تأجيل القمة الفرانكفونية.. مجرد تأجيل

ليس من الوجاهة الاعتقاد بأن للمرزوقي تأثيرا وازنا في فرنسا لكن الرجل لم يدخر جهدا في شحذ الهمم واستعداء الداخل والخارج ضد الرئيس قيس سعيّد وكأنه ينافسه في انتخابات رئاسية.
الاثنين 2021/10/18
منصف المرزوقي يستمر في حملة التحشيد واستعداء فرنسا ضد تونس

القمة الفرانكفونية التي كان من المزمع عقدها بجزيرة جربة التونسية يومي 20 و21 نوفمبر المقبل تأجلت إلى خريف 2022، واتهمت أطراف عديدة الرئيس التونسي الأسبق منصف المرزوقي، بأنه يقف وراء قرار التأجيل. ورغم نفيه التدخل إلا أنه أكد ما كتبه على صفحته على الفيسبوك أن “أي دولة ديمقراطية تقبل بحضور هذا المؤتمر يعني أنها تؤيد الانقلاب وهذا لا يجوز، نحن نعتبر هذا خيانة وطعنة في ظهر الديمقراطية التونسية”. وذلك ضمن ما رأى فيه تونسيون حملة يشنها ضد الرئيس الحالي قيس سعيّد، مدعيا أن سعيّد انقلب على الدستور، وذلك على إثر التدابير التي اتخذها بإقالة حكومة هشام المشيشي وتجميد البرلمان.

ومهما كانت أسباب قرار التأجيل فإن القمة لن تغادر جزيرة الأحلام التونسية، بعد أن أسفرت النقاشات عن توافق ممثلي الدول الأعضاء حول احتضان تونس هذه القمة وتأجيل موعد انعقادها إلى سنة 2022 من أجل تأمين مشاركة حضورية واسعة وعلى أعلى مستوى وعدم الاضطرار إلى عقدها عن بعد.

المنظمة الفرانكفونية بدورها، تعاني مشاكل هيكلية في ظل توتر العلاقات بين فرنسا وكل من الجزائر والمغرب (العضوان في الفرانكفونية

الدورة 18 للقمة الفرانكفونية لن تغادر تونس نحو وجهة بديلة كما اشتهى خصوم سعيّد، من الذين أرادوا إفساد مزاجه في غمرة إنجازاته السياسية، وستضيف إشعاعا دوليا للبلد الذي يمضي رئيسه الحالي في تصحيح ثورته بتأييد شعبي واسع، بينما يتهمه الإسلاميون وحلفاؤهم بالانقلابية، ويحاولون تأليب الرأي العام الدولي ضده.

 ليس من الوجاهة الاعتقاد بأن للمرزوقي تأثيرا وازنا في فرنسا والمنظمة التي تضم 88 دولة، بواقع 54 عضوا و7 منتسبين و27 مراقبا، لكن الرجل لم يدخر جهدا في شحذ الهمم واستعداء الداخل والخارج ضد الرئيس سعيّد، وكأنه ينافسه في انتخابات رئاسية بل ذهب بعيدا نحو محاولة إفشال كل ما يمكن أن يضيف إلى رصيد تونس على الصعيدين الإقليمي والدولي، وذلك تحت ذريعة أن الديمقراطية التونسية قد وقع اغتيالها بإقصاء الإسلاميين وشركائهم من الحكم.

ويمضي المرزوقي في حملة التحشيد واستعداء فرنسا ضد تونس، حتى وإن كلفه ذلك الوقوع في تناقضات تمس من مصداقيته، فهو من جهة “عروبي يقاوم بقايا الاستعمار والاستلاب الثقافي، والمس من الهوية العربية الإسلامية”، ومن جهة أخرى “حريص على الديمقراطية ووفي لمبادئ الجمهورية الفرنسية”. وجرد قيس سعيد المرزوقي من الجواز الدبلوماسي التونسي على إثر تصريحاته التي استنكرتها نقابة الدبلوماسيين التونسيين.

وكان الرئيس التونسي قيس سعيّد قد قال لدى ترؤسه اجتماع مجلس الوزراء، إنّه سيسحب جواز السفر الدبلوماسي ممّن “ذهب إلى الخارج يستجديه لضرب المصالح التونسية”، مؤكدا أنه “لا مجال لأن يتمكن من هذا الامتياز وهو يجوب العواصم ويلتقي عددًا من الأشخاص للإضرار بتونس” وفق تعبيره.

