تركيا لن تتعافى بسهولة من حكم أردوغان

هل بوسع تركيا العودة إلى المسار الأكثر اعتدالا وعلمانية الذي سلكته قبل عام 2002؟
الخميس 2021/11/25
لا يسمعهم أردوغان

واشنطن - يواجه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وحكومته منذ عدة سنوات اتهامات متزايدة بسوء التصرف وإدارة البلاد بطريقة سيئة ما دفع بها مُرغمة نحو أزمات حادة لعل آخرها الأزمة الاقتصادية، بينما ينشغل أردوغان بتحركات خارجية والتدخل في أزمات دول أخرى لتوسيع قاعدة شعبيته ونفوذه.

وسجلت أنقرة انهيارا حادا في العملة المحلية حيث تراجعت الليرة بنسبة 15 في المئة، مسجلة أدنى مستوياتها القياسية مقابل الدولار. وعاد وباء كورونا للانتشار مجددا في البلاد التي مازالت تئن تحت وطأة تداعيات موجات الوباء السابقة.

ورغم توالي الأزمات رفض أردوغان، الذي تثبت استطلاعات الرأي تراجع شعبيته محليا، دعوة الأحزاب المعارضة إلى إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية مبكرة، وهو ما عزاه محللون إلى مخاوف أردوغان من تكرار الفشل الذي مني به حزبه العدالة والتنمية في الانتخابات البلدية التي نظمت عام 2019.

ويقول مايكل روبين، الباحث المقيم بمعهد “أميركان انتربرايز”، في تقرير نشرته مجلة “ناشونال إنتريست” الأميركية إن أردوغان حكم تركيا منذ ما يقرب من عقدين.

وفي العقد الأول من حكم أردوغان رفض العديد من المسؤولين الغربيين الاعتراف أو الإقرار بالتغيير في تركيا تحت قيادة أردوغان؛ فعلى سبيل المثال أشاد الرئيسان الأميركيان السابقان جورج دبليو بوش وباراك أوباما بالديمقراطية في تركيا بعد فترة طويلة من توقفها عن كونها ديمقراطية. وفيما لم يواجه الرئيس دونالد ترامب أردوغان باتساق تحرك كل من وزير الخارجية مايك بومبيو وقادة الكونغرس لمحاسبة الرئيس التركي. ويُحسب للرئيس جو بايدن أنه لم يتعامل مع أردوغان بأسلوب التساهل نفسه الذي تعامل به أسلافه.

مايكل روبين: تركيا تواجه مأزقا مستداما ومن الصعب العودة إلى الوضع الطبيعي

ويرى روبين، المتخصص في أبحاث شؤون إيران وتركيا والشرق الأوسط بشكل عام، أن معظم القادة السياسيين الأميركيين يدركون اليوم أن تركيا ليست حليفا. ومهما كان نوع تحالف أنقرة مع موسكو فإنه يؤكد مدى عدم موثوقية تركيا كحليف للناتو خلال أي أزمة مستقبلية؛ ذلك أن دعم أردوغان لتنظيم داعش والجماعات التابعة لتنظيم القاعدة وإعادة تصنيف المنتقدين على أنهم إرهابيون يثبتان أن تركيا ليست حليفا في الحرب ضد الإرهاب.

ويضيف أن الأتراك الذين وقعوا ضحية أردوغان والأتراك ذوي التوجه الغربي، والعديد من الأتراك الآخرين، يشيرون إلى أن أردوغان وتركيا ليسا مترادفين. وهم يلاحظون تراجع شعبية أردوغان بشكل متزايد داخل تركيا. فانخفاض قيمة الليرة التركية، حيث فقدت 80 في المئة من قيمتها خلال عقد، دليل على سوء الإدارة المالية لأردوغان. وفي حين يتباهى أردوغان بمشاريع البنية التحتية الكبرى، يبدو أن العديد من هذه المشاريع محاولات واضحة لمكافأة المقربين بعقود تقدر بمليارات الدولارات.

