جهاد الخالدي تبدأ حياكة خيوط الموسيقى السعودية

أول عازفة كمان في السعودية تنضم إلى قيادة مسار التغيير بتسلم الرئاسة التنفيذية لهيئة الموسيقى.
الخميس 2020/03/12
تطالب بأن يؤخذ تدريس الموسيقى في المدارس والجامعات السعودية بعين الاعتبار

أصدر وزير الثقافة السعودي الأمير بدر بن فرحان آل سعود قبل أيام قرارا يقضي بتسلم جهاد الخالدي الرئاسة التنفيذية لهيئة الموسيقى، وذلك ضمن حزمة تعيينات رئاسية لعدد من الهيئات بلغت إحدى عشرة هيئة ثقافية، دشنتها الوزارة في الفترة الحالية لتطوير وخدمة القطاعات الثقافية الفرعية التي اشتملت عليها وثيقة رؤيتها وتوجهاتها، وسبق وكشفت عنها وزارة الثقافة السعودية في شهر مارس من العام الماضي 2019. حيث ستتولى كل هيئة إدارة القطاع الثقافي السعودي بمختلف تخصصاته واتجاهاته،
على أن تكون كل منها مسؤولة عن تطوير قطاع محدد متمتعة بشخصية اعتبارية.

وعادت أصداء القرار مبتهجة من طرف الموسيقيين السعوديين خاصة، والمهتمين بالموسيقى عموماً، وتفاعلت معه حسابات وسائل التواصل الاجتماعي معتبرين هذه الخطوة أولى الخطوات لبدء أعمال الهيئة في تطوير الموسيقى بمختلف اتجاهاتها، لاسيما وأن الخالدي شخصية تتمتع بخبرات موسيقية واسعة تأتي متلازمة مع معرفتها الإدارية، الأمر الذي يجعلها أمام مسؤوليات جسيمة لجانبٍ بدأ المجتمع يتلمّس وجوده وظهوره دون تحفظ أو خوف هي نتاج إجراءات وقرارات شجاعة وجريئة جعلت من الانفتاح والتغير الإيجابي ماثلا للمملكة، وقد تقدمت الخالدي عبر حسابها في تويتر بالشكر لوزير الثقافة على ثقته بتعيينها رئيسًا تنفيذيًا لهيئة الموسيقى، متعهدةً بالعمل على كل ما من شأنه أن يحقق تطلعات وزارة الثقافة في القطاع الموسيقي، وخلق البنية التحتية التي تساعد على تعليم ونشر الوعي والتذوق الموسيقي في المجتمع.

خبرة الخالدي تجاوزت الـ33 سنة في مجالها، وهي تعدّ أول موسيقية سعودية تتعلم العزف على آلة الكمان، وكانت أولى لبنات تعلمها للموسيقى في سن مبكرة عبر المعهد الموسيقي في القاهرة “الكونسرفتوار” أن اجتازت جميع مراحل الدراسة فيه لتترشح ضمن الطاقم الموسيقي للأوركسترا، نظير تفوقها لمدة ثمانية أعوام، فكانت لها منصة جالت من خلالها دول العالم فعزفت في العديد منها لتنهي دراستها بحصولها على درجة البكالوريوس في عزف الكمان وأخرى في نظرية الموسيقى، لتغتنم فترة وجودها في مصر لتعلم الموسيقى في الحصول على بكالوريوس في المحاسبة من جامعه عين شمس المصرية، ومن ثم توجهت إلى بريطانيا وحصلت على درجة الماجستير بتخصص إدارة الأعمال، لتعمل بعدها أستاذة محاضرة في جامعة دار الحكمة لمادة التذوق الموسيقي.

استراتيجيات ثلاث

الفرقة الموسيقية الوطنية يشرف على أعمالها الموسيقار عبدالرب إدريس، وتضم 26 عازفًا سعوديًا
الفرقة الموسيقية الوطنية يشرف على أعمالها الموسيقار عبدالرب إدريس وتضم 26 عازفًا سعوديًا

وتنسب الخالدي الفضل في دخولها عالم الموسيقى لوالدتها التي ورثت عنها ضرورة وفوائد تعلم الطفل للموسيقى فتقول إن “تعلم الموسيقى منذ الصغر يؤهل الطفل ويؤثر بشكل إيجابي جدا في مستوى تفكيره وقدرته على الابتكار والإبداع”، وتتمنى أن يؤخذ في الاعتبار تدريس الموسيقى في المدارس والجامعات. لأن الموسيقى حسب وصفها “أصبحت مادة أساسية في كل المدارس العالمية، ضمن مواد الدراسة مثلها مثل الرياضيات والعلوم الأخرى، وهذا يتطلب إنشاء كليات تربية موسيقية متخصصة لتخريج دفعات تكون قادرة على تدريس تلك المادة في المدارس، كونها تختلف عن تدريس الموسيقي للموهوبين المتخصصين، وتحتاج طرقاً تربوية مختلفة”.

