تونسيون يعلقون أحلام العمل وسط الخيام في العاصمة

شبّان حَمَلة شهادات جامعية يتمسكون بحق التشغيل الذي يكفله دستور ثورة يناير.
الجمعة 2020/01/17
لنا الحق في العيش الكريم

بعد الثورة التي انطلقت من داخل البلاد سنة 2011، استبشر العاطلون عن العمل في تونس، وخاصة حاملي الشهادات الجامعية، وحلم كل فرد بفرصة تنقذه من كابوس البطالة وتحقيق حياة كريمة، وإلى اليوم مازال هؤلاء يقفون في طابور أمام وزارة التشغيل، ينامون في خيام الاحتجاج في ظروف قاسية، سندهم في ذلك إصرارهم على نيل حق يكفله لهم الدستور.

تونس – وصل سفيان إلى وسط العاصمة منذ شهر سبتمبر 2019 وقرر منذ ذلك الوقت ألّا يغادر وزارة التكوين والتشغيل حتى تنفذ الوزارة تعهدها بتوفير فرص عمل له صحبة 32 آخرين من المحتجين القادمين من مدينة القصرين.

اضطر سفيان وباقي المعتصمين إلى قطع 300 كيلومتر للقدوم إلى العاصمة ونصب خيامهم من البلاستيك على جادّة الطريق أمام مقرّ الوزارة، وعلى الجهة المقابلة من الطريق يقف حراس الأمن أمام أبواب فندق المشتل الفخم الذي يتبع سلسلة فنادق “الغولدن توليب” يراقبون المشهد بحذر من بعيد.

بالنسبة إلى المارة وإلى نزلاء الفندق وموظفي الوزارة، أصبح مشهد الخيام مألوفا، بما في ذلك نشر غسيل الملابس على حبل مشدود بين شجرتين، لكن لا أحد يجرؤ على فك الخيام بالقوة، لأن حق الاعتصام يضمنه الدستور في تونس.

يقول سفيان الحريزي (30 عاما) الحاصل على شهادة جامعية في التنشيط، “نقضي اليوم أمام الوزارة ونذهب إلى المقهى للترويح عن نفوسنا، نحاول جمع المال لندفع ثمن القهوة حتى يتسنّى لنا قضاء حاجاتنا البشرية. عدا ذلك لا شيء لافتا في حياتنا اليومية”.

سفيان هو أحد خمسة إخوة في عائلته، من بينهم ثلاثة من خريجي الجامعات، لكن لا أحد من بينهم يعمل في القطاع العام، في حين تعتمد العائلة على ما يكسبه والأب من عمله غير المنتظم كعامل بناء في القصرين لسد حاجياتها.

من ناحية أخرى، يتلقى سفيان من حين لآخر بعض المال مما ترسله العائلة حتى يصمد في الاعتصام. وبخلاف ذلك يحاول الاعتماد على نفسه وتدبر أمره لقضاء اليوم.

يقول سفيان ونبرة الإحباط تغلب على صوته، “خلال خمسة أشهر عدت مرة واحدة إلى القصرين لظرف طارئ، ليس هناك شيء في القصرين يشد الشباب هناك، ليس هناك تنمية ولا تشغيل”.

صامدون في خيام بائسة
صامدون في خيام بائسة

يشعر المعتصمون ومن بينهم 16 فتاة و17 شابا بأنه ما من خيار آخر أمامهم سوى الاستمرار في الاعتصام برغم المتاعب اليومية بهدف الضغط على الوزارة ودفعها إلى تنفيذ اتفاق سابق موقع مع الحكومة. يضطرون إلى الطبخ والمبيت تحت خيام منفصلة.ويعود سبب الاعتصام إلى احتجاجات اجتماعية حدثت في القصرين عام 2016 أشعلها محتج عاطل كان انتحر من فوق عمود كهربائي في حالة يأس. ودفعت تلك الاحتجاجات الحكومة إلى التعهد بتوفير فرص عمل لأكثر من 500 عاطل من كامل المحافظة.

ولتفادي نيران ثورة جديدة في البلاد في باقي المحافظات مثلما حدث في 2011 حينما انتحر بائع الخضار المتجول محمد البوعزيزي حرقا ليشعل انتفاضة شعبية أطاحت بحكم الرئيس الراحل زين العابدين بن علي، أصدرت الحكومة قرارا مماثلا بمنح حصة من فرص العمل لعاطلين في باقي المحافظات.

واستندت الدولة في قرارها إلى نص الدستور الجديد بعد ثورة 2011 والذي يقرّ تمييزا إيجابيا لمصلحة المحافظات الأكثر فقرا يرتبط بالمشاريع وفرص التوظيف في القطاع العام.

