ثورة صحية يقودها الطب عن بعد في زمن الوباء

ثقافة رقمية بديلة تخترق عادات الأطباء والنزلاء على حد السواء.
الخميس 2020/06/04
كورونا قوة دفع لقطاع الطب

رغم كل الخسائر البشرية والاقتصادية التي أفرزها وباء كورونا في الأشهر الأخيرة بعدما طالت أضراره كل القطاعات بلا استثناء، فإن قطاعات كثيرة ظلت طيلة سنوات تعيش ركودا عرفت انتعاشة كبرى ومنها ما يعرف بالصحة الرقمية أو الطب عن بعد الذي عرف قفزة نوعية لم يحققها من قبل في زمن ما قبل كوفيد – 19.

باريس - دفعت الإجراءات التي اتخذتها كل الحكومات للتوقي من وباء كورونا إلى لجوء المواطنين إلى عادات تبدو جديدة وغير معتادة من قبل ولم تكن من صميم سلوكاتهم، ومنها القيام باستشارات طبية عن بعد.

وبعدما ركز جل الخبراء والمحللين طيلة أشهر وتحديدا منذ ظهور الوباء في مدينة ووهان الصينية في آخر عام 2019 على الكارثة الاقتصادية والصحية التي أفرزها كورونا، بات الآن البعض الآخر يركز على نتائج أخرى حققتها قطاعات تميزت بالركود في السابق.

انتعاشة غير مسبوقة

في غضون أسابيع قليلة أعطت جائحة كوفيد – 19 دفعا قويا لتطور الطب عن بعد في أرجاء العالم بفضل التكنولوجيا المتطورة المتاحة.

وكانت قفزة كهذه، تحتاج إلى سنوات لتتحقق في الأوقات العادية. وقد ساهم عزل نصف البشرية في المنازل والخوف من انتقال عدوى كوفيد – 19، في تعزيز الاستشارات الطبية عن طريق تطبيقات مكالمات الفيديو والهواتف الذكية.

وقد طالت التغييرات الأكبر الطب العام بحيث كان على مقدمي الرعاية في الكثير من الأحيان التعامل مع نقص معدات الحماية بأنفسهم.

وتعد أعمال الطب عن بعد مرحلة من المراحل التي تدخل في إطار ما يسمى بالصحة الرقمية التي ترتكز على تطبيق تكنولوجيا الاتصالات على مجموع النشاطات التي لها ارتباط بالصحة.

عزل نصف البشرية يسهم بشكل كبير في تعزيز الاستشارات الطبية عن طريق تطبيقات مكالمات الفيديو والهواتف الذكية

ويقصد بالطب عن بعد استخدام الوسائل والخدمات والطرق الإلكترونية لتقديم الخدمات المرتبطة بالصحة عن بعد. وتعرِّف منظمة الصحة العالمية الصحةَ الإلكترونية بأنها استخدام تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في مجال ومن أجل الصحة.

وبحسب منظمة الصحة العالمية تتيح المراقبة الطبية عن بعد لمهنيي الطب إمكانية تفسير عن بعد المعطيات الطبية الضرورية لتتبع حالة المريض وذلك باستخدام الوسائط الإلكترونية. والغرض من المراقبة الطبية عن بعد هو “تمكين مهني طبي من أن يأول عن بعد المعلومات الضرورية للتتبع الطبي لمريض ما”.

وعلى عكس قطاع الطب عن بعد عرفت أغلب المجالات الأخرى كالسياحة والتجارة وبقية قطاعات الخدمات انتكاسة كبرى بعدما أجبرت الدول على إغلاق الحدود تلافيا لتفشي الفايروس.

وحقق قطاعا النفط والسياحة خسائر ضخمة يحذر خبراء اقتصاد من تداعياتها السلبية على الاقتصاد العالمي في فترة ما بعد الوباء، خاصة بعدما ذهبت قوى عظمى كالصين والولايات المتحدة إلى توظيف كورونا في حروب سياسية وتجارية ستلقي بظلالها مستقبلا على العالم.

وقال مارتن مارشال رئيس المعهد الملكي للطب العام في بريطانيا “الطب العام خضع لتغييرات كبيرة في الطريقة التي عالج من خلالها الأطباء والفرق الطبية المرضى خلال الوباء. السرعة التي تم بها تحقيق هذه التغييرات كانت ملحوظة”.

ومع تقدم الوباء تم تعديل التدابير أو تخفيفها في بعض البلدان للسماح باستخدام الاستشارات عن بعد على نطاق واسع.

وفي فرنسا، في حين كانت الاستشارة الطبية عن بعد التي يغطي كلفتها الضمان الاجتماعي منذ نهاية العام 2018، في حالة ركود، أعطاها فايروس كورونا المستجد دفعة كبيرة. وقد ازداد العدد الأسبوعي للاستشارات عن بعد من 10 آلاف أسبوعيا في أوائل مارس إلى ما يقرب من مليون في منتصف مايو، علما أنها بلغت ذروتها عند 1.1 مليون في الأسبوع الثاني من أبريل.

