تطوير الإعلام المصري بحاجة إلى مهنيين لا قرارات إدارية

الهيئة الوطنية للصحافة تقلص مهام رؤساء التحرير للتدقيق في اختيار قيادات جديدة.
الخميس 2020/06/04
نسخ متشابهة

تنتظر الجماعة الصحافية في مصر ضخ دماء جديدة في الصحف الحكومية تنتشلها من عثراتها الحالية، لكن الهيئات الحكومية تركز على اختيار رؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحافية الحكومية وفقا لأهل الثقة وليس أهل الكفاءة، ما يقلص من فرص الإنجاز المهني لدى الصحافيين.

القاهرة – تسبب التعامل مع ملف الإعلام في مصر باعتبار مؤسساته وظيفية تدار بنفس طريقة الهيئات الحكومية، في اختفاء الإنجاز المهني للصحافي وفقدان الدافع للإبداع، الأمر الذي يصعّب مهمة الإصلاح في ظل إعلان المسؤولين باستمرار عن الرغبة في إدخال تغييرات كبيرة على طريقة الإدارة للحد من الخسائر الفادحة.

وأصدر رئيس الهيئة الوطنية للصحافة كرم جبر قرارا قبل أيام بتسيير رؤساء مجالس إدارات المؤسسات الصحافية الحكومية الأعمال الاعتيادية في مؤسساتهم على الوجه الأمثل بما يضمن حسن إدارة الموارد وضبط وترشيد الإنفاق لحين تعدد قيادات جديدة، بعد انتهاء مدة تعيينهم في 30 مايو الماضي، وتأخر إصدار قرارات بتعيين قيادات جديدة تأثرا بأزمة كورونا.

وحددت الهيئة الوطنية للصحافة فترة معينة لرؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارات، ويستمر المسؤول في منصبه ثلاث سنوات كاملة انتظارا لقدوم موعد الدورة التالية، ما يعني غياب أدوات الرقابة على أداء القيادات طيلة فترة شغلهم لمناصبهم، وانعكس ذلك على ترهل العديد من الصحف.

وكان من المقرر أن يجري استكمال تعيين أعضاء مجالس إدارات والجمعيات العمومية للصحف القومية بعد إجراء الانتخابات على هذه المناصب في مارس الماضي، وأوقف انتشار الجائحة التحركات التي كان من ضمنها تعيين رؤساء جدد للهيئات الإعلامية، ثم تعيين رؤساء مجالس إدارات ورؤساء تحرير.

وتشكل طريقة اختيار المسؤولين عن الإعلام بمصر أحد الملفات الملغمة خاصة في إدارة الصحف الحكومية، لأن الاختيار جرى على أن يكون وفقا لأهل الثقة وليس أهل الكفاءة، ما يقلص من فرص التنافس المهني بين الصحافيين، ونتج عنه عدم تقديم أسماء مناسبة، كالتي لمعت واستطاعت تحقيق شهرة وكانت سببا في جذب الجمهور لهذه الصحف.

وقالت مصادر مطلعة لـ”العرب” إن قرار تسيير الأعمال من شأنه إفساح المجال أمام جهات عديدة لتدقيق اختيار الأسماء، وهناك رغبة حثيثة في أن يكون اختيار القيادات هذه المرة وفقا لمعايير الكفاءة، وهي الفرصة الأخيرة أمام الصحف القومية لتحسين أوضاعها، فالفترة المقبلة قد تشهد غلق بعض الإصدارات التي لم يعد هناك مبرر لاستمرار بقائها.

وتنتظر الجماعة الصحافية ضخ دماء جديدة في الصحف الحكومية تنتشلها من عثراتها الحالية، في ظل اتخاذ الحكومة إجراءات صبت في صالح ضبط القرارات الإدارية التي كانت سببا رئيسيا في الكثير من أزماتها، في مقدّمتها وقف التعيينات والتعاقدات داخل هذه المؤسسات، وربط التمديد لِمَن هم فوق الستين عاما بموافقة الهيئة الوطنية للصحافة.

هامش الحرية الذي تركته السلطة للصحافة ضيعه الصحافيون أنفسهم لشغفهم المستمر في التقرب منها

وتضمن القرار الأخير للوطنية للصحافة منع إصدار قرارات مالية أو اقتصادية تؤثر في أوضاع المؤسسات، بما في ذلك البيع والشراء والتعيينات والعقود ومد الخدمة والترقيات والندب والنقل من الوظائف وصرف البدلات الاستثنائية، إلا بعد الرجوع للهيئة والحصول على موافقة مكتوبة منها بذلك، ويعتبر غير ذلك مخالفة صريحة تستوجب المساءلة.

