تارا خليل رسامة الخيارات الصعبة للطبيعة والناس

فنانة عراقية تسرد أبجديات الأمكنة بمباهجها التراثية والاجتماعية.
السبت 2021/09/04
محطات زمنية اقتنصت من المكان أجمل ما فيه

تارا خليل ابنة مدينة كركوك العراقية الغنية بثرواتها وأبنائها وفنانيها، لا ترتوي من الرسم، تمارس عشقها الإبداعي بغزارة لونية تعتزّ بها، وتتقن مرارة قطع المسافات الطويلة. فهي تمتلك الخيارات الصعبة وتمضي فيها محاولة التأكيد على ذاتها، ومحدّدة ملامحها بفرشاتها الحالمة وبوضوح ألوانها وعبر موجوداتها التشكيلية وقدرتها على تطويعها.

 تحدّد الفنانة العراقية تارا خليل قيمها الفنية وتضعها في لوحتها لا كظاهرة فنية، بل كطوفان رموز وإشارات تنتشر في كل الاتجاهات، فتتحرك مؤثراتها الحسية على نحو متصل حينا، وحينا آخر على نحو متقطع، لتبقي إشاراتها وما تقدّمه من دلالات عن تفاعلات تجري في أقانيمها المرئية على نحو شبه صوفي بها تتوسّل سطوحها وما ينساب عليها من ألوان تمتلك حركيّة توزيعها، لتتحوّل إلى معطيات مشبعة بالتشخيص والحضور الإنساني.

وفي الوقت نفسه مشبعة بلمساتها وخطوطها وألوانها، وكأنها إيحاءات لذاكرة أمكنة لا يمكن الوصول إليها إلاّ بما تشمله من هواجسها وتطلعاتها، لا يمكن ثقبها إلاّ بما يساعدها من امتلاكها لرصيد يسمح لها بالظهور، فهي تحتاج دائما إلى قدر من الوقت لتضع خياراتها الكثيرة على المحك.

خيارات متعدّدة

خيارات خليل الفنية لا مستقر لها، لكن لها هروبها وغناها، لها فراغها ورؤاها، لها تقنيتها وإرهاصاتها، وهي في ذلك تضع خياراتها على نحو يشي بالتأمّل الشديد، وبحاجتها الماسة إلى البحث في ذاتها الملتهبة عن أفق ضامن لاحتمالات مغايرة، احتمالات تكون اللحظة فيها مبهرة، وفي مسار قد يستدعي زمانا ومكانا آخريْن للوحة التي تحتمي بالأسئلة، وتدافع عن حلمها الذي مازال يهرب في الزحام.

الفنانة العراقية تنقل بدقة رؤيتها لسحر الطبيعة والناس، مستمدة تجربتها من لغة الحياة اليومية ومن بيئة بلدها

حلمها حاضر دائما في الذاكرة الإنسانية، ومختزل بحميمية في عودة الأشياء إلى ذواتها، إلى أشلائها الهاربة من خبايا ملمسها، إلى انتماءاتها التي لا حدود لها، فكل المؤشرات وبعيدا عمّا يسكن في الذاكرة تتداخل على نحو فيه تتيه اللحظات مع التداعيات، لكن قدرتها على التعبير تمنحها مناخا يضمن قيمها المعرفية والجمالية.

الفنانة العراقية ترسم بمسؤولية وتترك أثر ذلك في كل ما ترسمه، فهي لا تفترض بيئة أو جغرافيا معينة، ولا مناخا مستوردا، ولا تصعد سلالم ليست لها، ولا تدخل واحة ما إلاّ بعد أن تلوّنها بشهيقها وزفيرها.

أبجديتها التي يمكن تلخيصها بالإنسان والطبيعة حاشدة بسحر ملوناتها، بها تنقل حقيقة مشاعرها ودقة رؤيتها، وبأشرعتها العائمة في واقعها الموضوعي تقود أشكالها بدقائق أمورها، فتلفت الأنظار من حولها، وتبني لنفسها بمعطيات مباشرة طريقا تكاد لا تجد نفسها إلاّ فيه.

