تونس والشركاء الاقتصاديون.. من يبدد سوء الفهم أولا

إذا كان ما قام به الرئيس سعيد من إجراءات قد وجد تفهما لدى أغلب الشركاء الخارجيين باعتباره خطوة ضرورية للخروج من حالة الفوضى فإن ما تلاها من غموض ظل مثار جدل.
الخميس 2021/10/21
الإصلاحات المطلوبة لا تحتاج إلى كلام كثير

تعكس زيارات مسؤولين غربيين إلى تونس خلال هذه الأيام اهتماما بالغا بمسار الانتقال السياسي الذي تعيشه بعد الخامس والعشرين من يوليو الماضي، وأغلبهم شركاء اقتصاديون، ولديهم تنسيق متقدم مع تونس في الحرب على الإرهاب وفي مواجهة موجات الهجرة غير النظامية، وهو ما يعطيهم مشروعية السؤال وطلب الاستيضاح وتقديم النصيحة والاعتراض على بعض الخطوات.

وإذا كان ما قام به الرئيس قيس سعيد من إجراءات قد وجد تفهما لدى أغلب الشركاء باعتباره خطوة ضرورية للخروج من حالة الفوضى التي عاشتها البلاد خلال مرحلة خرج فيها البرلمان عن دوره التشريعي ليتحول إلى ساحة للاشتباكات والخطاب المتوتر الذي زاد من شكوك التونسيين بشأن المستقبل، فإن ما بعد ذلك ظل مثار شد وجذب.

ويعود هذا الشد والجذب إلى عنصر رئيسي حكم إجراءات الرئيس قيس سعيد، وهو التقدم التدريجي في تنفيذ الخطوات الخاصة بهذه المرحلة الانتقالية مع التكتم بشأن المراحل اللاحقة. وإذا كانت مدونة الثاني والعشرين من سبتمبر، التي تشبه الدستور الصغير، قد أجابت على بعض الأسئلة التي يطرحها الشركاء الأجانب بخصوص كيفية إدارة المرحلة دستوريا، إلا أنها لم تحدد أفقا لنهاية هذه المرحلة، وهل أن ذلك سيستغرق وقتا قصيرا أم حسب الظروف، من أجل إعادة الشرعية للمؤسسات الدستورية.

وجود مؤسسات جديدة منتخبة سيعني تبديدا للشكوك والمزاعم التي اتهم بها قيس سعيد من طرف خصومه بأنه يريد تجميع السلطات في يده، وأنه سيعيد البلاد إلى ما قبل ثورة 2011

ومن خلال مختلف التصريحات التي صدرت عن مسؤولين غربيين (ألمانيا والولايات المتحدة)، فإن المانحين يدفعون تونس لأجل التسريع بغلق المرحلة الاستثنائية.

وقال منسق السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل بعد لقائه الرئيس سعيد إنه “من الأهمية بمكان، بالنسبة إلى مستقبل البلاد ومصداقيتها في الداخل والخارج، أن يستعيد الرئيس والسلطات التونسية على كافة المستويات النظام الدستوري والمؤسسي بالكامل بما في ذلك عودة النشاط البرلماني”.

من جهته، أعرب نائب وزير الخارجية الألماني نيلز آنين عن أمله في ألا تكون الديمقراطية في تونس في خطر، مشيرا إلى أهمية إطلاق حوار يشمل الأحزاب والمجتمع المدني للخروج من الأزمة.

وقال نيلز عقب لقائه الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل نورالدين الطبوبي “آمل ألّا تكون الديمقراطية في تونس في خطر. جئنا إلى هنا باعتبارنا أصدقاء لتونس، ألمانيا صديقة على الدوام لتونس. ألمانيا دعمت التطور الاقتصادي والديمقراطي في تونس”.

وأضاف المسؤول الألماني في تصريحاته للتلفزيون العمومي “في أي ديمقراطية يجب أن تكون هناك أحزاب سياسية ونقابات باعتبار دورها الرئيسي. لذلك حرصت على مقابلة الأمين العام للمنظمة الشغيلة”.

ومن المنطقي أن تتعامل معهم تونس بهدوء وترسل إليهم إشارات طمأنة بضبط موعد لإجراء انتخابات مبكرة برلمانية بالدرجة الأولى.

لكن على أن تتضح معالم الخطوات الضرورية قبل ذلك بشأن تعديل القانون الانتخابي، وهل أنها ستكون بعد استفتاء يحدد شكل الحكم في المرحلة القادمة، أم سيترك للبرلمان الجديد مهمة التحضير للاستفتاء؟ وهل ستتم الانتخابات البرلمانية على حسب نظام القوائم كما هو متعارف أم على حساب الأفراد؟ وهل ستتم الانتخابات البرلمانية ثم المحلية أم العكس سنعتمد نظاما مجالسيا يقوم عل التصعيد من أسفل إلى أعلى؟

ماذا تريد تونس أن تفعل للخروج من أزمتها بعد الحديث المستفيض عن الإصلاحات والحرب على الفساد ومحاسبة المتورطين؟

ودون حساسية مبالغ فيها، فإن الشركاء الأجانب والعرب من حقهم أن يعرفوا أفق المرحلة الحالية وملامح المرحلة القادمة لأن ذلك سيقود إلى تحديد شكل التعاملات الاقتصادية مع تونس. وهذا منطقي، فمن سيقدم على منحها القروض ومساعدتها على الخروج من أزمتها من حقه أن يعرف متى وكيف الخروج، طبعا في حدود احترام استقلالية القرار الوطني وحق تونس في ترتيب بيتها على الطريقة التي تساعدها وتحوز على ثقة الداخل قبل الخارج.

