تعديل الدوائر الانتخابية لمنع الهيمنة الشيعية في العراق

رئيس البرلمان العراقي محمد الحلبوسي يتحرك لتأييد تعدد الدوائر في كل محافظة.
الأربعاء 2020/09/09
الشارع الغاضب قال كلمته

بغداد - تدور معركة سياسية حامية في العراق بشأن الدوائر الانتخابية التي سيتم تثبيتها في ملاحق قانون الانتخابات الذي أقره البرلمان بصيغة معدلة، نزولا عند رغبة الشارع العراقي الغاضب، وبهدف منع هيمنة الأحزاب الشيعية الموالية لإيران.

واعتمد العراق في التجارب الانتخابية السابقة طريقة التمثيل النسبي مع معاملة المحافظة كدائرة واحدة وفقا لنظامي القوائم المغلقة والمفتوحة، ما سمح بفوز مرشحين حصلوا على أصوات قليلة، لمجرد أن القوائم التي تدعمهم حصلت على أصوات كثيرة.

لذلك، عندما خرج العراقيون للمشاركة في أوسع احتجاجات شعبية تشهدها البلاد، مطلع أكتوبر 2019، واستمرت عدة شهور، كان اعتماد الدوائر المتعددة في قانون الانتخابات من أبرز مطالبهم، وهو ما أقره البرلمان العراقي فعلا بعد شهور قليلة.

وتنص صيغة الدوائر المتعددة على تقسيم المحافظة إلى دوائر بحسب عدد مقاعدها، ويفوز بالمقعد صاحب أعلى الأصوات ضمن الدائرة، بغض النظر عن تسلسله في قائمة الترشيح.

ويتحرك رئيس البرلمان محمد الحلبوسي منذ الشهر الماضي في اتجاهات مختلفة، من أجل حشد التأييد السياسي اللازم لصيغة الدوائر المتعددة للمحافظة العراقية الواحدة. لكنه يواجه معارضة شرسة من أقطاب سياسية شيعية بارزة، يقودها ائتلاف دولة القانون بزعامة رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي، الذي يريد اعتبار كل محافظة دائرة انتخابية واحدة، بغض النظر عن عدد مقاعدها.

وبدأ الحلبوسي حملته من داخل المكون السني الذي ينتمي إليه، إذ حشد خلفه دعم أبرز قادة القوى السنية، استنادا إلى حقيقة أن الدوائر المتعددة على مستوى المحافظة، قد تمكن السنة من استعادة نحو 20 مقعدا في البرلمان العراقي ذهبت إلى قوى شيعية وكردية خلال عمليات الاقتراع التي جرت بعد عام 2010، بسبب حركة السكان الداخلية والنزوح الذي رزح تحته المجتمع السني، إثر احتلال معظم مناطقه من قبل تنظيم داعش صيف عام 2014.

وحتى عام 2010 كانت المقاعد السنية في البرلمان العراقي تدور في أجواء التسعين مقعدا، لكنها انخفضت في 2014 و2018 بنحو 20 مقعدا، بسبب ظروف ديمغرافية وأمنية.

وبعد أن ضمِنَ تأييدَ قادةِ المكون السني، تحرك الحلبوسي نحو القوى الشيعية للبحث عن شركاء؛ حيث وجد في زعيم تيار الحكمة، عمار الحكيم الذي يرعى الآن تحالفا نيابيا يملك قرابة 24 مقعدا بعنوان “عراقيون”، شريكا محتملا.

وفي العادة يعترض أكراد العراق على أي صيغة تجزّئ المحافظات إلى دوائر أصغر، لكن الإشارات القادمة من أربيل، عاصمة الإقليم الكردي شبه المستقل، كانت مختلفة هذه المرة.

وطار الحلبوسي إلى أربيل يوم الأحد عاجلا للقاء الزعيم الكردي البارز مسعود البارزاني، حيث ورد أنه عرض عليه صيغة الدوائر المتعددة للمحافظة الواحدة، ولم يلمس اعتراضا واضحا.