وبالفعل، فوضوح أعمالها قد يكون أشبه بالاستراحات التي تثبت التوازنات للإنسان، وتثبت لها الرغبة في طموح يبدو للوهلة الأولى بعيد المنال، وكأن بقاءها في حالة حالمة دائمة تجعله في متناول ريشتها، فهي لا تترك حلمها، ولا تخرج من جلدها، تقدّم تركيباتها بما تحتمل، لا زوائد تثقل كاهلها، ولا قدر يخفّف حيويتها.

وتلك الحيوية بعنفها ورقتها تحدّد ملامح تجربتها، التجربة المستمدة برمتها من مناخاتها وبيئاتها وطبيعة بلادها، فتسقط كل ما تعيشه وما تشاهده من عادات وتقاليد على فضاءاتها لتكون شاهدة عليها، وعلى السر المعلق بين جوانحها.

خصائص شكلية

ملامح عاشقة ومسافرة في الزمان والمكان
ملامح عاشقة ومسافرة في الزمان والمكان

لوحات تارا خليل محطات زمنية مقتنصة من المكان الذي تعيش فيه، وبذلك تكتسب احتكاكا مباشرا مع إيقاعات واقعية ما زالت تنبض بين أصابع أمثالها وأمثال شكران بلال؛ حيث تتقاطع تجربتهما في نقاط كثيرة ضمن الأجواء ذاتها، وما تستعيدانه من موضوعات بيئية وعناوين محلية ومضامين اجتماعية.

فخليل بخصوصيتها تلك تؤكّد أن الفن مسؤولية لا محيد عنها، وهي التي تمتلك كل مواصفات هذه المسؤولية، فهي مرتبطة بأبجدية المكان بكل مفاهيمها التاريخية والتراثية والاجتماعية، وتسقط كل ذلك على مفارق زمنية أعمالها، حتى تظهر ملامحها كملامح عاشقة مسافرة في الحلم أبدا.

الفنانة العراقية لا تغادر أعمالها، ولا أمكنة الإنجاب فيها، فهي تتدفّق بصمت وبكل وداعة من نبضات فرشاتها، ومن أقاليم حلمها الراقد بهدوء، وبثقة وطمأنينة بين بقعها اللونية التي تمدّدها في أنحاء اللوحة كلها، وتسيطر عليها إلى درجة التلاشي، فأمامها بناء وحشود ومفردات تشتغل عليها بالشكل الذي يضعها أمام نفسها لتواجه الحقيقة وخطورة لمسها، الأمر الذي قد يجهض أحلامها.

ولهذا فهي في أدقّ حذرها وهي تقترب من ذاتها، أو من الذات الإنسانية وفهمها، أو من التراث البيئي حيث الفصل في تثبيت الحقائق، والذي يجعلها تبحث عن المعلومات المرتبطة بأفكار جديدة وتلتقطها ثم تعالجها بأسلوب معرفي قائم على أساس من الاستكشاف والتنوّع.

وفي ضوء ذلك كله تختبر الواقع بمهارتها، وتكسبه قرابة زمنية، وإسهاما خاصا في صقل فهمها لخصائصه الشكلية، فهي تعطي أهمية قصوى للون والبهجة الانفعالية فيه، لا كقيمة موضوعية بل كقيمة جمالية لها أبعادها المعرفية والثقافية، لها إسهاماتها في جذب اهتمام عين المتلقي على نحو نشط وفعال، وتجعله يتلقى ويفسّر ويتذوّق تبعا للمنحى الذي تمضي فيه، فعمليات التلقي عندها مبنيّة على تفاعلات لها تأثيراتها في أهمية اكتساب الخبرة الجمالية.

وإضافة إلى حركة الناس المألوفة والطبيعة المحاطة بمسافات خاصة تلتقط خليل بعناية ملامح من حولها، فاشتغالها على البورتريه يأخذ حيزا كبيرا من تجربتها، مؤكّدة على أهميتها في تغيير الذائقة الجمالية، فهي تستأثر شكلا خاصا بها، به تقترب من لغة الحياة اليومية، فلا وجود لانزياحات لوجوهها، بل تحيط بها بأشكال تمتلئ حيوية وحياة، وكأنها تقتفي حركة الروح فيها، وتخفّف من الضغط الممتد في أعمدتها الخاصة.

Thumbnail
Thumbnail
Thumbnail
14