ووفقا للضمان الاجتماعي، لم تتباطأ وتيرة تلك الاستشارات بعد انتهاء فترة الإغلاق، وقد ساهمت في خفض فترات الانتظار في العيادات الطبية بشكل جزئي. وفي الولايات المتحدة، رفعت القيود المفروضة على إتاحة الوصول إلى الاستشارات عن بعد وكذلك بعض قواعد حماية البيانات.

ووفقا لليلى مكاي من “إن.أتش.إس كونفيديريشن” وهي منظمة مرتبطة بنظام الصحة الحكومي في بريطانيا، فقد تم إجراء الجزء الأكبر من 1.2 مليون استشارة يومية للرعاية الأساسية عن بعد خلال فترة العزل المنزلي في المملكة المتحدة، وهذا التغيير حصل “في غضون أسابيع قليلة” فقط. لكنه لم يحدث دون بعض العقبات.

تغيير جذري

الوباء غيّر كل شيء
الوباء غيّر كل شيء

تتذكر كاميل غاجريا الطبيبة والأستاذة في إمبريال كوليدج في لندن في تصريحات نشرتها مجلة “بريتش ميديكل جورنال”، “كانت الجلسة الاستشارية الأولى لي عبر الفيديو كارثة. فكان عمال يثقبون الحائط وتعطل المايكروفون ودخل أحد الزملاء إلى الغرفة”.

ويمكن أن تكون الاستشارة عن بعد فعالة، لكن يجب التنبه إلى التفسيرات الخاطئة التي يمكن أن تنتج بسهولة عن استشارة بالفيديو، كما أكدت الطبيبة.

وأعطت أزمة فايروس كورونا قوة دفع جديدة للتطبيب عن بعد أيضا في الهند التي يوجد فيها 8.6 عامل طبي فقط لكل 10 آلاف شخص، وفق أرقام لمنظمة الصحة العالمية عائدة إلى العام 2018، وحيث يتركز الأطباء في المدن فيما يعيش 70 في المئة من السكان في الأرياف.

وقال أيوش ميشرا مؤسس شركة “تاتفان” للتطبيب عن بعد، “إن الوباء أقنع الحكومة بتخفيف القواعد التي كانت مفروضة على الاستشارات عن بعد”.

وأيوش الذي فقد ساقه في حادث دراجة نارية بسبب نقص الرعاية المناسبة والسريعة، يأمل في أن يتمكن من مضاعفة مراكز الاستشارات عن بعد التي يملكها والبالغ عددها 18، في أنحاء البلاد.

وأوضح أيوش أنه يرغب في توسيع نطاق وصول الرعاية الصحية إلى أكبر عدد من الهنود الذين يعيشون بعيدا عن المراكز الحضرية “لأنه حق أساسي لهم”.

لكن حتى لو كانت الأجهزة المتصلة بالإنترنت (موازين الحرارة وأجهزة مراقبة ضغط الدم…) تسهل إجراء الاستشارات عن بعد، فلا يمكن الاستمرار في تنفيذ عدد منها إلا بحضور المريض شخصيا كما لا يمكن إجراء الاستشارات الأكثر تعقيدا عن بعد أيضا كما أكد مارتن مارشال.

وقالت ليلى مكاي “يخبرنا الأطباء أن ثقافتهم قد تغيرت جذريا. والأطباء الذين كانوا في السابق يرفضون الرقمنة، أصبحوا يدركون الآن الفوائد التي يمكنهم الحصول عليها من خلالها. لن نتمكن من التراجع بعد الآن”.

ودخلت في المملكة العربية السعودية “فيزيتا” وهي المنصة الرائدة في الرعاية الصحية الرقمية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، في شراكة مع شركة الاتصالات السعودية ( STC) لتقديم خدمات الاتصالات التي ستمكن العاملين في شركة الاتصالات في أنحاء المملكة من الحصول على خدمات الطب الاتصالي بشكل مجاني.

وتأتي هذه الشراكة تفعيلا لتوجه وزارة الصحة السعودية في وضعها لاستراتجية الصحة الإلكترونية وتهدف إلى تسهيل الوصول إلى الخدمات الطبية عن بعد عبر الترويج لاستخدام خدمة الاستشارات الهاتفية وذلك للحد من انتشار فايروس كورونا المستجد.

وسيتمكن منسوبو شركة الاتصالات السعودية من الاستفادة للوصل إلى خدماتهم الطبية بشكل سلس عبر استخدام تطبيق وموقع فيزيتا دون حاجتهم إلى زيارة المستشفيات أو العيادات الطبية، وذلك عبر تقديم حجوزات إلكترونية مجانية مع أفضل الأطباء في المملكة عبر الهاتف والفيديو أو جدولة الزيارات المنزلية.

وتمكن منصة فيزيتا الرقمية أكثر من مليوني مريض في المملكة من البحث عن أفضل مزودي الخدمات في مدنهم، وتمكنهم أيضا من القيام بحجوزات فورية وتقييم تجاربهم الصحية. بالإضافة إلى أنه يمكن للمريض أن يحجز لدى مخابر الأشعة وقاعات العمليات وغيرها من الخدمات الطبية. ويتاح للمستشفيات والعيادات التحكم التام بالمواعيد ومعلومات المرضى عبر التطبيق الخاص بهم أو عبر الموقع الإلكتروني.

6