تجربة أردوغان مع الليرة تُدخل الاقتصاد في مسار مجهول

60 في المئة من الأتراك فقدوا الأمل في قدرة الحكومة على معالجة الأزمة بحلول نهاية 2022.
الخميس 2021/11/25
كل المؤشرات تؤكد أن الأسوأ قادم

تتزايد الدلائل لدى معظم الخبراء على أن سوء تقدير السلطات النقدية التركية، في ظل ضغوط الرئيس رجب طيب أردوغان، لمعالجة تشوهات المؤشرات السلبية، ستُدخل الاقتصاد برمته بشكل فعلي في مسار مجهول قد يتسبب في فقدان السيطرة على الوضع، ما سيعرض النمو لتقلبات ستستمر طويلا.

إسطنبول - يهدد تسارع فقدان الليرة التركية لقيمتها أمام الدولار بتقويض قبضة الرئيس رجب طيب أردوغان على الاقتصاد، والذي لطالما تفاخر بأنه المنقذ رقم واحد لنشاطه بسياساته النقدية المثيرة للجدل.

ويهدف ضغط أردوغان من أجل خفض أسعار الفائدة إلى تعزيز النمو بشكل كبير، وخلق فرص العمل وإحياء شعبيته المتدهورة قبل الانتخابات العامة في 2023، لكن الصدمات السعرية الناتجة لها تأثير معاكس.

ويقول المتابعون للشأن الاقتصادي التركي إنه بعد عقدين في السلطة، قد يواجه حزب أردوغان نقطة اللاعودة بسبب التأثيرات العميقة السلبية لتلك السياسات.

ويرى أونور آنت، المحلل الاقتصادي التركي، الذي يرأس مكتب وكالة بلومبرغ في إسطنبول، أن الضغط من أجل خفض تكاليف الاقتراض ليس بالأمر الجديد بالنسبة لأردوغان، الذي جادل منذ فترة طويلة بأن الأموال الأرخص تبطئ التضخم، وهي وجهة نظر تتحدى الاقتصاديات السائدة.

وأشار إلى أن دفع النمو الذي يغذيه الائتمان قبل الانتخابات المقبلة كان مفيدا لأردوغان في الماضي، لكن الأثر المتراكم لتلك السياسة، وزيادة التفاوتات في الدخل، والأضرار التي أحدثتها الجائحة تعني أن التكاليف الاجتماعية المحتملة أكبر بكثير.

أونور آنت: الأثر المتراكم للمشاكل يعني أن التكاليف الاجتماعية أكبر بكثير

وعاودت الليرة الانخفاض الأربعاء صوب مستوى قياسي جديد، وسط مخاوف من ارتفاع التضخم وتداعيات اقتصادية أخرى، بعدما هوت 15 في المئة في اليوم السابق، عقب دفاع أردوغان عن التخفيضات الأخيرة في أسعار الفائدة.

وانخفضت العملة التركية متجاوزة 13 ليرة للدولار للمرة الأولى في تاريخها، لتتوج بذلك ثاني أكبر انخفاض في عقدين، وبسبب ذلك قفز العائد على سندات الليرة لأجل عشر سنوات إلى 21.1 في المئة، وهو أعلى مستوى منذ مايو 2019.

وسجلت الليرة مستويات منخفضة قياسية في 11 جلسة متتالية، لتصل خسائرها منذ بداية العام الجاري إلى 43 في المئة، بينها نحو 24 في المئة تكبدتها منذ بداية الأسبوع الماضي.

وفي السنوات الثلاث الماضية فقدت العملة ثلثي قيمتها، مما جعل الحياة أكثر تكلفة في الدولة التي يبلغ عدد سكانها 84 مليون نسمة.

وعلى الرغم من دفاع أردوغان عن السياسة النقدية للبنك المركزي وتعهده بالفوز في “حرب الاستقلال الاقتصادية”، فإن الانتقادات تتزايد من جانب أولئك الذين يطالبون باتخاذ إجراءات لوقف تراجع العملة، بما في ذلك كبار الاقتصاديين.

