تمييز الأجداد للأحفاد يولّد الشقاق بين الإخوة الآباء

إظهار العواطف الزائدة تجاه أحد الأحفاد يثير كره الآخرين له ولوالديه.
الأربعاء 2021/08/11
ضرورة وضع الأحفاد في نفس المنزلة

يشدد خبراء علم الاجتماع والنفس على أن تكون معاملة الأجداد للأحفاد على قدم المساواة، أي ألّا يتم تفضيل أحدهم على الآخر حتى لا يتم زرع الفتنة بين الآباء الأشقاء. ويشير الخبراء إلى أنه بإمكان الجد أن يعبر عن عواطفه الزائدة دون إثارة حنق الآخرين، وأن يكون السند العاطفي لكل أفراد الأسرة.

يجمع الكتاب والمفكرون وعلماء الاجتماع والنفس على أهمية العلاقة التي تربط بين الأجداد والأحفاد والتي يطلق عليها اسم تواصل الأجيال، مشيرين إلى أنها علاقة تعود بالنفع والفائدة على كلا الطرفين. فالأجداد يرون في الأحفاد الامتداد الطبيعي لسلالتهم ومصدر السعادة والفخر في حياتهم. والأحفاد يرون في الأجداد المرساة الراسخة التي تزودهم بالإحساس بالأمان والانتماء.

لكن حب الأجداد المفرط لأحد أبنائهم قد يجعلهم يميزون بين أحفادهم، فيفضلون صغير الابن المحبوب على الصغار الآخرين ما يولد شقاقا بين الإخوة الآباء. وقد يكون التفضيل لمجرد تميز الحفيد في الدراسة أو لصغر سنه أو لكونه خفيف الظل ويجيد المزاح، أو فقط لكونه ابن الولد وليس ابن الفتاة الذي ينسب دائما إلى عائلة أبيه.

وقال الدكتور الصحبي بن منصور أستاذ الحضارة الإسلامية بجامعة الزيتونة إنه “لا يمكن الحديث عن علاقة مثالية بين الأصول والفروع في العائلات العربية إلا نادرا، لأنّ الناس قد ابتعدوا عن لب الدين الإسلامي وتمسكوا بالقشور في الملبس والمطعم والقوالب اللغوية (…) أما التحلي بمكارم الأخلاق فقد صار مهجورا ومخالفا للعصر بل وسذاجة”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب” أن “التمييز يبدأ أولا من الآباء للأبناء وينتقل إلى الأحفاد (…) ومرد ذلك تطابق طباع الجد مثلا مع الحفيد أو أن يجد فيه الخادم المطيع أو الحاذق الخبير”.

الواجب أن يعامل الجد كل فروعه من أبناء وأحفاد على قدم المساواة، ويمكنه أن يعبر عن عواطفه الزائدة دون إثارة حنق الآخرين

وأشار إلى أنه في الحضارة العربية كان سيد قريش عبدالمطلب يميز حفيده محمد بن عبدالله لما يتوسم فيه من مكارم أخلاق وسمو روحي حتى أنه كان الوحيد الذي يجلس في موضعه عند غيابه والحال أنّ ذلك المحل هو مجلس حكر على سيد قريش.

وتابع “وكم يطالعنا في التاريخ إعراب ملك أو خليفة عن توسمه خيرا في نقل كرسي الحكم إلى الحفيد مباشرة لكنه يعدل عن ذلك إلى الابن حتى يكون توريث الحكم طبقا للتسلسل الطبيعي في توريث السلطة”.

وأكد أن الواجب هو أن يعامل الجد كل فروعه من أبناء وأحفاد على قدم المساواة في الظاهر، لكن يمكنه أن يعبر عن عواطفه الزائدة تجاه فرد من عائلته دون إثارة حنق أو حسد الآخرين، تجنبا لما وقع فيه سيدنا يعقوب عليه السلام الذي ميز ابنه الأصغر يوسف فكانت النتيجة اجتماع كلمة إخوته على التخلص منه حتى يخلص لهم وجه أبيهم، مضيفا “هذه عائلة نبوية مختارة فما بالك بعامة الناس (…) فحكمة الأجداد هي مفتاح سعادة الأجيال المتعاقبة المنحدرة من أصلابهم”.

وأجمع المتخصصون على أن وجود الأجداد في حياة أحفادهم مهم جدا لبناء شخصياتهم وأفكارهم.

وقال الدكتور نبيل الزهار أستاذ علم النفس في جامعة قناة السويس إن “الأجداد يرون في الأحفاد الامتداد الطبيعي لسلالتهم ومصدر السعادة والفخر في حياتهم، لذلك أجمع المتخصصون على أن وجود الأجداد في حياة أحفادهم مهم جدا لبناء شخصياتهم وأفكارهم (…) فعندما يسمع الصغير والده ووالدته يناديان جده أو جدته بكلمة أبي أو أمي فإنه يبدأ في إدراك أنهما كانا في يوم من الأيام صغارا مثله وأنه سيأتي اليوم الذي سيتقدم به العمر مثلهما ويكون في حاجة إلي مساعدة أيضا، وهذا يعني أن عجلة الحياة في حركة دائمة”.

