جمال بلماضي نموذج يريد الجزائريون تعميمه على مفاصل الدولة

الجزائريون خلال فترة إسناد قيادة البلاد إلى الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح، كانت هتافاتهم تدوي في شوارع العاصمة بالقول "انزعوا بن صالح، وهاتوا لنا بلماضي".
السبت 2021/09/11
وزير السعادة في زمن التعاسة

شهدت الأيام الماضية جدلاً كبيراً حول السرّ الذي تنطوي عليه شخصية مدرب المنتخب الوطني الجزائري لكرة القدم جمال بلماضي وحضوره المختلف، ليس فقط في عالم الرياضة، بل في الحياة العامة في البلاد. وقد علّق بلماضي على التعادل الذي عاد به “الخضر” من المغرب أمام بوركينا فاسو في الجولة الثانية من تصفيات مونديال قطر 2022 بالقول “صحيح أننا اعتدنا على حصد النتائج الإيجابية، وكنا ننافس دائما من أجل العودة بالنقاط الثلاث، وهو الهدف الذي كنا نسعى له، ولكن كان ينقصنا الكثير من التفاصيل خلال المباراة التي حرمنا من الفوز بها“.

استطاع هذا الرجل في ظرف أقل من ثلاث سنوات كسب قلوب الجزائريين بمختلف توجهاتهم ومشاربهم، فرغم أن حرفته هي مدرب كرة القدم ولاعب سابق، وهو العالم الذي يعج بالمنافسة والأنانية والمصلحة، إلا أن شخصيته حققت الإجماع حوله، وفوق ذلك صار النموذج الذي يطالب به الجزائريون في مختلف المجالات والقطاعات، ولا يتورعون في اعتبار جمال بلماضي الشخص الوحيد الذي يشغل منصبه بكفاءة واقتدار.

يحمل بلماضي لقب “وزير السعادة”، فهو الكادر والمسؤول والقائد الوحيد القادر على صنع أفراح الجزائريين، بينما تخيم التعاسة والنكد في مختلف القطاعات والمؤسسات، ولا أحد من أعلى هرم السلطة إلى أخمصها بإمكانه كسب محبة الجزائريين، كما يفعل بلماضي، الذي تُنتظر مواعيده من أجل الانتشاء بلحظات متعة معه ومع كتيبته، لأن الانتكاس والنكوص صار نسقا عاما ينهش هؤلاء خاصة خلال السنوات الأخيرة.

الشرعية من الشعب

لغة بلماضي في وصف وقائع المباريات تبدو لغة سياسية تخاطب الوعي العام

بلماضي، صاحب الشخصية المميزة والبديهة السريعة، المولود والمكون واللاعب في فرنسا وأوروبا وقطر، هو رجل أكثر من مدرب، فقد أضفى على مهامه طابعا فلسفيا يبرز تثمين قيمة العمل والاحتراف في إدارة الإمكانيات البشرية والمادية المتاحة، والإبداع في استخراج الطاقة الإيجابية والطاقات الكامنة في أشباله، فصار نموذجا مطلوباً لكل المؤسسات، لأن الجزائر برأي مواطنيها في حاجة إلى فلسفة بلماضي في كل المجالات للخروج من الفشل والرداءة.

لا يعرف المهادنة ولا المجاملة ولا المحاباة ولا الرضوخ للضغوطات، هو واثق من شخصه وإمكاناته، وعندما تستدعي الضرورة قول كلمته يقولها بكل جرأة وشجاعة، لأنه يدرك أنه يملك شرعية الشارع وليس تزكية المسؤولين، ولذلك ازداد الناس تعلقا به لأنه يعبّر عما يختلج في صدورهم ولا يخشى فيها لومة لائم.

حين سئل بلماضي عن الحراك الشعبي قال “على السلطة أن تستمع للشعب وتحقق مطالبه“، وحين أزعجته فوضى التسيير والعشوائية في إدارة شؤون المنتخب، انتقد بكل جرأة المسؤولين والمؤسسات، وحمّل كل طرف مسؤوليته، ولما قدّر أن مصلحة المنتخب تستدعي ذلك، رفض مرافقة التلفزيون الحكومي للمنتخب إلى المغرب لتغطية كواليس المواجهة ضد بوركينا فاسو، فعل ذلك رغم ما للمؤسسة من ثقل ودور في المشهد الإعلامي.

