"تمساح أرسطو" يكشف الخلاف الفلسفي بين ماركس وبرودون

المفكر بيار جوزيف برودون دافع عن الاشتراكية الفوضوية حيث انتقد الرأسمالية والنظم السياسية الليبرالية والدين من دون أن يظهر تعاطفا مع الديمقراطية المباشرة.
الثلاثاء 2019/11/12
معارض ماركس الذي تغافل عنه الجميع

لم تكن الشيوعية فقط نظاما سياسيا، بل هي أفكار فلسفية تناولت بالسؤال والنقاش حياة الأفراد والمجتمع والإبداع والفن والدين وغيرها، لتنشئ جهازا نظريا قائما على التفكير الفلسفي. لكن هذا التمشي الفكري الذي يقرنه العالم بالفيلسوف الألماني كارل ماركس، كان له أكثر من وجه، وجوه فلسفية كثيرة حاولت مقاربة الاشتراكية وتخالفت مع ماركس، لعل أهما الفيلسوف الفرنسي بيار جوزيف برودون الذي كرس له مواطنه ميشال أونفري كتابه الجديد.

مطلع خريف 2019، صدر عن دار “البان ميشال” الفرنسية كتاب للمفكر ميشال أونفري بعنوان “تمساح أرسطو”. ويتضمن تحليلا مفصلا عن العلاقة الفلسفية بين بيار جوزيف برودون (1809-1865) وكارل ماركس (1818-1883).

معلوم أن برودون كان من دعاة الاشتراكية الفوضوية، وبه تأثر السرياليون باعتباره مفكرا إباحيا، ومدافعا شرسا عن الحريات الفردية. أما ماركس فقد بلور ما أصبح يسمى بالاشتراكية العلمية التي تقوم على الصراع الطبقي، مانحة السلطة لطبقة العمال (البروليتاريا)، ومفوّضة إياها إدارة الصراع ضد الرأسمالية.

الوقوف ضد ماركس

خلال القرن العشرين، وتحديدا بعد انتصار الثورة البلشفية التي أطاحت بالنظام القيصري في روسيا بزعامة لينين، طبقت الاشتراكية بحسب المنهج الماركسي في ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي، ثم في بلدان أوروبا الشرقية. كما طبقت في الصين، وفي كوبا، وفي فيتنام، وفي كوريا الشمالية. وفي نهاية الثمانينات من القرن الماضي، انهارت العديد من النظم الاشتراكية، إلاّ أن أنظمة اشتراكية أخرى لا تزال قائمة إلى حد اليوم.

برودون كان من دعاة الاشتراكية الفوضوية
برودون كان من دعاة الاشتراكية الفوضوية

وخلال القرن العشرين فُتن مفكرون وكتاب وشعراء ومثقفون كثيرون من مختلف أنحاء العالم بنظرية ماركس الاشتراكية، وتعاطفوا معها، ودافعوا عنها نظريا. وهناك من بينهم من دفع الثمن غاليا في سبيل ذلك. ولعل أشهرهم كان المفكر الإيطالي أنطونيو غرامشي الذي أمضى الشطر الأكبر من حياته في سجون موسوليني زعيم الفاشية الحالم بعودة مجد روما القديم.

وكان برودون يدعو إلى اشتراكية فوضوية متسامحة وسلمية. لذلك كان يرفض كل أشكال العنف، وبشدة تصدى لها منتقدا المنظرين لها، والمطبقين لها من أمثال روباسبيير الذي جسدها بأفظع وأشنع صورة خلال الثورة الفرنسية.

وفي البداية، أعجب كارل ماركس الشاب بكتاب برودون “ما الملكية؟” الذي صدر عام 1840. وفي كتابه “العائلة المقدسة” الذي صدر عام 1845، مدح برودون ونوّه بأفكاره السياسية والاقتصادية. لكنه سرعان ما انقلب عليه بعد أن أصدر كتابا حول تناقضات النظام الاقتصادي بعنوان “بؤس الفلسفة”، منتقدا أفكاره، وساخرا منها من خلال كتاب بعنوان “فلسفة البؤس”. وقبل اندلاع المعركة، كان ماركس قد طلب من برودون أن يكون مراسلا له في فرنسا غير أن هذا الأخير رفض ذلك رفضا قاطعا. وفي الرسالة التي بعث بها إلى ماركس بتاريخ 17 مايو 1846، انتقد برودون نظرية ماركس حول الاشتراكية، معتبرا إياها منافية للحرية الشخصية والجماعية، ومتناقضة معها. بل إنه اعتبرها بمثابة “دين جديد” إذ أنها تحتم على أنصارها أن يكونوا مطيعين لمبادئها، وخاضعين لمنظريها، ولزعمائها، فاقدة بذلك لكل مبادئ التسامح والسلام بين الطبقات والشعوب.

وأضاف برودون قائلا إن اشتراكية ماركس لا ترفض العنف، بل إنها تعتبره الوسيلة الأفضل لفرضها وتطبيقها. وقد كتب يقول “إن العمال بحاجة إلى العلم والمعرفة. وسوف يستاؤون منا إن نحن أرغمناهم على شرب الدم”.

توقعات في محلها

لقد أثبت التاريخ أن برودون لم يكن خاطئا في ما ذهب إليه، إذ إن الاشتراكية بحسب المنهج الماركسي تحولت عند تطبيقها في القرن العشرين إلى دين جديد. وباسمها ارتكبت مجازر فظيعة ضد الأفراد والجماعات، وسلطت مظالم شنيعة على الشعوب والمجتمعات. وهذا ما حدث في ما كان يسمى بالاتحاد السوفياتي، وفي الصين في عهد ماو تسي تونغ، وفي كوريا الشمالية، وفي كوبا، وفي كمبوديا عندما كانت تحت سيطرة “الخمير الحمر”.

وفي جل كتبه التي دافع فيها عن الاشتراكية الفوضوية، انتقد برودون الرأسمالية، والنظم السياسية الليبرالية، والدين من دون أن يظهر ميلا أو تعاطفا مع الديمقراطية المباشرة، ومع نظرية “العقد الاجتماعي” كما حددها روسو، ولا مع اشتراكية “اليعاقبة” الموروثة عن الثورة الفرنسية.

أونفري يدعو إلى اشتراكية فوضوية متسامحة وسلمية، وكان يرفض كل أشكال العنف وتصدى لها منتقدا المنظرين لها

 وكان المفكر الفرنسي يدعو إلى أن يكون العمال مسؤولين عن إدارة أعمالهم بأنفسهم بعيدا عن أي وصاية. وبشراسة دافع عن الحريات الفردية التي تصادرها الأنظمة القمعية باعتبارها متناقضة مع القوانين الضامنة للأمن والاستقرار.

وقد كتب يقول “أن يكون الإنسان محكوما يعني أن يكون مراقبا في حركاته وفي سكناته، وأن يكون محل تفتيش ووصاية، وأن يكون خاضعا للرقابة بجميع أشكالها وأنواعها، وأن يحرم من حقوقه باسم احترام القوانين والنظم السياسية القائمة”.

وكان برودون يقول أيضا إن الشيوعية التي كان يدعو لها ماركس لن تنقذ الفقراء من فقرهم، ولن تحدث أي تغيير إيجابي في حياتهم، بل إنها ستكتفي بتغيير الحكام القدماء
بحكام جدد قد يكونون أسوأ من سابقيهم.

14