حب الأجداد للأحفاد متين
حب الأجداد للأحفاد متين

وأضاف “ليس هذا فقط، بل إن الأجداد يزودون الأحفاد بنوع من الثراء العاطفي والنفسي الذي لا يقدر بثمن، كما أنهم يزودونهم بالخبرات والمعارف الأساسية في الحياة بأسلوب سهل غير مباشر”، وهذا في رأيه هو المفهوم المثالي للتربية، خاصة وأن الأجداد يكونون عادة غير مشغولين بأعمال أخرى ومتمتعين بقدر كبير من الصبر، وهي الصفة التي يفتقدها الآباء والأمهات نتيجة كثرة مشاغلهم. وشدد على أن يكون الأجداد عادلين في معاملاتهم لأحفادهم لأن التمييز يمكن أن يضرهم أكثر مما ينفعهم. ويمكن أن يمتد ضرره إلى الآباء الأشقاء فينشر الحقد بينهم.

ويرى خبراء علم النفس أنَّ الأب والأم يعيشان الأبوة والأمومة مع أطفالهما في حلوها ومُرّها، لكن الجدَّين يعيشان مع الأحفاد الأبوَّة والأمومة المتأخرة في حلوها فقط، أما الجانب المرّ فيتركانه للأب والأم.

لذلك يرى الأجداد في الأحفاد امتداداً طبيعياً لسلالتهم ومصدر سعادة وفخر في حياتهم. وبدورهم يرى الأحفاد في الأجداد الحضن الذي يعطيهم الإحساس بالأمان والانتماء. ويزوِّد الأجداد الأحفاد بنوع من الثراء العاطفي والنفسي، كما يزودونهم بالخبرات والمعارف الأساسية في الحياة نتيجة التجارب والخبرات.

وعندما ينتقل دور الوالدين من أم وأب إلى جد وجدة يتغير الوصف الوظيفي لمهمتهما فلا يعود هدفها الرئيسي رعاية الطفل، بل تقديم الحب والاستمتاع بمشاعر الأبوة والأمومة دون عناء.

لذلك يشدد الخبراء على أن يكون الأجداد مصدرا لراحة أحفادهم وبقية عناصر العائلة لا مصدرا لشقائهم أو تشتتهم.

وقالت لمياء القصوري، أم لفتاتين وموظفة في القطاع العام، إنها دائما ما تقضي عطلة الصيف لدى عائلتها في ولاية الكاف شمال غرب تونس وترى في ذلك مناسبة لتتعرف بنتاها على أبناء شقيقها ويلعبون ويمرحون معا، وكذلك حتى تشعران بحنان الجد والجدة.

علاقة مثالية بين الأصول والفروع في العائلات
علاقة مثالية بين الأصول والفروع في العائلات 

وأضافت لـ”العرب” أنها دائما ما تقرأ في عيني أبيها تمييزا لأبناء إخوتها عن بنتيها، وقد تعزز أفعاله هذا الشعور. فهو دائما ما يرحب بابن شقيقها ترحيبا خاصا ويعطيه الأولوية في كل شيء، ويخصص له يوميا مبلغا بسيطا من المال ليشتري به ما يروق له، ويفرده في المناسبات بهدية خاصة، وقد يطلب المال منها ليعطيه لأبناء شقيقه.

وقد ولد هذا التفضيل إحساسا بالدونية لديها وجعلها تحمل غيضا لأخيها وزوجته رغم أنهما ليسا مسؤولين عن سلوك أبيها. وأشارت القصوري إلى أنها لا تكره أخاها أو تحقد عليه بقدر ما تتساءل عن أسباب التفضيل.

ولفت عادل العكرمي أستاذ التعليم الثانوي بولاية سيدي بوزيد (وسط تونس) إلى أن مثل هذا التصرف وارد من الآباء المسنين الذين لم يعودوا يدركون الآثار التي يمكن أن ينجر عنها هذا السلوك.

وقال لـ”العرب” إنه “يجب ألا يتسرع الأبناء ويتخذون موقفا سلبيا من الأب أو من إخوتهم بسبب تفضيله لأحد أحفاده”.

وأشار العكرمي إلى أن الجد أو الجدة ربما يكونان قد شعرا بقرب أحد أحفادهما إليهما أكثر من البقية لذلك فضلاه عن الآخرين، لكن في نهاية المطاف كل الأحفاد متشابهون بالنسبة إلى أجدادهم.

21