تونس أمام تحدي فتح ملفات الفساد المالي والإداري في المنشآت

محاربة الفساد المالي والإداري في تونس يتطلب جملة من الخطوات الجدية والعقلانية في علاقة بتغيير القوانين وأهمية دور القضاء فضلا عن آليات ووسائل ناجعة.
الثلاثاء 2021/09/28
ورقة حمراء لكل المخالفين

تونس- لا تزال ملفات الفساد المالي والإداري في المنشآت العامة والخاصة، تثير الجدل في تونس، حيث شهد إنجاز عدد من المشاريع العمومية المفترض مراقبتها من قبل وزارة التجهيز والإسكان والتهيئة الترابية، جملة من الإخلالات والتجاوزات في السنوات الأخيرة.

وكشفت تقارير تفقّد بوزارة التجهيز، تعمد شركات مقاولات خاصة ارتكاب تجاوزات خطيرة خلال بناء مساكن اجتماعية أو تهيئة وترميم إدارات عمومية أو إنجاز طرقات بين سنتي 2013 و2017.

وتفطّن فريق التفقد التابع للتفقدية العامة بوزارة التجهيز خلال متابعة بعض صفقات إنجاز مشاريع سكنية إلى حزمة من الإخلالات المرتكبة من قبل مقاولين رغم إشراف شركة النهوض بالمساكن الاجتماعية.

فوزي بن عبدالرحمن: ثقافة اللاعقاب فاقمت عدد الإخلالات والتجاوزات

ولاحظ مراقبو التفقدية إخلالات إدارية من قبيل تباطؤ الإدارة في دعوة المقاول لبدء الأشغال  بشأن إنجاز واحد وتسعين وحدة سكنية بضاحية سيدي داود بالعاصمة تونس، وسجلوا فارقا بإثنين وأربعين يوما بين تاريخ المصادقة على الصفقة وتاريخ الإذن الإداري لانطلاق الأشغال.

وأوضح أن فريق التفقد تعمد إدارة الشركة العمومية إسناد مدة إضافية في آجال التعاقد لم يتم التنصيص عليها بكراس الشروط، معتبرا المدة الإضافية “امتيازا غير مستحق يخل بمبدأ المساواة بين العارضين أمام الطلب العمومي”.

ويرى مراقبون أن محاربة الفساد المالي والإداري يتطلب جملة من الخطوات الجدية والعقلانية، في علاقة بتغيير القوانين وأهمية دور القضاء، فضلا عن آليات ووسائل ناجعة.

وأفاد وزير التشغيل السابق فوزي بن عبدالرحمن، أن “محاربة الفساد ليست بالمسألة البسيطة، ولا يجب أن تكون استعراضية ويجب أن تتبعها سياسات عقلانية للدولة في كيفية أخذ القرارات والتراتيب والقوانين”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “ثقافة اللاعقاب التي كرستها المنظومة السابقة فاقمت عدد الإخلالات والتجاوزات، وهم يعرفون ألا أحد يحاسبهم، وعلى القضاء أن يتصدى بسرعة لهؤولاء في فتح ملفات الفساد”.

وتابع بن عبدالرحمن “المنظومة القضائية ما زالت لم تتعاف بعد، ومصالح المراقبة الإدارية تبذل مجهودا كبيرا، لكن ما ينقص هو المسار القضائي، والفساد هو أخطبوط وشبكات مترابطة ومتصاهرة وجزء كبير من المسائل المالية والإدارية وتمتلك أموالا طائلة، ومحاربة هؤولاء تتم بتصور منطقي وآليات ناجعة”.

ودعا خبراء الاقتصاد والمالية إلى ضرورة تغيير المجال التشريعي وسنّ قوانين جديدة تتلاءم مع الوضع الجديد، وتكون أكثر نجاعة في التصدي لهذه الإخلالات ومعاقبة المخالفين.

وقال وزير المالية السابق، حسين الديماسي في تصريح لـ”العرب”، “مستوى المراقبة بعد 2011 نقص، ما فتح الباب على مصراعيه لكل التجاوزات في الصفقات العامة ومختلف القطاعات”.

وأضاف “هناك خلل كبير جدا وتسيّب غير مسبوق وفساد عن طريق الصفقات والرشاوي والولاءات، في إنجاز مشاريع الطرقات وتهيئة المؤسسات”، لافتا إلى أن “المنظومة السابقة كرست الفساد، وهو لا يزال مستمرا إلى الآن”. ودعا الديماسي إلى “ضرورة أخذ الأمور بجدية، مع وجوب تحرك القضاء، وتغيير ترسانة القوانين والعقوبات”.

حسين الديماسي: هناك فساد في إنجاز مشاريع الطرقات وتهيئة المؤسسات

وسبق أن أحالت الهيئة الوطنية لمكافحة الفساد على أنظار وكيل الجمهورية لدى المحكمة الابتدائية بتونس ملف  شبهات فساد مالي وإداري في صفقة اقتناء عوارض خشبية، كانت أبرمتها الشّركة الوطنية للسّكك الحديدية التّونسية مع أحد المزوّدين الأجانب خلال سنة 2017.

ووجّهت شبهات الفساد إلى مسؤولين كبار بالشركة من بينهم الرّئيس المدير العام ومدير المراقبة القانونية ومدير الشّراءات ومدير إدارة صيانة السكّة والمنشآت الفنية والمباني، وفق ما أعلنت الهيئة.

وأشارت الهيئة إلى أنّ منطلق البحث في هذا الملف كان بموجب عريضة مدعّمة بمؤيدات وعدد من الملاحق وردت على الهيئة بتاريخ الرابع والعشرين من نوفمبر 2020 تضمّنت تبليغا عن إخلالات وتجاوزات وشبهات فساد في الصفقة المذكورة ومنها خاصّة عدم مطابقة العوارض الخشبية المقتناة للشروط والمواصفات الفنية المطلوبة.

وتتعلّق الصفقة محلّ شبهات فساد بطلب عروض دولي أصدرتهُ الشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية بتاريخ الرابع من أبريل 2017 لاقتناء 13.690 عارضة خشبية، في إطار سد حاجياتها ومنها خاصّة تجديد مسار السكة الحديدية على الخط رقم 1 الرّابط بين تونس وبنزرت والخط رقم 10 الرّابط بين منطقتي بئر بورقبة والحمامات ورقم 22 الرابط بين سوسة والمنستير والمهدية وكذلك الخط الرّابط بين العاصمة وجندوبة.

وفي وقت سابق، دعا الرئيس التونسي قيس سعيّد، المئات من المتعاملين الاقتصاديين إلى عقد صلح جبائي مع الدولة يسمح باستعادة أموال استفادوا منها دون وجه حق خلال العقود الماضية.

وقال سعيّد، إنه سيصدر مرسوما لاستعادة  ثلاثة عشر مليار دينار (4.6 مليار دولار) من الأموال المنهوبة في إطار صلح جزائي سيبرم بين الدولة ورجال الأعمال الذين تمتعوا بامتيازات غير قانونية واستفادوا من نفوذهم خلال عقود.

اقرأ أيضا: الانشغال بحلّ الأزمة السياسية فقط يعمّق متاعب تونس

4