وليس هناك أي تلميح إلى تدخل لوقف الانهيار. وقال البنك المركزي التركي الثلاثاء الماضي إنه لا يمكنه فعل ذلك إلا في ظروف معينة في ظل “تقلب مفرط”.

وحذر محللون ومسؤولون قدامى في المركزي ومنافسون سياسيون من أن التضخم الذي يصل بالفعل إلى 20 في المئة، كان من المحتم أن يرتفع بشكل غير مسبوق ويجعل العديد من الأتراك أكثر فقرا وغضبا.

وكتب هاكان كارا، كبير الاقتصاديين السابق لدى البنك المركزي التركي، على تويتر “في ظل أسعار الصرف الحالية قد يتجاوز التضخم الرسمي 30 في المئة في الأشهر المقبلة”. وأضاف “إذا لم يتم اتخاذ إجراءات عاجلة لن يتمكن النظام المالي من مواجهة ذلك”.

ومارس أردوغان ضغوطا على المركزي لخفض أسعار الفائدة، وذلك حسبما يقول، بهدف تعزيز الصادرات والاستثمار والوظائف حتى مع ارتفاع التضخم وتسارع انخفاض قيمة العملة، مما يؤثر بشدة على عائدات الأتراك.

فينيكس كالين: عتبة الألم الاقتصادي الآن مخيفة قبل أن نرى انعكاسا للمسار

وقال جان سلجوقي، رئيس مركز استطلاعات الرأي تركي رابورو ومقره إسطنبول، “الاضطرابات الأخيرة ستدفع الناخبين المترددين إلى الانزعاج من التوقعات الاقتصادية في صفوف المعارضة”. وأضاف أن “احتمالات فشل الحزب الحاكم في تحقيق نسبة 30 في المئة من التأييد قد زادت بشكل أكبر”.

وفي عام 2018، قبل زيادتين كبيرتين في أسعار الفائدة لوقف تراجع الليرة، تحمل أردوغان دورتين أخريين من التشديد المفاجئ في السنوات الخمس السابقة، وكان كل ذلك مع التمسك بموقفه العلني بأن أسعار الفائدة المرتفعة كانت تغذي التضخم.

ووفقا لمحمد علي كولات، رئيس مركز استطلاعات الرأي أم.أي.كا دانيسمانليك ومقره إسطنبول، فإن حوالي 60 في المئة من الأتراك فقدوا الأمل في قدرة الحكومة على حل المشاكل الاقتصادية لبلدهم خلال الأشهر الاثني عشر المقبلة.

وعلى الرغم من أن أردوغان أظهر مرارا أنه قادر على تغيير السياسة عندما يواجه اضطراب السوق، لكن الإشارات كثيرة على أن هذه المرة قد تكون مختلفة.

وتقول فينيكس كالين، المحللة الاستراتيجية في بنك سوسيتيه جنرال، إن “عتبة الألم الآن أعلى بكثير قبل أن نرى انعكاسا للمسار، بالنظر إلى معارضة الرئيس أردوغان الراسخة لرفع أسعار الفائدة وتأثيره الأكبر على اتجاه السياسة النقدية”.

وأوضحت أنه من الضروري هذه المرة تخفيض قيمة العملة بشكل أكبر بكثير.

وأشار المركزي التركي، الذي اكتفى بالبيانات قبل رفع طارئ خلال فترات تقلب الليرة السابقة، إلى أن مثل هذا الإجراء لا يزال غير مرجح.

وفي لهجة حادة أكد أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي عن الاقتصاد التركي أن مواطن الضعف الخارجية التي كانت تعاني منها تركيا بالفعل زادت سوءا بسبب الجائحة.

وأشار الصندوق إلى أن القلق المتأتي يتمثل بوجه خاص في حقيقة أن احتياطيات تركيا من النقد الأجنبي تقدر بالسالب الآن، وهناك احتياجات كبيرة للغاية إلى التمويل الخارجي، نتيجة سنوات كثيرة من حالات العجز في الحسابات الجارية الخارجية.

ويرى محللون أن انخفاض الليرة دليل دامغ على العقد الماضي المزعج الذي شهدته البلاد، حيث أدت الاضطرابات السياسية إلى تآكل الثقة في الاقتصاد التركي البالغ 750 مليار دولار.

10