فكرت الخالدي في أوقات سابقة بإنشاء أكاديمية مكتملة من كافة النواحي، وقدمت مشروعاً بشكل تفصيلي يضمن نجاحه على حد تعبيرها، كونها تهدف إلى إنشاء فروع في مناطق المملكة على مستوى عالٍ، وتعليم فن الموسيقى وفق منهجية أكاديمية عالمية على يد محترفين معروفين ومؤهلين، مع منح الطلاب شهادات دبلوم في الموسيقى، وتخريج عازفين يمثلون المملكة في محافل مختلفة من دول العالم. وكنظرية إدارية تكشف عنها تقول الخالدي “انظر إلى هذا الموضوع ببعد استراتيجي بحت، يتمركز على تطبيق ثلاث استراتيجيات أولها أكاديمية لتعليم الموسيقى لفئة الأطفال بعمر ما بين الست سنوات إلى ثلاث عشرة سنة وبمعدل يومين في الأسبوع سيتم خلالها تعليم الأطفال النوتات والعزف ودمجهم في الكورال، ليحظوا بتعلّم أساسيات العزف ومنحهم شهادات معتمدة، وتأتي ثاني الاستراتيجيات في إدخال قسم التربية الموسيقية في الجامعات ليتخرج منها معلمون ومعلمات يدرّسون الموسيقى العامة للطلبة والطالبات بالمدارس، وكذلك دعم المحتوى الإعلامي للموسيقى والذي أدرجته ضمن الاستراتيجية الثالثة والتي بينت وسيلتها عبر التلفزيون والإذاعة وتنظيم حفلات موسيقية تعنى بتقديم فن الموسيقى الراقي الذي يهدف لتذوق الموسيقى وزيادة الثقافة الموسيقية وليس الترفيه، وراهنت على قدرة وتكفل هذه الاستراتيجيات بالنهوض بالثقافة الموسيقية بالمملكة خلال فترة تمتد من خمس إلى سبع سنوات بشكل ملحوظ.

الموسيقى والصحوة

مرت الفنون الموسيقية في السعودية بمراحل لافتة، فقد تأسس لها في الستينات ما يشبه المؤسسات الرسمية عبر فرق الإذاعة والتلفزيون، وجمعيات الثقافة والفنون في وقت لاحق، وشهدت حراكا وتطورًا ملحوظين لما يقرب من ثلاثة عقود، ثم غابت الرعاية وتفرّق الفنانون وتفككت الفرق الفنية، والواقع أن ما مرت به الموسيقى ينسحب على مجمل ما مرت به قطاعات الثقافة بسبب غياب جهة راعية.

كانت تلك الستينات عهد الموسيقى نظير ما تحظى به من بيئة حاضنة لها، خصوصًا في مكة والرياض وجدة، وهي ما كانت تعرف بأسواق الأسطوانة التي يتخذ منها البعض مهنة أساسية له في ذلك الوقت، وكانت تتداول ما بين أفراد المجتمع الذي كان آنذاك مجتمعا مثقفًا موسيقيا، فالأغلبية تعرف النغم، وتعرف الإيقاع، وتبدع فيه إبداعًا كبيرًا، ولم تكن هناك أيّ حالة إنكار أو محاربة للموسيقى، بل كانت أشبه بالظاهرة المعروفة في المجتمع، ومن كان لا يريد الموسيقى كل ما عليه إلا أن يستمع لها من دون أن يؤذي أحدًا.

الفنون الموسيقية في السعودية تشهد اليوم انتعاشاً نوعياً، بعد طي صفحة الصحوة التي غيبتها تماماً وسط مناخ التحريم، بعد أن تأسست لها في الستينات ما تشبه المؤسسات الرسمية عبر فرق الإذاعة والتلفزيون وجمعيات الثقافة

وفي حقبة الثمانينات أخذت الصحوة زمام الأمور، ليبدأ رفض الموسيقى ينمو داخل المشهد الاجتماعي بسبب أفكار تم تسريبها وأنشأت اعتقادًا لدى جيل بأكمله، بعد أن كانت الأجيال السابقة متصالحة معها، بأن الموسيقى حرام وبشكل قطعي لا يقبل الجدال، من دون معرفة أن هناك خلافًا إن لم يكن تجاهلا.

