جيل شاب يحول دون اندثار الخشابة من الفلكلور الغنائي في البصرة

فرقة الخشابة تحيي أفراح أهل البصرة واحتفالاتهم وتواصل تنظيم جلسات طرب باستمرار.
السبت 2021/06/12
تدريب مستمر لحفظ الإرث الموسيقي من الضياع

يعمل عازف طبل عراقي على حفظ موسيقى الخشابة التقليدية في البصرة من الاندثار، بعد أن خفت نجمها وصار دور فرقها القليلة يقتصر على إحياء المناسبات والاحتفالات والأمسيات.

البصرة (العراق) - لم يكن الجيران راضين عندما بدأ صلاح الملا العمل طبالا، فقد كان يوقظهم أثناء الليل وهو يتدرب على الإيقاعات في زقاق ضيق بحي شعبي في مدينة البصرة (أقصى جنوب العراق).

لكن اليوم تزايد الطلب بشدة على الملا وفريق من الموسيقيين المتخصصين في موسيقى الخشابة لإحياء المناسبات والاحتفالات والأمسيات الشعبية.

وقال الملا وهو يتدرب مع عدد من الموسيقيين في غرفة معيشته، “موسيقى الخشابة قديمة فتاريخها يعود إلى ما بين الأربعينات والخمسينات تقريبا، وقد انتشرت في الكثير من المناطق بمحافظة البصرة بدءا بمدينة الزبير فأبوالخصيب والسيبة والفاو، وصولا إلى الكويت”، فهي تعد إطلالة العراق على الخليج العربي.

ومن الآلات المستخدمة في موسيقى الخشابة “الخشبة” و”الدنبك” وهذه الأخيرة آلة إيقاعية أكثر شيوعا في الغناء الريفي تشبه الطبلة في الموسيقى العربية اليوم.

وتصنع الدنبك من الفخار ومفتوحة من الجهتين فوهتها الكبيرة تغطى بالجلد المدبوغ. وأوضح الملا أن “هناك عدة أنواع لهذه الآلة، من بينها الخشب والفخار المصنوع من الطين”، مشيرا إلى أنه يعتمد في صنعها كذلك على الكثير من جلود الحيوانات منها جلد الأرنب وسمك الجري.

وتتمتع الدنبك بأصوات إيقاعية رائعة وبنغمات مختلفة وتعتبر من أهم الآلات الإيقاعية حيث يعتمد عليها الفن الأندلسي في توجيه باقي الآلات الموسيقية. وتُعرف في عدن وجنوب الجزيرة العربية بالدربوجة. أما في مصر فتعرف بالطبلة أو الدربوكة، وفي الجزائر والمغرب تعرف بالدربوكة، وفي سوريا بالدربكة.

وكما تواصل فرق الخشابة ضبط إيقاعها وتطرب المستمعين إليها، يعكف البعض على إصلاح آلاتها الموسيقية التقليدية.

ويشار إلى أنهم كانوا في السابق يأتون بالدنبك الفخار من الكويت لكن الآن يأتي من الموصل في شمال العراق.

ولفت جعفر نجم، العامل في ورشة لصنع الطبل، إلى أنهم “يعتمدون بالأساس على الدنبك الفخار الذي يتم إحضاره من الكويت، لكن بسبب الإغلاق في الوقت الراهن، صار يجلب عن طريق الموصل من الشمال”، مضيفا “أسواقنا تتوفر عليه لكن ليس بجودة الموجود بالكويت فمعاملهم تختلف”.

Thumbnail

ولا تكتفي شدة الخشابة أو كما تعرف حاليا بفرقة الخشابة بإحياء أفراح أهل المدينة واحتفالاتهم السعيدة، فجلساتها تنتظم باستمرار حتى إن لم يكن هناك مناسبة ما فإن الطرب يشيع بين الدرابين والأزقة.

وأشار الملا متحدثا عن بدايته في العزف إلى أنهم كانوا يجتمعون يوميا للعزف في ساعات متأخرة من الليل ويظلون في طربهم أحيانا لحدود الساعة الواحدة ليلا، مشيدا بقوة تحمل الجيران ويثني على صبرهم الذي مكنه من أن يصبح ما هو عليه الآن.

وتتكون شدة الخشابة من عدة منشدين قد يجاوز عددهم الثلاثين منشدا، لإيصال روح الطرب إلى الجمهور.

ويذكر الملا أنه تعلم موسيقى الخشابة عن والده، ويسعى جاهدا للحفاظ على هذا الإرث الفني منذ نحو 12 سنة.

وتعتمد فرق الخشابة التي كانت لا تضم من الآلات الموسيقية سواء الدنبك والطبل على آلتي الكاسورة والطنبورة.

وأوضح الملا أن “أهل بغداد يستخدمون الطنبورة والكاسورة ويعتمدون عليهما بشكل كبير على تكسير الخشابة”.

وتتطلب آلة الكاسورة وجود راقص يجيد تأدية الحركات مع إيقاعات الآلات الموسيقية التقليدية التي تعزفها فرقة الخشابة.

وتتنوع الأخبار المرتبطة بفرق الخشابة التي يقال إنها كانت أساس الغناء الريفي الذي ظل مغيبا، رغم وجود الكثير من المطربين الكبار والموهوبين الذين ابتكروا أنماطا غنائية حديثة من صلب البيئة الريفية، وأدخلوا في غناء الريف ألوانا كثيرة من الشعر الشعبي والفصيح والموشح.

إلا أن هناك من يذكر أن تسمية فرق الخشابة ترجع إلى العمال بصناعة السفن، الذين ابتكروا أنواعا من “الدنابك” الصغيرة المصنوعة من بقايا الأخشاب التي يشتغلون بها، في ظل عدم وجود آلات موسيقية تصاحب أغانيهم.

24