تنقل الآباء بين المنازل المستأجرة يسلب الأبناء الشعور بالانتماء

هاجس امتلاك المنزل يرهق الأسر العربية ويدمر نفسيات أطفالها.
الثلاثاء 2021/05/25
البيت يجب أن يقبلنا عندما نذهب إليه

تواجه الأسر العربية تحدّيا خطيرا يتعلق بمواجهة الكثير من الصعوبات التي تحُول دون تأجيرها لمساكن آمنة وبأسعار معقولة، ما يدفعها إلى الانتقال المستمر بين العديد من المدن والأحياء. ويضطر الآباء إلى اقتلاع أطفالهم مرارا وتكرارا من مدارسهم وحرمانهم من أصدقائهم، ما قد يؤدي إلى عواقب وخيمة على حياة الأبناء والأسر وأجيال بأكملها.

لم يعد من السهل على معظم الأسر العربية متوسطة الدخل تأجير مسكن صغير بسعر معقول، بسبب الارتفاع المتزايد في تكاليف المعيشة والمشاكل الاقتصادية والاجتماعية.

 وباتت هذه المشكلة شديدة التعقيد وتحولُ دون الاستقرار في مسكن واحد لأكثر من سنة في بعض الأحيان، والتنقل عبر الأحياء والمدن للبحث عن مساكن لتأجيرها، وكثيرا ما تبحث العديد من الأسر عن بدائل تتوافق مع ميزانياتها، كالمساكن الشعبية، لكن لا يتوافر هذا الخيار أيضا لارتفاع الطلب وقلة المعروض.

وتصدرت تونس العاصمة في عام 2018 قائمة المدن الأعلى إيجارا للمساكن على المستوى الأفريقي بعد تسجيل زيادة كبيرة في أسعار الإيجارات خلال السنوات الأخيرة، وفقا لدراسة استبيانيه أجرتها الشركة العالمية للاستشارات “ميرسر”.

وشمل الاستبيان حوالي 209 مدينة ضمن خمس قارات واعتمد على دراسة التكاليف المقارنة لأكثر من 200 مسكن في كل بلدية بما في ذلك مكونات قطاعات السكن والنقل والأغذية والملابس والأدوات المنزلية والترفيه.

وأشارت “ميرسر” التابعة لمجموعة شركات “مارش ومكلينن”، في استطلاعها إلى مساهمة عدة عوامل في التأثير على كلفة إيجارات المساكن بهذه القارة من بينها عدم استقرار سوق السكن والتضخم وتقلبات أسعار السلع والخدمات.

إيمان الركاح: أسعار الإيجارات المشطة جعلت البعض أشبه بالرحل
إيمان الركاح: أسعار الإيجارات المشطة جعلت البعض أشبه بالرحل

وتواجه نسبة كبيرة من العائلات في المدن الكبرى بالدول العربية مشكلة ارتفاع أسعار الإيجارات وتكافح للتكيف معها، من جهة أخرى فإن المساكن المؤجرة تتسم بأنها محدودة المساحة، بسبب عجز غالبية الأسر ذات الدخل المتوسط عن تحمل تكاليف المنازل ذات المساحات الأكبر، ولا يوفر ذلك الحافز لسكان تلك المنازل للبقاء لوقت أطول فيها ويضطرهم إلى الانتقال بحثا عما يناسبهم، ما يدفعهم إلى تغيير مدارس أبنائهم في كل رحلة تنقل إلى منزل جديد وحرمانهم من أصدقائهم.

ولا يؤثر مثل هذا الأمر فقط على نفسيات الآباء فحسب ويسبب لهم الضغط النفسي والقلق والحزن، بل يصعب على الأطفال أيضا التكيف مع هذا الوضع ويضر بسلوكياتهم ونفسياتهم.

وتعكس شهادات الكثيرين ممن تحدثوا لـ”العرب” جزءا من أزمة ارتفاع أسعار الإيجارات في العديد من المدن بالمجتمعات العربية عموما.

وبلهجة تنم عن خيبة أملها عبرت التونسية إيمان الركاح عن أسفها من الخيارات التي أُتيحت أمامها عندما كانت تبحث عن تأجير منزل يجمعها هي وابنها.

وقالت الركاح لـ”العرب” “لم يعد من السهل اليوم على الأسر محدودة الدخل استئجار مسكن، يكون سعره معقولا ويكون مكانه ومساحته مناسبين، إضافة إلى تحمل نفقات الكثير من ضروريات الحياة مثل المأكل والملبس وفاتورات الكهرباء والماء التي ترتفع أيضا بشكل مشط سنويا بسبب سوء الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في تونس”.

وأضافت “لقد زاد وباء كورونا في تعميق الأزمة الاقتصادية والاجتماعية في البلاد، وتوازيا مع ذلك ارتفعت إيجارات المساكن وتكاليف المعيشة، خاصة في المدن الكبرى، وبات من الصعب على معظم المستأجرين تحمل تكاليف المعيشة وأسعار الإيجارات التي جعلت نسبة كبيرة من التونسيين أشبه بالرحل الذين يتنقلون بين عدة مساكن وأحياء ومدن في السنة من دون العثور على منزل يستقرون فيه لفترات طويلة ويشعرون من خلاله بالاستقرار النفسي وراحة البال”.

وختمت الركاح بقولها “لا أحد يستطيع أن يدرك معنى هذه المعاناة إلا من عاش تجربة الكراء المريرة التي تحرمنا أحيانا من الإحساس بطعم الحياة وتسرق منا ومن أطفالنا لحظات السعادة ويصبح تفكيرنا منصبا فقط على ذلك العالم المجهول الذي سننتقل إليه وكيف سنعيش فيه ونتأقلم معه والمنغصات الجديدة التي تربك حياتنا وتجعلنا نعيش في دوامة عدم الاستقرار المكاني والنفسي”.