لا أحد يمكنه أن يفرض على تونس إعادة برلمان علقت به كل الأوصاف السيئة رسميا وشعبيا. لكن من حق الشركاء أن يتعاملوا مع مؤسسات منتخبة وذات صيغة دائمة وليست وقتية مثل البرلمان الذي سيكون دوره مهما في المصادقة على ما يتم الاتفاق عليه بين تونس ومختلف الشركاء.

هذه تقاليد بات العالم يتعامل معها في ما بينه، ومثلما يريدون التعامل مع مؤسسة رئاسية قوية، فهم يشترطون وجود برلمان منتخب وتعددي، وكذلك حكومة ذات برنامج واضح وقادرة على توقيع الاتفاقيات وضبط روزنامة لخلاص الديون.

إن إنهاء المرحلة الانتقالية بالسرعة الممكنة هو في صالح تونس ولصالح الانتقال السياسي الذي حدث بعد الخامس والعشرين من يوليو، فوجود مؤسسات جديدة منتخبة سيعني تبديدا للشكوك والمزاعم التي اتهم بها قيس سعيد من طرف خصومه بأنه يريد تجميع السلطات في يده، وأنه سيعيد البلاد إلى ما قبل ثورة 2011.

ومثلما أنه لا يمكن لأي شخص مهما كانت قدراته أن يدير بلدا لوحده، فإن وجود مؤسسات منتخبة سيخفف العبء عن الرئيس سعيد ليتفرغ لما هو أهم بالنسبة إلى تونس، وهو إخراجها من حالة العزلة والشك التي رافقتها منذ 2011 بسبب الصراعات السياسية التي لم تتوقف يوما، وخاصة في ظل غياب منوال تنموي يسهل على الشركاء تحديد حاجيات تونس ومساعدتها على الخروج من أزمتها الاقتصادية الحادة.

وهذا عنصر مهم بالنسبة إلى الشركاء الخارجيين، وخاصة الصناديق المالية الدولية المانحة. والسؤال هنا: ماذا تريد تونس أن تفعل للخروج من أزمتها بعد الحديث المستفيض عن الإصلاحات والحرب على الفساد ومحاسبة المتورطين؟ ومن يحدد كيفية الإصلاحات؟ هل الأمر موكول للرئيس سعيد ومستشاريه، أم للحكومة، أم لمختلف الشركاء الاقتصاديين والاجتماعيين؟

مع العلم أن الإصلاحات المطلوبة لا تحتاج إلى كلام كثير عن النزاهة ونظافة اليد، أو تشديد الرقابة على الفساد وإهدار المال العام، فهذه مكملات للأصل، أي للتغييرات التي ستطال أداء مؤسسات الدولة في العلاقة بالقطاع الحكومي، ورؤيتها للقطاع الخاص.

الأمر ضروري وعاجل ولا يحتاج إلى مكابرة، لكن إلى مشاورات مع الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين حتى يتحمل الجميع مسؤولية التقشف وتجميد الانتدابات وزيادة الرواتب والعلاوات. فمن مساوئ المرحلة الماضية أن الشركاء الأجانب لم يجدوا شريكا محليا يمكن الاتفاق معه ومتابعة الإصلاحات.

من خلال مختلف التصريحات التي صدرت عن مسؤولين غربيين (ألمانيا والولايات المتحدة)، فإن المانحين يدفعون تونس لأجل التسريع بغلق المرحلة الاستثنائية

كانت الحكومات المتتالية تقبل نصائح الشركاء بشأن ضرورة التسريع بتنفيذ الإصلاحات، لكنها لا تطبق شيئا على الأرض، لأنها حكومات ضعيفة ومبنية على تفاهمات هشة لا يعنيها سوى الإيفاء بمتطلبات المحاصصة السياسية والحزبية. والبرلمان بدوره كان مشتتا، وهناك من كان يشتغل بداخله على توسيع دائرة الخلاف، ومنع تحقيق أي مكاسب للعباد والبلاد. كما أن الشركاء الاجتماعيين لم يكونوا يثقون بقدرة الحكومات الهشة على تنفيذ الإصلاحات.

ولذلك، فإن الفرصة الآنية مواتية للبدء بإصلاحات اقتصادية وفق خطة مدروسة وغير معنية بضغط الواقع ولا بنفوذ هذا الشريك الاجتماعي أو ذاك. ولأجل هذا من واجب تونس أن تتحرك لتبديد شكوك الشركاء الأجانب، الذين لا تحركهم شعارات هذا الفصيل السياسي المعارض، أو تقارير مغرضة، بل تحركهم المصالح المباشرة، ولا يعنيهم المزاد الشعبي المعارض للتدخل الخارجي من عدمه.

8