شخصيته تجمع بين عصبية الجزائري وطيبته، لا يتوانى عن الغضب والنقد للمسائل التي لا تروق له، لكنه إنسان عطوف خاصة مع أبناء بلده، فهو إلى جانب التقليد الذي أرساه لعناصر المنتخب بزيارة المرضى في المشافي ودور الطفولة، نظم حملة تبرع داخل كتيبته فجمع ربع مليون يورو وجهت لاقتناء أجهزة تكثيف الأكسجين، أثناء الأزمة الصحية التي فرضتها الموجة الثالثة من وباء كورونا.

ورغم ولادته في فرنسا ونشأته فيها ولعبه وتدريبه في أوروبا وقطر، إلا أن ارتباطه ببيئته الصوفية في مسقط رأسه بمدينة مستغانم يبدو جلياً من خلال مشاركته أبناء بلدته أفراحهم وأتراحهم والاقتراب منهم في الأماكن العامة، حيث قضّى أيام الصيف على سواحل المدينة المذكورة مع الأقارب وشباب الحي.

علاقة وزير السعادة ببلده وطيدة إلى أبعد الحدود، فهو لم ينزعج حين كان خيارا ثالثا لدى مسؤولي الاتحاد، واختار تدريب منتخب الخضر، رغم تزامن القرار مع عرض مغر للغاية من طرف اتحاد خليجي لتدريب المنتخب، ورضي الرجل براتب زهيد مقارنة بما يتقاضاه أقرانه في المنتخبات الكبرى، وفوق ذلك فإن مسألة المنح لم تطرح مطلقا في كتيبة “الأفناك” رغم المكاسب المحققة منذ توليه العارضة الفنية.

وخلال ذروة الاحتجاجات الشعبية التي خيمت على الشارع الجزائري خلال العامين الماضيين، وأثناء إسناد قيادة البلاد إلى مؤسسات انتقالية بقيادة الرئيس المؤقت عبدالقادر بن صالح، كانت الهتافات تدوي في شوارع العاصمة والمدن الكبرى بالقول ”انزعوا بن صالح، وهاتوا لنا بلماضي”، كتعبير من هؤلاء عن رغبة جامعة في رؤية الكفاءات الشابة تمسك بمؤسسات الدولة.

وعندما انهارت قوى منتخب الخضر في السنوات التي تلت مونديال البرازيل 2014، كان هو مطلب الشارع، وشكّل خيارا ثالثا للهيئة المشرفة على شؤون الكرة الجزائرية، وحين تبخر الخياران الأول والثاني، لم يبق أمام الاتحاد في 2018، إلا الإذعان لصوت الناس، والقبول ببلماضي مدربا لكتيبة “الأفناك”.

"بلمضة" الدولة

Thumbnail

وفي أول ندوة صحفية أبان الرجل عن طموح عال وروح متقدة، ولم يتردد بالقول إنه ذاهب إلى القاهرة للعودة بالكأس الأفريقية، وهو الطموح الذي لم يكن يحلم به أكبر المتفائلين، فانبعثت الغمزات واللمزات هنا وهناك، ووصفه البعض بـ”المجنون”، لأن الخضر الذين لم يكونوا يحوزون حينها إلا كأسا واحدة انتظمت في الجزائر العام 1990، لا يملكون تقاليد التنافس على اللقب الأفريقي، خاصة وأن الحدث تحتضنه مصر، ذات الخبرة والكواليس والحساسية الكروية المميزة تجاه الجزائر.

الأديب والإعلامي احميدة العياشي يقول ”بعد عهد سلاطين الفساد و(كوتش) تراجيدي، هزلي، يظهر بلماضي كمخلص، فقد ظل الفريق الوطني الذي انتصر على مصر في موقعة السودان، كما سمّيت، يشكل القشة التي تعلق بها الجزائريون حتى ينجوا من الغرق، لكن هذا التعلق لم يدم طويلا، فلقد انهار الفريق بعد وقت قصير وانطفأت تلك الجذوة للوطنية الاصطناعية، وغطى الفساد على كل شيء، حيث أصبحت كرة القدم مرادفا للفساد، بمعناه المزاجي والحقيقي، وصار الفريق رهينة للحكام الفاسدين، ولم يعد الجزائريون يجدون في فريقهم ذلك التعويض الذي يخلصهم من مشاعر المذلة والحرمان والبؤس”.