وتقول مصادر سياسية في بغداد إن الحسابات الكردية تشير إلى أن القوى السياسية التي تمثل الإقليم شبه المستقل في شمال العراق لن تتضرر في حال تطبيق صيغة الدوائر المتعددة، ما يعني أن حليفا قويا يمكن أن يدعم جهود الحلبوسي.

لكن قلق الزعيم السني الشاب يكمن في تطابق رغبته في اعتماد صيغة الدوائر المتعددة مع رغبة زعيم التيار الصدري مقتدى الصدر، الذي ترى فيه القوى الشيعية خطرا كبيرا على حظوظها الانتخابية.

إشارات قادمة من أربيل مختلفة هذه المرة
إشارات قادمة من أربيل مختلفة

ويتوقع مراقبون أن يكون الصدر هو الرابح الأكبر في المناطق الشيعية، من تطبيق صيغة الدوائر المتعددة، نظرا إلى توزع جمهوره في العديد من المحافظات، وهيمنته على أقضية ونواح عدة.

ويقول ساسة عراقيون إن فرص الصدر الكبيرة في تسجيل فوز انتخابي عريض في حال جرى اعتماد صيغة الدوائر المتعددة على مستوى المحافظة الواحدة، هي أكبر كوابيس المالكي في المرحلة المقبلة، وهذا ما يفسر استقتال ائتلاف دولة القانون من أجل اعتماد صيغة الدائرة الانتخابية للمحافظة الواحدة.

ويعتقد ائتلاف المالكي أن حظوظه في الحصول على مقاعد أكثر ستكون أوفر، في حال عُوملت العاصمة بغداد مثلا على أنها دائرة انتخابية واحدة، نظرا إلى وجود جمهور متناثر قد يصوت لدولة القانون في مناطق مختلفة منها. لكن هذا الجمهور لن تكون لأصواته قيمة ما لم يتم جمعها في النهاية، واحتسابها للقائمة، كما جرت العادة سابقا.

ويقول المراقبون إن انسداد الآفاق قد يدفع إلى حلول من خارج الصندوق، بمعنى أن القوى السياسية قد تضطر إلى قبول خيارات مختلفة، بسبب تزايد حدة الخلاف.

ومع إيمان جميع الأطراف السياسية في البلاد بضرورة المحافظة على العملية الديمقراطية بشقها الانتخابي، يتوقع مراقبون أن يتوصل الفرقاء إلى صيغة تضمن تعدد الدوائر داخل كل محافظة، ولكن ليس على مستوى المقعد الواحد.

وتشير مصادر سياسية إلى أن النقاشات تدور الآن حول إمكانية تقسيم المحافظة الواحدة التي تملك 15 مقعدا في البرلمان، على سبيل المثال، إلى ثلاث دوائر، تضم كل واحد خمسة مقاعد.

وتتعدد المقترحات في هذا المجال، فيما يقول مراقبون إن كل حزب يتقدم بمقترحات تناسب وضعه الانتخابي، ما يترك قائمة الخيارات طويلة جدا.

لكن أرجح المقترحات يدور حول اعتماد دائرة واحدة لكل 4 أو 5 مقاعد في البرلمان العراقي المكون من 329 نائبا.

ويمكن لهذا الخيار أن يحد من الضرر الذي قد تتعرض له أحزاب كبيرة تقف ضدّ فكرة تعدد الدوائر في المحافظة الواحدة، كما أنه لن يسمح بالهيمنة المطلقة للأحزاب التي تدفع نحو اعتماد الدوائر المتعددة.

وسيتحتم على البرلمان حسم الجدل في هذا الشأن فورا إذا أراد مجاراة الحكومة في موعد الاقتراع الذي حددته، وهو الأول من يونيو 2021.

1