وكشفت بعض الأبحاث والدراسات التي أجريت عن الأسر التي لا تمتلك منازل أن حياة الأطفال تتضرر بسبب العيش في عقارات مستأجرة، حيث يتم اقتلاعهم من مدارسهم ويبتعدون عن أصدقائهم أو قد يصبحون بلا مأوى بسبب تصاعد تكاليف الإيجار.

حلقة مفرغة

Thumbnail

تزداد احتمالية انتقال العائلات المستأجرة أضعاف المرات عن تلك التي تمتلك منزلا، ما قد یؤدي بھا إلى الدخول في حلقة مفرغة بسبب الشعور بعدم الاستقرار، ووطأة الإيجارات غير الآمنة والتكاليف المرتفعة والتحركات المستمرة التي تنغص حياة الأسر، وتنعكس سلبا على طفولة الأبناء وصحتهم النفسية، ومن غير المستبعد أن يعانوا من الاكتئاب.

ویمكن أيضا أن یؤثر التغییر المتواصل لمحل الإقامة والانتقال إلى مناطق لا تتوفر فیھا المرافق الصحية والطبية، خاصة على الأطفال ذوي الاحتیاجات الصحیة الخاصة.

وحذرت مروة بن عرفي، المختصة التونسية في علم النفس السريري، من عجز الدول العربية على توفير المساكن للأسر الفقيرة وتأثير ذلك على الصحة النفسية لأجيال بأكملها.

وقالت بن عرفي لـ”العرب” “عدم امتلاك نسبة كبيرة من الأسر لمساكن يهدد بتغيير اجتماعي هائل يتسلل إلينا دون أن يلاحظ أي شخص عواقبه على حياة الأطفال وأسرهم والأجيال التي ستأتي من بعدهم”.

وأضافت “ليس خيارا أن يغيّر الآباء منازلهم المستأجرة من وقت إلى آخر وقد يصل ذلك إلى عدة مرات في السنة وربما قد يضطرون إلى تغيير الحي أو البلدة للعيش في بيئة جديدة تتوافق مع وضعهم الاجتماعي والاقتصادي”.

مروة بن عرفي: الأطفال يعجزون عن الاندماج في المجتمع بسبب التنقل المستمر
مروة بن عرفي: الأطفال يعجزون عن الاندماج في المجتمع بسبب التنقل المستمر

وشددت على أن “حالة عدم الاستقرار والتنقل الدائم لا تتناسب كثيرا مع الأطفال ولها تأثيرات سلبية على نفسياتهم وقد يحول ذلك دون اندماجهم اجتماعيا ويفقدهم الإحساس بالهوية والانتماء، ويضعف روابط علاقتهم ببيئتهم”.

وأكدت أن “الطفل في مراحل  نموه الأولى وبداية من سن الثالثة يسعى إلى بناء علاقات اجتماعية وربط صداقات مع أقرانه ومشاركتهم الألعاب والأنشطة الاجتماعية المختلفة التي تسهل عملية اندماج الطفل مع المجتمع وتساعده على التكيف مع الآخرين وإقامة علاقات وامتصاص المعايير الاجتماعية، وكل ذلك يساهم في تنشئة طفل سعيد ومتزن نفسيا”.

وأوضحت بن عرفي قائلة “الأطفال كالكبار في حاجة إلى تكوين علاقات صداقة، يستطيعون من خلالها تنمية مشاعرهم العاطفية والاجتماعية، واكتساب مهارات التكيّف مع مختلف الأوضاع التي تواجههم في الحياة، لكن التنقل الدائم للأسرة قد يؤثر بالسلب على الطفل ويجعله يشعر بالحزن والإحباط وربما يميل للعزلة بعد أن يترك أصدقاءه الذين ألفهم ومدرسته، مما يؤثر على مساره التعليمي وقد يواجه مشكلة الاندماج الطبيعي في المجتمع ولذلك لا بد من الإحاطة النفسية بالطفل الذي تواجه عائلته مشكلة التنقل المستمر عبر المنازل لتجنب الصدمات النفسية التي قد تؤثر على شخصيته وحياته بأكملها”.

توفير المسكن اللائق

تؤكد الأبحاث التي أجريت في هذا الصدد، أن وجود الأصدقاء في مرحلة الطفولة يشعر الطفل بالأمان، ويرسخ لديه مفهوما جيدا عن ذاته، وينمي قدراته الاجتماعية، كما يزيد من قدرته على التحكم في مشاعره، ويحفزه على المنافسة وحب التفوق الدراسي.

وتذهب دراسة بحثية إلى أكثر من ذلك في تأكيدها أهمية توفير المسكن اللائق لأفراد المجتمع، خصوصا لذوي الدخل المحدود، وكيف يمكن أن يسهم ذلك بشكل كبير في تعزيز الأمن الوطني، ويحد من الجرائم المتعددة، كالجرائم الجنسية والإرهابية وغيرها.

وذكر الباحث السعودي إبراهيم العنزي في دراسة ناقشها بكلية العدالة الجنائية في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، تحت عنوان “حق المسكن وأثره في الوقاية من الجريمة”، أن الحصول على مسكن من حقوق الإنسان الأساسية، وأن توفير المسكن الملائم يعد عنصرا مهما من عناصر الحفاظ على الكرامة الإنسانية، وديمومة الحياة واستقرار المجتمع، مشددا على أن تقاعس بعض الدول عن توفير المسكن اللائق لمواطنيها يؤثر في أمنها واستقرارها، لما يسببه من جرائم تحدث خللا وفوضى في علاقة الناس ببعضهم، وفي علاقتهم بدولهم.

21