"جزيرة العبيد" باروديا يتبادل فيها الأسياد والخدم مراكزهم

مسرحية في ظاهرها كوميديا ساخرة وباطنها أليغوريا تنتقد ممارسات العهد القديم في فرنسا.
الاثنين 2021/03/22
حكاية من الماضي بملامح مسرح البولفار

“جزيرة العبيد” المسرحية التي انتقد فيها ماريفو الميز الطبقي في النظام القديم، بين أسياد وعبيد، عرضت مؤخرا في لوفسيان إحدى ضواحي باريس، في إخراج حديث لإيرينا بروك، ابنة رجل المسرح الشهير بيتر بروك، وتمّ نقلها عبر قناة فرنسا الرابعة.

نشأت إيرينا بروك في وسط فني، فهي ابنة بيتر بروك المخرج المسرحي الشهير، وناتاشا بارّي الممثلة البريطانية المعروفة. بعد دراسة الفن الدرامي في نيويورك والمشاركة في أعمال درامية ببرودْواي استقرت في لندن، وشاركت كممثلة في أعمال مسرحية وسينمائية وتلفزيونية كثيرة، سواء في إنجلترا أو فرنسا، حيث كانت تتنقل بين لندن وباريس للمساهمة في مسرحيات من إخراج والدها في مسرح “بوف دو نور”.

بدأت الإخراج عام 1996 بمسرحية “دابّة تحت القمر” للأميركي رتشارد كالينوفسكي، التي فازت بخمس جوائز في مسابقة موليير. ثمّ أردفتها بمسرحية شكسبير “كل شيء بخير إذا انتهى بخير”، تلتها أعمال أخرى لكبار المؤلفين كتينيسي وليامز وبرتولد بريخت وتورتون ويلدر، وآخرها مسرحية “جزيرة العبيد” للفرنسي ماريفو (1688 – 1763).

هي مسرحية من فصل واحد وأحد عشر مشهدا، تستند إلى سردية بسيطة، ولكنها مبنية بإحكام، ظاهرها كوميديا ساخرة، وباطنها أليغوريا تنتقد ممارسات العهد القديم في فرنسا، حين كان الشعب مقسما إلى طبقة أسياد نبلاء وطبقة غوغاء أقرب إلى العبيد.

تروي قصة إيبيكراف وزوجته أوفروزين بعد أن ألقت الأمواج بمركبتهما رفقة خادميهما أرلوكان وكليانتيس في جزيرة يسكنها أخلاف عبيد تخلصوا من التبعية الاجتماعية، وأصروا على أن يتحرّر الخادمان مثلهم أيضا، ولكن بقلب الأدوار هذه المرة، ليصبح الخادم هو السيد والسيد هو الخادم، ولا يمكن لإيبيكراف وزوجته أن يركبا البحر من جديد للعودة من حيث جاءا إلاّ إذا فهما التجاوزات التي قاما بها من قبل إزاء مخدوميهما.

كذلك قرّ قرار تريفلان سيّد الجزيرة وحاكم هذه الجمهورية الجديدة، وضامن حقوق من يقيمون بها، وقد رأى أن مهمّتَه إعادةُ السيّدين إلى الصواب والسهر على شفائهما. وبذلك أمكن للخادمين اللذين تحليا بإهاب الأسياد الجدد أن يثأرا من أعوام العبودية التي عاشاها، بتسليط نفس الإهانات التي كانا يتلقيانها من سيّدهما وزوجته، وتكليفهما بنفس الأعمال الشاقة التي كانا يخضعان لها.

ولكن سرعان ما اكتشفا سكر السلطة، وما يمكن أن تولّده في صاحبها من قسوة، وشيئا فشيئا يشرع أرلوكان وكليانتيس في الرفق بسيّديهما، والإشفاق على وضعهما البائس، ويلحان في النهاية على أن يستعيد كل فرد مكانه السابق.

المسرحية تستند إلى سردية بسيطة، ظاهرها كوميديا ساخرة، وباطنها أليغوريا تنتقد الممارسات الطبقية
المسرحية تستند إلى سردية بسيطة، ظاهرها كوميديا ساخرة، وباطنها أليغوريا تنتقد الممارسات الطبقية

وعندما لاحظ تريفلان تصالح كل زوج مع الآخر، واطمأن إلى أن الجميع فهم ما له وما عليه، تركهم يرحلون، وهو يأمل ألاّ ينسوا هذه الإقامة بجزيرة العبيد، التي تعلي شعار المساواة بين سائر الأجناس، لا فرق بين أبيض وأسود، أو سيّد ومَسود.

هذه المسرحية تحتل مكانة خاصة في رصيد ماريفو، فقد عدّها الناقد سانت بوف ثورية تستعيد الفكرة التي قامت عليها أعياد ساتورناليا في العهد الروماني القديم، حيث كان الرومان يحتفلون بالإله زحل، قبيل الانقلاب الشتوي كل عام، فتنتفي خلال أسبوع الفوارق الاجتماعية وتُستبدل الأدوار بين الأشراف والغوغاء، ويسمح للعبيد بالتطاول على أسيادهم والسخرية منهم وحتى نهيهم وأمرهم.

وقد غلّف ماريفو مسرحيته بملامح إغريقية من جهة غرق السفينة وأسماء الشخصيات والجزيرة المعزولة لكي يبعد الشبهة، غير أنها كانت نقدا لاذعا للوضع الذي قامت ضده الثورة الفرنسية، ووسيلة للكشف عن غياب العدل في نظام اجتماعي قائم على صدفة المولد. وقد وجدت هذه الإدانة في سردية تقع في جزيرة نائية خدعة لتجنب رقابة ذلك الوقت، لأن الرحلة الخيالية تفتح على تأمل سياسي وأخلاقي قد يبدو مثيرا لو تنزّل في اللحظة التي يعيش فيها الكاتب.

ولكن هذه الباروديا ليست مجرّد أضحوكة، بل هي هجاء لمجتمع الأسياد، فعندما يتحلى الخدم بلبوس أسيادهم تتبدّى خصال علية القوم مجرّد مظهر، حيث النفاق والعواطف الزائفة المبنية على المصلحة، لنكتشف في النهاية أن اختلاف الوضعيات الاجتماعية ليس سوى كوميديا يغلب عليها الرياء والزيف.

تقول أوفروزين وهي تحاول التصدّي لإغراء خادمها أرلوكان بعد أن غدا سيّدًا “لقد أصبحتَ حرًّا وسعيدًا، فهل سيجعلك هذا شرّيرًا؟”، عندئذ يدرك الخادم أن ملاحظتها تصيبه في الصميم، لكونه عانى من تلك الوضعيات بشكل مؤلم، فيقرّر أن يكون أرحم من سيّدته. لأن تذكّر النكاية والإهانة التي يكون الشخص ضحيتها يجب ألاّ تغذّي لديه رغبة الانتقام، بالعكس، ينبغي أن تساعده على فهم ما يحسّ به غيره من ألم. وحسب هذا الموقف أن يكشف للأسياد إلى أيّ حدّ كانوا بغيضين في التعامل مع خدمهم.

ولئن حافظت إيرينا بروك على الأسماء اليونانية لأبطال المسرحية فإنها غيّرت حادثة الانطلاق من غرق سفينة إلى سقوط طائرة مسافرين، مثلما غيّرت أجواء الجزيرة، وأضفت عليها ملامح حداثية كموسيقى الجاز، وأزياء الشخصيات التي تذكّر بفناني السيرك، وبعض العبارات التي تحيل على الزمن الراهن، وأدخلت عليها بعض ملامح مسرح البولفار.

16