وحتى الأتراك الموالون لأردوغان يلاحظون الآثار المدمرة التي أضفاها حكمه على البلاد. وباتت هناك شكوى شائعة بشكل متزايد من أن “إسطنبول ليست المدينة التي كانت عليها من قبل”. ويشعر الكثير من الأتراك بالاختناق بسبب مواقف أردوغان التقييدية وميوله الاستبدادية.

وعلى هذا الأساس هناك سؤالان يمكن طرحهما، وهما: هل يؤدي افتقاد الشعبية -في هذه الحالة- إلى سقوط أردوغان سياسيا؟ وهل بوسع تركيا العودة إلى المسار الأكثر اعتدالا وعلمانية الذي سلكته قبل عام 2002؟

ويقول روبين إن الإجابة عن السؤالين هي “لا”. فافتراض أن أردوغان سوف يُخضع نفسه للمساءلة الانتخابية هو ضرب من التمني. صحيح أنه في عام 2019 فاز مرشح معارض في إسطنبول على الرغم من أن أردوغان أمر بإعادة التصويت لأسباب واهية. ولئن كان بالإمكان أن يمنح هذا أملا في أن يتمكن مرشح -حتى عمدة إسطنبول أكرم إبراهيم أوغلو- من الإطاحة بالرئيس أردوغان فإنه يفترض أن الدرس الذي تعلمه أردوغان هو أنه يجب أن يحترم صناديق الاقتراع.

وبدلا من ذلك يشير سجل أردوغان إلى أنه سيتجنب التكرار من خلال زيادة القمع قبل يوم الانتخابات والتلاعب بالأرقام أثناء جدولة الأصوات. وحقيقة أن عددا قليلا جدا من الأتراك خرجوا إلى الشوارع، وأن حزب الشعب الجمهوري من يسار الوسط (الحزب الذي ينتمي إليه إبراهيم أوغلو) لم يرفع صوته بالكاد إلا عندما اعتقل أردوغان زعيم حزب الشعوب الديمقراطي صلاح الدين دميرطاش هي من الأمور التي لا تؤدي سوى إلى تشجيع أردوغان.

ويقول بعض المحللين في تركيا إن التقدم في السن واعتلال الصحة قد يدفعان أردوغان إلى التقاعد لصالح شخص مثل خلوصي أكار، وزير الدفاع التركي. وإذا خسر أكار الانتخابات يستطيع أردوغان أن يلومه ولكنه لن يتأثر بوصمة الخسارة. وهذه أيضا مجرد تمنيات.

ومن غير المرجح أيضا أن ينقل أردوغان زمام الأمور إلى أكار لسبب آخر؛ ذلك أنه بالنظر إلى عدد المسجونين أو المُعتدى عليهم أو القتلى على يد أردوغان، تكون الخطوة الأكثر شعبوية التي قد يتخذها أي رئيس في المستقبل هي اعتقال أردوغان نفسه وجعله يقضي سنوات تقاعده في السجن، وفقا لما يراه روبين.

ويقول روبين إن الكثير من الأتراك الذين نبذهم أردوغان ينظرون الآن إلى حقبة ما قبل عام 2001 على أنها العصر الذهبي. وهم ينصحون بالحذر داخل واشنطن لتجنب قطع العلاقات مع الأتراك الذين يعتبرون أردوغان مشكلة بالنسبة إليهم. لكنْ هناك فرق بين الاعتراف بأن أردوغان ليس تركيا وإنكار أنه جعل البلاد شيئا لن يكون شريكا كما كان من قبل.

في المقابل لا يريد اليونانيون والأرمن والعرب والأكراد وغيرهم أكثر من أن تكون تركيا بلدا طبيعيا متصالحا مع نفسه ومع جيرانه. ولكن تحقيق ذلك يتطلب أكثر بكثير من مجرد التمني من جانب المنفيين والسفراء السابقين. بل إذا تداعت صحة أردوغان ليختفي من المشهد غدا، فإن تركيا سوف تظل تواجه مأزقا مستداما ومن الصعب العودة إلى الوضع الطبيعي، وهو الأمر الذي لن يقاس بالأشهر بل بالعقود.

7