معها. فهي في الثانية عشرة من عمرها تقف مترددة مرتجفة أمام عملاق شركة مترو المنتج الشهير “لويس ب ماير”، الذي يقمعها ويرغمها على القيام بما لا تشعر أنها تريد القيام به، بل ويهددها أيضا (بنعومة) بحيث تصبح تدريجيا عبدة للاستديو. إما أن تلتزم بما يريدونه منها، أو تجد نفسها في الشارع. لكنها ستصبح، عمليا، في الشارع عندما ينتقل الفيلم إليها بعد أن كبرت وبعدما تفاقمت أزمتها مع زوجها الثالث سيد لوفت بسبب النزاع القضائي على حضانة طفليها، ثم توقفها عن العمل وإفلاسها، فترفض الفنادق الفخمة التي اعتادت الترحيب بها، الإقامة فيها ما لم تدفع مقدما، أي لا تجد عمليا مكانا يأويها مع طفليها.

تأتيها فجأة دعوة من صاحب ملهى ليلي في لندن يتعاقد معها على تقديم عدد من الحفلات اليومية. وتتشبث هي بالفرصة لعلها تخرجها من أزمتها المالية، ولكنها ستلتقي بشاب هو “ميكي” رجل الأعمال الذي سيصبح زوجها الرابع، لكنه لن يفهمها ولن تستمر علاقتهما طويلا. ولكن الأهم أنها اضطرت لترك طفليها لدى زوجها السابق، مما يضاعف من شعورها بالعجز والقلق، فتغرق أكثر فأكثر في تعاطي العقاقير، وتتدهور حالتها على المسرح، وتفقد أعصابها وتوبخ جمهورها. وتنتهي نهاية درامية سيئة.

صداع الموهبة

تعبر جودي عن حالتها النفسية في عبارة واحدة عندما تقول إن “الموهبة لا تجلب لها سوى الصداع”، وهي تقبل على احتساء الخمور بما يوحي بأنها تريد أن تغيب عن العالم، وتظهر على المسرح مخمورة تترنح، تسقط أحيانا وتصيبها سخرية الجمهور الذي يتحلق حول الموائد أحيانا أخرى، تحتار مرافقتها الإنكليزية رزواليند وتتساءل ما الذي يمكنها أن تفعله للتخفيف عنها ومساعدتها، فهي تتعاطف معها كامرأة ونجمة مرموقة لكنها ترثى لحالها بعد أن وصلت إلى ما وصلت إليه من تدنٍ، تحاول بشتى الطرق المساعدة وتعديل الأمور ولكن الزمام يفلت تماما ويصبح لا مفر من السقوط.

يعتمد الفيلم على مسرحية من تأليف بيتر كيلتر. وللتغلب على الطابع المسرحي، يلجأ المخرج البريطاني روبرت غولد وهو مخرج مسرحي أصلا، مع كاتب السيناريو توم إيدج، إلى أسلوب المونتاج المتوازي، أي الانتقال بين زمنين: الأول- جودي في طفولتها، ومحنتها مع “الاستديو” وما تتعرض له من قمع وإهدار لطفولتها وتعذيبها (بدنيا) بل وحرمانها من تناول الطعام حتى تصبح ملائمة للدور الذي تقوم به، علما بأن جودي غارلاند بدأت الظهور على المسرح قبل أن تبلغ ثلاث سنوات. أما في الزمن الثاني فنرى جودي خلال الأشهر التسعة التي قضتها في لندن أي في آخر مراحل حياتها الفنية قبل وفاتها.

تختلف الدراما عن التسجيل، فهي تستند إلى كثير من الحقائق لكنها تنظر أيضا إلى الداخل لتعيد تجسيد الكثير من المشاهد "المتخيلة" أو المتخيل حدوثها في حياة الممثلة – النجمة، استنادا إلى شخصيتها وتداعيات المواقف المختلفة التي تعرضت لها

الانتقال بين الزمنين يبدو فكرة تقليدية بل وآلية على نحو ما شاهدنا، وأحيانا لا تضيف الكثير، بل تظل تكرر الفكرة نفسها، أي عذاب الطفولة دون الكشف عن التفاصيل المعروفة خاصة علاقة جودي بشركة مترو. وتقل هذه الانتقالات كثيرا في النصف الثاني من الفيلم. كما تبدو علاقة جودي بميكي كما لو كانت آخر محاولة من جانبها للتشبث بالأمل، بالحياة، بالعثور على الإنقاذ من خلال الحب، لكنها تظل ترفض مواجهة الذات بشجاعة، بسبب ضعفها الداخلي.

وعلى الرغم من السلبيات، يظل الفيلم يتمتع بالسحر والجاذبية، بفضل الأداء العذب المميز من جانب رينيه زيلويغر، التي تؤدي بمشاعرها، وجسدها وحركات وجهها وعينيها، بعاطفتها، وحنينها إلى التألق والحصول على إعجاب الجمهور. وهي تغني بصوتها وترقص وتتحرك على المسرح كما لو كانت قد تقمصت بالفعل شخصية جودي دون أن تحاكيها، بل تتماثل فقط مع مشاعرها وحالتها النفسية، وتتماهى مع حالتها البدنية.

وقد فقدت أن زيلويغر الكثير من وزنها حتى يمكنها أن تعبر جسمانيا وتجسد الضمور، وبروز عظام الظهر، وانحناء الرقبة، وتستطيع الأداء المنفرد بصوتها في مشاهد طويلة تستعيد خلالها أجمل أغاني جودي غارلاند في أفلامها الشهيرة.

إنها تعبر بكل قوة وعنفوان وتألق عن “مأزق” الفنان الذي يشعر بالتراجع والاضطراب والتشوش نتيجة تراكم المشكلات وإدمان الخمر والعقاقير، وفي لحظة وميض مفاجئ على المسرح، يندفع عنفوان الماضي كله فتسري في جسد الفنان وروحه قوة أسطورية تعيده إلى مجده القديم. وهذا ما يحدث لجودي وتعبر عنه زيلويغر وكأنها تعبر عن حالتها الشخصية. وبعد هذا التألق المفاجئ، تعود لتنكفئ على نفسها مجددا داخل غرفة الملابس، وتتساءل في حزن وأسى بل وتشكك أيضا: هل يمكن أن أفعل هذا مجددا!

14