لم يفكر أصحاب القرار ممن جاؤوا ببلماضي بشكل جدي، كما يقول العياشي، وكان همهم تجريب مدرّب سيعلن بعد وقت قصير عن فشله ليؤكد على أن الجميع سواسية، كيف لا؟ ولا يوجد من هو أحسن منا، أي النظام. لذا فنحن البديل الممكن، وهذا التركيز على انعدام وجود الكفاءات في جميع الميادين سيظهر بصورة القصد منها إهانة الجزائريين وإذلالهم، وتصوير من يعارضون هذا المنطق على أنهم مجرد مارقين، وربما من هنا نفهم حملة التشويهات التي كانت تلاحق في وسائل الاعلام وفي وسائط التواصل الاجتماعي كل من قاموا بمعارضة العهدة الرابعة والتوجه إلى العهدة الخامسة، قبل أن تنطلق شرارة الحراك الذي تحول إلى موجة استظل بها الجميع، وصاروا أبطالا محتمين بقوة الجموع.

انقلاب السحر على الساحر

بلماضي يحمل لقب "وزير السعادة"، لأنه المسؤول الوحيد القادر على صنع أفراح الجزائريين
بلماضي يحمل لقب "وزير السعادة"، لأنه المسؤول الوحيد القادر على صنع أفراح الجزائريين

خطوات بلماضي الأولى مثل مشية الحمام، خفية، متواضعة، ودون هدير أو طبول، ودون أيّ تهريج، ، كان صوته الداكن ونبرته العقلانية الباردة وملامح وجهه الرصينة تخفي استراتيجيته التي لم تكن فقط تختلف عن استراتيجيات سابقيه، من حيث الأسلوب والنظرة، وإنما كانت تتجاوز استراتيجية النظام نفسه، بهذه الطريقة ينعت المثقفون الجزائريون بلماضي الذي أرسى تقاليد جدية في عمله واستراتيجيته، ورفع سقف الطموح والكبرياء عاليا، ليكرس الرغبة الجامحة لدى الجمهور بتحقيق النجاح وجعل الهزيمة من الماضي.

 والسؤال الذي يطرح نفسه؛ هل المشكلة في الرجال الذين لم يتحرروا من ثقافة النظام والحل في الذكاء المتحرر من تلك الهيمنة، حتى وإن اشتغل  تحت سلطة النظام؟ نعم الآن، يتساءل الجمهور أليس بالإمكان نسخ بلماضي في مجال إدارة الحكم وتسيير البلاد؟ وهل ستبقى سلطة العطالة تتابع على مضض ما أصبح يكتبه  بلماضي على الأرض وتتركه طليق اليدين لأنه محمي بجمهور وفيّ وعتيد، أم أنها مشغولة بتحضير سيناريو ميكيافيلي وشيطاني لضرب هذا الرأس الذي يفكر، والذي خلق تلك العلاقة الجميلة بين القدمين والعقل، وارتقى بهما من البساط المعشوشب إلى مدارج العقل السامقة؟

تأمّل اللغة التي يستخدمها بلماضي في وصف نتائج مباريات المنتخب، فهي تعكس أنه يتعامل معها على أنها مسؤولية كبيرة، وتبدو أحياناً سياسية أكثر منها رياضية، إذ يقول “خلال الشق الأول دخلنا بشكل جيد وأهدرنا أكثر من فرصة لإنهاء المباراة، خاصة وأننا كنا قادرين على تسجيل ثلاثة أهداف على الأقل، ولكننا لم ننجح في تحقيق ذلك في كرة القدم، هناك فترات قوة وضعف وخلال الضعف علينا بأن نكون متضامنين فيما بيننا، أما في الشوط الثاني فكأننا رفعنا المكابح، مررنا بفترة فراغ رهيبة خلال العشرين دقيقة الأولى، ما سمح للمنافس بالتقدم أكثر وكسب الثقة والتحكم بزمام الأمور ومعادلة النتيجة“.

يعمل بلماضي بإخلاص، حسب وصف رفيقه السابق في قطر فريد محبوب، الذي يضيف أنه يعرف إدارة المباريات بشكل صحيح، يحضّر الفريق نفسيا، ويستفز اللاعبين لإخراج قدراتهم. لكنّ الجزائريين يرونه نموذجا يتوجب تعميمه في مفاصل الدولة للخروج من الفشل والتعاسة.

بلماضي يجمع بين عصبية الجزائري وطيبته، ولا يتوانى عن نقد ما لا يروق له
بلماضي يجمع بين عصبية الجزائري وطيبته، ولا يتوانى عن نقد ما لا يروق له

 

12