"تراث الاستعلاء" يعزز روح التعصب والعنصرية عند المسلمين

المثقفون ورجال الدين كلاهما يعادي التراث الشعبي وكل ما يتضمنه من مضامين ودلالات.
السبت 2020/11/28
التراث ليس حالة من الإعجاب الفولكلوري

غالبا ما تنقسم النظرة إلى التراث الثقافي الشعبي بين شقين إما التمجيد، من خلال مدح التراث إلى درجة الدوغمائية، أو الإدانة، من خلال نكران التراث وازدرائه واعتباره ضربا من التخلف، وفي كلا الحالين هناك خلل فادح في التعامل مع التراث، الذي يعتبر المتهم الأول بالتعصب، وهو ما يبيّنه كتاب “تراث الاستعلاء بين الفولكلور والمجال الديني”.

تشكل العلاقة بالتراث الشعبي عامة والمرتبط بالدين خاصة حالة مستعصية على الفهم ليس في الثقافة العربية والإسلامية وحدها، ولكن في مختلف الثقافات الإنسانية، وهناك اختلافات واسعة في الأفكار والآراء بين أبناء الثقافة الواحدة حوله، فالبعض يرى التراث الشعبي عائقا ضد مواكبة متغيرات العصر وأن الديني منه يساهم في المزيد من تخلف الشعوب، والبعض يرى في الحفاظ عليه بسلبياته أو إيجابياته جزءا لا يتجزأ من الهوية الثقافية والمجتمعية والدينية.

ورغم مرور عشرات السنين منذ رصد التراث الشعبي وتحليله ودراسته، إلا أن قلة هم الذين توقفوا مع الجانب الديني من هذا التراث لأسباب كثيرة جلها يرتبط بالاستغلال السياسي والخوف من رد الفعل المجتمعي.

من هنا تأتي أهمية الدراسة المهمة التي قدمها سعيد المصري، أستاذ علم الاجتماع، ممثلة في كتابه “تراث الاستعلاء بين الفولكلور والمجال الديني”، حيث قدم طرحا مختلفا لما استقرت عليه تقاليد المدرسة المصرية في نظرتها إلى التراث الشعبي منذ السبعينات من القرن الماضي، والتي ترى أن التراث الشعبي مُختلف تماما عن التراث الديني الذي يقره رجال الدين. وبموجب هذا الموقف ابتعدت الدراسات الشعبية المصرية تماما عن الخوض في أي قضايا تمس من قريب أو بعيد إشكاليات تتعلق بالعلاقة بين الدين والمجتمع على نحو مُباشر.

الإدانة والتمجيد

يؤكد المصري في كتابه، المدرج ضمن القائمة الطويلة لجائزة الشيخ زايد، والصادر عن دار بتانة، أنه لم يعد مقبولا الآن الإبقاء على فصل العلاقة بين التراث الشعبي والتراث الديني، خاصة في ظل العلاقة المعقدة بينهما، وحاجتنا الماسة الآن لطرح إشكاليات تطوير التراث على مصراعيها، والبدء في تطوير رؤى جديدة ذات أبعاد إنسانية، قادرة على تجاوز الانقسامات والصراعات الاجتماعية، وقبل هذا وذاك، أن تكون محاولات تطوير التراث قادرة على تجاوز ثنائية الإدانة والتمجيد، والنظرة الصارمة في الوقوف على الحياد.

ويقول “إذا تأملنا حركة الاهتمام بالتراث الشعبي في عالمنا العربي، سوف نلاحظ وجود حالة من التمركز حول التراث أو التوحد به. أقصد بذلك النظر إلى التراث على أنه كيان متجانس في مجمله يعبر عن قلب الأمة النابض بالحياة وجوهر هويتها. وكأن التراث بمثابة الروح التي لا ينبغي لها أن تفارق جسد هذه الأمة كي تبقى على قيد الحياة”.

وفي رأيه تترتب على ذلك حالة من الإعجاب الفولكلوري تكمن خلف أغلب الفعاليات الثقافية والفنية المعنية بالتراث، والتي تحاكي الماضي وتستعيد بفخر ما كانت عليه حياة الأجداد من أعراف ومعتقدات وعادات وفنون وعمارة. ومن مظاهر التوحد بالتراث، اعتبار الأقوال والمأثورات الشعبية الملهمة كأنها تعبير عن تراث ثقافي يشكل المصدر المطلق للحكمة الإنسانية. ولهذا تنطلق من هنا وهناك دعوات كثيرة تطالب بالحفاظ على التراث واستعادته، على اعتبار أن نسيان أي جانب منه أو فقدانه أو التخلي عنه خيانة كبرى وتفريط في الهوية الثقافية لأمة بأكملها.

ويضيف المصري أنه في مقابل هذا الهوس بالتراث الشعبي، هناك نظرة أخرى مليئة بروح ازدرائية بالغة لكل ما يتضمنه الموروث الشعبي من مضامين ودلالات. هذه النظرة السلبية تمثل قاسما مشتركا بين النخبتين المثقفة والدينية، رغم ما بين هاتين النخبتين من تناقضات شاسعة في رؤى العالم.