ومع ذلك فإن أولئك الذين روّجوا لرفض الموسيقى استخدموا مقاماتها كوسيلة لترويج أفكارهم عبر ما أسموها بالأناشيد الإسلامية، ومؤخراً استبشر الموسيقيون والفنانون برؤية السعودية 2030 التي أعلنت ضمن برامجها الطموحة عن إنشاء مجمّع ملكي للفنون، كما باشرت وزارة الثقافة والإعلام آنذاك بإعادة تأسيس فرقة موسيقية وطنية، يكون مقرها القناة الثقافية السعودية، وكانت الأخبار تتوالى عن التفاتة جدية للموسيقى التي جرى تناسيها مدة من الزمن، لتأتي وزارة الثقافة قاطعة الشك باليقين وتضع حدا لهذا الخفوت عبر إدراج الموسيقى ضمن مبادراتها السبع والعشرين لتكون فاتحة جديدة لجانب مهم له قبوله المجتمعي.

مستقبل الموسيقى

الموسيقى بالنسبة إلى الخالدي، منصة هائلة جابت من خلالها دول العالم
الموسيقى بالنسبة إلى الخالدي، منصة هائلة جابت من خلالها دول العالم

تم تأسيس الفرقة الموسيقية الوطنية لتمثل المملكة في المحافل الموسيقية العالمية والإقليمية، يشرف على أعمالها الموسيقار عبدالرب إدريس، وتضم 26 عازفًا سعوديًا، ذات أهداف واضحة ومعلنة أولها تنشيط الحراك الثقافي السعودي، وإيصال الموروث الموسيقي السعودي إلى العالم، ودعم وتمكين المواهب السعودية في الجوانب الموسيقية، وصناعة وتطوير الفنون الموسيقية في السعودية، إضافة إلى تعليم أشكال مختلفة من الموسيقى ودمجها مع الموسيقى السعودية سواء أكانت موسيقى عربية أم غربية أم عالمية تقليدية أم كلاسيكية، وذلك من خلال دعم وتطوير فن صناعة الموسيقى في السعودية، إضافة إلى تأصيل التراث. وكان أول ظهور رسمي للفرقة في حفل أقيم ضمن فعاليات سوق عكاظ بالطائف مؤخراً، وكوّنت عبر جمعيات الثقافة والفنون معهداً يعنى بالتدريب والتأهيل في مختلف الفنون منها تعلم الموسيقى، لتأتي خطوة وزارة الثقافة بإقرار هيئة مستقلة للموسيقى.

تعلن الخالدي المزيد من الأخبار السارة حين تقول “إن الموسيقى سوف تدرّس في مدارس رياض الأطفال بدءا من العام الدراسي القادم، والتنسيق جارٍ حاليا مع وزارة التعليم لوضع الخطوط العريضة حول الآلية، وسوف يتمّ تدريب مجموعة من الشباب السعودي خلال هذه الفترة وتأهيلهم للعمل في تدريس الأطفال. إضافة إلى أقسام متخصّصة في الجامعات السعودية لتخريج مدرسي الموسيقى”، مبينة أن الهيئة تسعى الى ترسيخ فكرة أن “الموسيقى علم ودراسة وليست مجرد ترفيه”.

وقد أوكل لهيئة الموسيقى العديد من المهام من وضع الاستراتيجيات والمعايير التنظيمية، وتنظيم الفعاليات والمناسبات ذات العلاقة، وتقديم الدورات التدريبية والبرامج المهنية، ودعم حماية حقوق الملكية الفكرية والتعاون الثقافي مع المنظمات الإقليمية والدولية ذات العلاقة، وتشجيع التمويل والاستثمار وإنتاج وتطوير المحتوى، وإصدار التراخيص للأنشطة ذات العلاقة بقطاع الموسيقى، بانية أهدافها على تأسيس صناعة احترافية للفنون الموسيقية وتوفير التراخيص للأنشطة ذات العلاقة، كما تسعى لإنشاء قاعدة بيانات لقطاع الموسيقى في السعودية.

12