الاحتجاجات الاجتماعية متواترة في القصرين وفي جهات أخرى، لأن الكثير من الاتفاقات التي وقّعتها حكومات متعاقبة في تونس منذ الثورة لم تجد طريقها إلى التنفيذ.

ثلث العاطلين عن العمل في تونس من أصحاب الشهادات العليا، بعضهم انتظر فرصا لأكثر من عشر سنين فاختار الاحتجاج  أمام وزارة التشغيل

ومثل هذا الاعتصام تنتشر اعتصامات أخرى لعاطلين قدموا من الجهات الداخلية أمام مبنى البرلمان وبعض مقرات الولايات. وأمام مقر وزارة التشغيل يشعر أكثر من ثلاثين عاطلا من المعتصمين بأن وضعهم معلّق بلا أفق في انتظار أن يتم الإيفاء بالتعهد.

أمام مقرّ وزارة التشغيل، منذ بدء الاعتصام وعلى مدى خمسة أشهر، لم يعد حامد الصحيحي (39 عاما) الحاصل على شهادة الأستاذية في التقنية منذ 11 عاما، إلى القصرين حيث ترك والديه المسنين يكافحان من أجل العيش.

يقول حامد، “زملاؤنا بدأوا العمل منذ أربع سنوات، ونحن لا زلنا ننتظر حتى اليوم، كنا نحلم، ولكننا أدركنا أنهم يتلاعبون (الوزارة) بنا لهذا جئنا للاعتصام، تركت والداي في وضع صعب، ولكن لا يمكنني الآن العودة دون حل واضح”.

ولم تعد أحلام المستقبل ذات أولية لحامد، غير أنه يريد أن ينقذ ما يمكن إنقاذه مما تبقى من عمره، يقول بتحسر “لم أتزوج وليس لي عمل. كنت من بين المميزين في الدراسة، كانت لي أحلام، ولكنها بدأت تتلاشى. الهدف اليوم هو أن أضمن عملا يضمن لي عيشا كريما ومعاشا للتقاعد”.

ومن بين المعتصمين من تبلغ سنه 42 عاما، ولكن لا يمثّل هذا استثناء في بلد تصل فيه نسبة البطالة بحسب إحصائيات رسمية إلى 15 في المئة، وهي تشمل قرابة 650 ألف عاطل، حوالي ثلثهم من حاملي الشهادات العليا.
وفي محافظات مثل القصرين وتطاوين، وفي سيدي بوزيد حيث اندلعت الثورة التي أطاحت بحكم بن علي في 2011، يمكن أن تتجاوز نسبة البطالة ضعف المعدل العام. ويمثّل هذا ضغطا مستمرا على الحكومات المتعاقبة في تونس منذ بدء الانتقال الديمقراطي في البلاد.

لا شيء غير الشغل
لا شيء غير الشغل

وبسبب انحسار فرص العمل، يلجأ كثيرون من الشباب إلى الهجرة غير الشرعية عبر البحر للوصول إلى السواحل الإيطالية القريبة، ولكن حصول أسوأ حادثي غرق جماعي في 2018 و2019، زاد من الضغط على الدولة لإيقاف نزيف الموت في البحر.

يقول شاكر نصري (33 عاما) وهو من بين المعتصمين، “لم نطلب مناصب عليا، نريد أن نعيش حياة كريمة، حتى لا يحدث ما لا يحمد عقباه إذا ما أصيب أحد المعتصمين بحالة يأس شديدة”.

حصل شاكر على شهادة جامعية في مجال الإعلام منذ 2009. وخلال فترة بطالته عمل في المقاهي والبناء بشكل مؤقت، ولكن لم يحصل على عمل يتناسب مع دراسته،
وبدأ في الاعتصام يشعر بالإرهاق، وزاد سخطه على الدولة قائلا، “نحن على هذا الحال تحت خيام البلاستيك منذ عدة أشهر. نحن مستنزفون ماليا. وعندما تهطل الأمطار يصبح الوضع صعبا ومزريا. إذا توقفت الدولة على توظيف 33 شخصا فيجب أن نترحّم عليها”.

يخشى المعتصمون أن يزداد الأمر تعقيدا في فصل الشتاء، لأن تسوية وضعيتهم باتت مرتهنة بتكوين حكومة جديدة تأخر تشكيلها بسبب تعثر المشاورات السياسية، كما رفض البرلمان منح الثقة لحكومة مقترحة.

يقول شاكر، “المشهد مؤلم في المخيم، لا نريد البقاء إلى ما لا نهاية، جميعنا نريد أن نفك الاعتصام ونعود إلى ديارنا، لكن لا يمكننا أن نفعل ذلك قبل أن نحصل على حل واضح”.

20