التراث الاستعلائي يتضمن كل عناصر التراث اللامادي المعززة للتمييز بين البشر لتكريس التعالي على الآخرين بمقتضى اختلافهم

ولكل نخبة رؤيتها الخاصة التي تبرر بها هذا الموقف المعادي للتراث الشعبي. حيث اتجهت النخبة المثقفة نحو النظر إلى التراث الشعبي على أنه تعبير عن حياة بدائية وخرافات وأساطير عفا عليها الزمن، ولم تعد ملائمة للصمود في وجه الحداثة. وفي المقابل، سعى رجال الدين إلى اعتبار التراث الشعبي مستودعا لكل البدع والضلال والهرطقة والوثنية التي تقف حائلا دون بناء حياة الإنسان على أسس دينية صحيحة. ولهذا تعرض التراث الشعبي لحملات مضادة باسم الحداثة وباسم التدين للقضاء عليه بكل الصور الممكنة.

ويرى أنه أمام هذا الاستقطاب بين من يبالغون في أهمية التراث، ومن يقللون من شأنه، اتجه الرعيل الأول، من المهتمين بدراسات التراث الشعبي في العالم العربي، خلال ستينات القرن الماضي، نحو اتخاذ موقف فكري محايد بالاعتماد على تأصيل المنهج العلمي في دراسة التراث. ويقتضي ذلك، في نظرهم، التجرد والموضوعية في دراسة التراث الشعبي، بصرف النظر عن قيمته ومحتواه، وعدم الوقوع في ما أسماه محمد الجوهري “الإدانة أوالتمجيد”؛ بمعنى عدم الحكم القيمي على التراث لا بالإيجاب ولا بالسلب.

ويوضح المصري أن هذه المرحلة شهدت انطلاق دعاوى اليونسكو للحفاظ على التراث اللامادي وصونه باعتباره رصيدا إنسانيا لا ينبغي التفريط فيه. وكان لهذا الاهتمام العالمي صدى كبير ومؤثر في تطوير حركة الاهتمام العلمي بالتراث الشعبي في مصر والكثير من البلدان العربية منذ ستينات القرن الماضي.

ويضيف بأن ذلك ساعد على تحقيق مكاسب علمية وثقافية وإبداعية في مجالات التراث الشعبي، بالإضافة إلى بناء مؤسسات ثقافية وتعليمية معنية بالتراث وتكوين قاعدة بشرية من المشتغلين بجمعه ودراسته وحفظه وإتاحته. وبمرور الوقت ساد الاعتقاد لدى المشتغلين بالفولكلور أن الواجب الأول نحو التراث هو فقط دراسته وجمعه بطريقة علمية منظمة، وأن تكون قضية تطوير التراث مهمة لاحقة على دراسته. وبقدر ما ساهم هذا المبدأ في التأسيس العلمي لجيل كامل من الباحثين والمتخصصين، فإن إرجاء عملية التفكير في تطوير التراث حالت دون الخوض في هذا المجال حتى الآن.

التراث الاستعلائي

يشير سعيد المصري إلى أنه بعد مرور نصف قرن على بداية حركة الاهتمام بالتراث الشعبي العربي، ينبغي أن نتساءل عن حصاد هذه التجربة في الدرس العلمي المنظم؛ ما الذي قدمته من إنجازات؟ وما الذي أخفقت فيه؟ حيث أنه آن الأوان للتفكير في إشكاليات تطوير التراث اللامادي، وفض الاشتباك بين مفهومي الحماية واحترام التراث. ذلك أن الحماية تعني الحفاظ على التراث بوصفه إرثا إنسانيا يجب الحفاظ عليه بكل صور الحفظ والحماية الممكنة.

وطرح تساؤلات جوهرية من قبيل: ما معنى تطوير التراث؟ وما المعايير التي ينبغي أن نستند إليها في التفرقة بين الجوانب الإيجابية والجوانب السلبية في التراث؟ وأي عناصر من التراث تلك التي ينبغي العمل على تطويرها؟ وما حدود التطوير الذي يجب أن يتمتع به التراث بكافة عناصره؟

ويلفت المصري إلى أن هناك تراثا يدعم كثرة الإنجاب وهدر الموارد وثقافة الفقر وثقافة التحايل، مقابل تراث آخر يعزز السعادة الإنسانية، والحفاظ على البيئة، والطموح والتطلعات، والمسؤولية الاجتماعية.