وأكد وزير الإعلام أسامة هيكل في تصريحات إعلامية الثلاثاء “أن الإعلام الحكومي دخل في مرحلة الإصلاح، وأن المرشحين الجدد يجب أن يكونوا ملمين بجميع أوجه الإعلام والصحافة الإدارية والمهنية، كما أن رؤساء مجالس الصحف والمؤسسات ستتم محاسبتهم من قبل الهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام،  فلا إدارة دون محاسبة”.

وأشار هيكل إلى أن الرئيس عبدالفتاح السيسي شدد على ضرورة تجنب المجاملات في اختيار رؤساء الهيئات، وأن المرحلة المقبلة تتطلب اختيار الكفاءات لإدارة هذا الملف الهام، وهناك تنسيق مع الأجهزة المعنية لتقديم أفضل العناصر خلال التشكيلات الجديدة، والمقرر خروجها إلى النور قريبا.

وتتجه الحكومة إلى تقليص أوجه الدعم الموجه إلى الصحف الحكومية، وتسعى إلى تهيئة الأوضاع داخل هذه المؤسسات للتماشي مع الأوضاع الجديدة، لكن هذه الخطوات لن تحقق أثرا على أرض الواقع دون أن يكون هناك تطوير مهني يسمح بتقديم مواد إعلامية جاذبة للجمهور، ومن الواضح أن الجهات القائمة على عملية الاختيار أدركت هذا الأمر مؤخرا.

ويرى خبراء أن تطوير الإعلام بحاجة إلى عقول وليس إلى قرارات، وأن الإقدام على الإصلاح من خلال وجود نفس الأشخاص الذين يديرون الإعلام منذ عدة سنوات لا فائدة منه.

واستطاعت الصحف الحكومية أن تحقق جماهيرية واسعة في نظم لم تتسم بالديمقراطية في السابق، لكنها لا تستطيع تحقيق الأمر ذاته في الوقت الحالي، بسبب وجود أزمات مهنية عديدة تعاني منها وعدم قدرتها على المنافسة مع باقي الوسائط الإعلامية المختلفة، وأن العمل الجيد يستطيع أن يفرض نفسه، وبالتالي فإن البحث عن شخصيات لديها رؤى تحريرية متطورة مطلوب كي تتحول المهنة إلى مصباح للثقافة والفكر والمعرفة. ومنذ أن جرى تشكيل المجلس الأعلى للصحافة ليكون مسؤولا عن إدارة الصحف، يقوم بتعيين رؤساء التحرير ورؤساء مجالس الإدارات وفق مدد زمنية محددة، وكانت هذه التعيينات تمرر أولا عبر مجلس الشورى (الغرفة الثانية للبرلمان)، بما يجعلها تكتسب الصفة التشريعية، وهو أمر لم يحدث بعد إلغاء مجلس الشورى.

وتعاني الصحافة المصرية من مظاهر تسببت في تقليص قدرتها على التأثير، مثل الاعتماد على البيانات الصحافية، ما أدى في كثير من الأحيان إلى خروج المانشيتات بنفس الصيغة، وتحولت الصحف إلى نسخ متشابهة.

ويتفق العديد من خبراء الإعلام على أن هامش الحرية الذي تركته السلطة الحاكمة للصحافة ضيعه الصحافيون أنفسهم لشغفهم المستمر في التقرب منها، وانتقل التنافس من الانفراد الصحافي إلى القدرة على التقرب من هذا المسؤول أو ذاك.

وأكد رئيس لجنة استقلال الصحافة بشير العدل أن التنافس بين الصحافيين على التقرب من المسؤولين انتقل إلى جميع المؤسسات الصحافية، وأن الرغبة في إثبات الولاء بأي طريقة قضى على هامش الحرية المتاح، والأمر بحاجة إلى تحويل حديث الحكومة عن عدم الاختيار على أساس الولاء إلى قرارات تعيد الاعتبار للجوانب المهنية التي غابت إلى حد كبير.

وأضاف العدل لـ”العرب” أن الهيئات الإعلامية تعمل كأنها في جزر منعزلة، ولا تقتنع بأن هناك توجهات رئاسية بأن يكون الاختيار على أساس الكفاءة وليس الولاء، وهو ما يجعلها تقدم على اختيار أسماء قريبة منها، ويكون أيضا ذلك كنوع من الرغبة في إبداء الولاء للسلطة، ما جعل الإعلام يدور في دائرة مفرغة.

18