طرح مختلف لما استقرت عليه تقاليد المدرسة المصرية في نظرتها إلى التراث الشعبي منذ السبعينات من القرن الماضي
طرح مختلف لما استقرت عليه تقاليد المدرسة المصرية في نظرتها إلى التراث الشعبي منذ السبعينات من القرن الماضي

وعلى نفس المنوال، ثمة تراث يعزز العدل والتسامح، وقبول الاختلاف، مقابل تراث آخر يعمق عدم المساوة، وروح التعصب، والتطرف، ونار الكراهية. وهذا الواقع يفرض علينا أن نركز على دراسة تلك الأنماط المختلفة للتراث من منظور نقدي، مع ضرورة تحليل مدى تشابكها مع سياقات اجتماعية وثقافية قائمة، بدلا من أن نغض الطرف عن تلك التباينات داخل خارطة الموروث الشعبي، ودون أن نظل متورطين في اهتمامات بحثية غرائبية أو موضوعات مألوفة من التراث، وبلا أي تحليلات متعمقة لأبعادها الاجتماعية والثقافية والسياسية.

ويرى أن التراث الاستعلائي “يتضمن كافة عناصر التراث اللامادي المعززة للتمييز بين البشر بحسب خصائصهم وانتماءاتهم. إنه تراث يكرس مبدأ التعالي على الآخرين بمقتضى اختلافهم، ويمثل أكثر جوانب التراث اللامادي تأثيرا في تفاقم الصراعات الاجتماعية القائمة على روح التعصب والتطرف والكراهية. وإذا تأملنا جيدا جوهر الانقسامات الاجتماعية السائدة، والصراعات الإثنية والطائفية التي تتفشى كالأوبئة في كثير من المجتمعات العربية، سوف نلاحظ أنها تستمد قوتها وعنفها من وجود مجموعة من القيم والمعتقدات والأعراف السائدة التي تشكل جانبا، ليس بالقليل، من تراث ثقافي حول الاستعلاء، ومتخم بقيم التعصب والكراهية والعنصرية”.

ويوضح المصري “إذا تأملنا حال كثير من الثقافات الإنسانية في كل أنحاء العالم، سوف نكتشف وجود قدر من التعصب في النظرة للآخرين. وفي رؤية كل جماعة إنسانية لذاتها، ثمة ثنائية بين الأنا والآخر يتم بمقتضاها اعتبار الجماعة هي الأفضل على ما عداها من البشر خارجها. وهذا يفسر أحد أسباب التماسك الداخلي بين أعضاء الجماعة وتضامنهم حول الانتماء المشترك. ومع ذلك فإن الاستعلاء حالة شعورية أشد وطأة من مجرد التصنيفات الاجتماعية التي يدرك بها البشر العالم. إنها تعبر عن العنصرية الثقافية، في أقصى صورها، وتبرر مشاعر النفور والعداء مع الآخرين”.

ويشير إلى أن ملامح تراث الاستعلاء تبدأ بصور التمييز الثقافي المرتبطة بالخصائص الاجتماعية والتي تنتشر بقدر كبير في التراث الشعبي الشفهي. وهذا النوع من التمييز يمكن أن نطلق عليه “الاستعلاء البدائي”، حيث ينمو هذا التراث بصورة تلقائية في ظل أنماط من الحياة البسيطة التي تحتل فيها قيم الذكورة والفحولة والعشائرية والإثنية أهمية كبيرة في حياة البشر.

وقد تستمر ملامح تراث الاستعلاء البدائي عبر الزمن، حتى في ظل التحضر واكتساب ملامح الحداثة لأسباب تتعلق بفشل نظم التعليم والثقافة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية في إشاعة ثقافة العدل. ومع ظهور التمايزات الاقتصادية الحادة تنشأ صور من الاستعلاء الطبقي تميز بين الناس في الحقوق والواجبات على أساس المكانة والحظوة الاقتصادية. ويصل التمييز الثقافي إلى أقصاه في حالة الاستعلاء الديني المرتبط بالاختلافات الدينية، بحيث يصبح الانتماء لدين معين مبررا للتمييز في الحقوق والواجبات.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يعطي هذا الانتماء الديني الحق للفئة المؤمنة بدين معين، بالهيمنة على الآخرين وإرغامهم على الدخول في هذا الدين بالقوة. وقد شاع هذا النمط من الاستعلاء الديني داخل حركة الإسلام السياسي، حيث يتعين على المؤمنين الجدد التخلص من كل ضغوط المجتمع الجاهلي، واعتبار المجتمع الإسلامي الجديد مهمة مقدسة، لا تفريط فيها وواجبة النفاذ بأمر إلهي، ولا مجال فيها لأي تنازلات أو مساومات أو أي شعور بالدونية. ولهذا طرح سيد قطب مفهوم “الاستعلاء بالإيمان”، ويعني به الحالة الشعورية للمؤمنين نحو أنفسهم وفي نظرتهم للآخرين، مضيفا “الاستعلاء على قوى الأرض الحائدة عن منهج الإيمان، وعلى قيم الأرض التي لم تنبثق من أصل الإيمان، وعلى تقاليد الأرض التي لم يصنعها الإيمان، وعلى قوانين الأرض التي لم يشرعها الإيمان، وعلى أوضاع الأرض التي لم ينشئها الإيمان“.

13