التأجيل يُحسب لصالح تونس وليس ضدها، وذلك في سعيها لانتظار تنقية الأجواء، خاصة بين أكبر أقطاب المنظمة وهما فرنسا والجزائر

طبعا لا يمكن اعتبار هذا الاستنكار والغضب الشديدين من جهة الرئيس سعيّد، إقرارا ضمنيا بأن تحركات المرزوقي “أتت أكلها” وحرمت البلاد من احتضان قمة المنظمة الدولية للفرانكفونية التي كانت تونس من مؤسسيها زمن الزعيم بورقيبة، بعد أن ظهرت عام 1970 في نيامي بالنيجر، لكنّ تحركات المرزوقي يمكن لها أن تشوش على الديمقراطية الناشئة في تونس، خصوصا وأن تونس تعيش وضعا حساسا على المستوى الاقتصادي، ذلك أن نجاح تنظيم القمة من شأنه أن يطمئن شركاء تونس وقد يجلب الاستثمارات الأجنبية التي تتوجس من حالة عدم الاستقرار.

المنظمة الفرانكفونية بدورها، تعاني مشاكل هيكلية في ظل توتر العلاقات بين فرنسا وكل من الجزائر والمغرب (العضوان في الفرانكفونية)، منذ أن قررت باريس مؤخرا تقليص عدد التأشيرات الممنوحة لمواطني البلدين، بالإضافة إلى تصريحات للرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، بشأن تاريخ الجزائر، ردت عليها الرئاسة الجزائرية بسلسلة إجراءات، منها استدعاء سفيرها في باريس.

هذا بالإضافة إلى الخلافات الجانبية بين الأعضاء، وصلب المنظمة نفسها، والتي لا تمثل خليطا متجانسا، إذ لا يجمعها غير استخدام اللغة الفرنسية، وبدرجات ونسب مختلفة.

صحيح أن هذه اللغة التي تستخدم في المنظمة الدولية، تنتشر في قارات العالم وتتمتع بجماليات أدبية وصوتية، لكنها لم تعد لغة الفتوحات العلمية والانتشارات التجارية، إذ تراجعت إلى المرتبة  التاسعة في العالم لصالح اللغات الإنجليزية والصينية وغيرها.

وبالعودة إلى قمة جربة التي وقع تأجيلها إلى العام المقبل في نفس المكان، فإن “رب ضارة نافعة” كما يقول المثل، إذ سيمكن تأجيلها من إتاحة الفرصة لاستقرار الحكومة التونسية الجديدة التي “مازالت يداها في الطين”، ولم تمسك بكامل الملفات لإنجاز هذا الاستحقاق الوطني والإقليمي.. وهي رغبة من الجانب الفرنسي كما يؤكد محللون.

الإسلاميون وحلفاؤهم من الذين يتصيدون في العثرات ويحاولون استثمارها واستعمالها في حملاتهم، يتحدثون عن أول “انتكاسة” لقيس سعيد، بعد الإطاحة ببرلمان الغنوشي وحكومة المشيشي، ويعزون تأجيل القمة إلى فشل دبلوماسي تونسي في الوقت الذي قال فيه ممثل تونس الدائم في المنظمة سليم خلبوص “أتوجه بالشكر للدبلوماسية التونسية للعمل الرائع الذي بذلته للدفاع عن مصالح بلدنا والاحتفاظ بحق تنظيم القمة”.

هذا بالإضافة إلى العامل اللوجستي الذي، وإن بدا عاملا مؤثرا في النظر إلى تأجيل القمة على اعتبار التدابير الأمنية الاستثنائية، بالإضافة إلى التكاليف المرهقة لاقتصاد مرهق، فإن رئيس الحكومة المقال يتحمل مسؤولية التقصير في المهمة التي أوكلت إليه.

مهما كانت أسباب قرار التأجيل فإن القمة لن تغادر جزيرة الأحلام التونسية، بعد أن أسفرت النقاشات عن توافق ممثلي الدول الأعضاء حول احتضان تونس هذه القمة وتأجيل موعد انعقادها إلى سنة 2022

أما من الناحية السياسية فإن التأجيل يُحسب لصالح تونس وليس ضدها، وذلك في سعيها لانتظار تنقية الأجواء، خاصة بين أكبر أقطاب المنظمة وهما فرنسا والجزائر. وإذا كان هناك بعض الاستياء من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، فالأمر يعود إلى اعتبارات انتخابية تخصه وهي حرصه على انعقاد القمة قبل الانتخابات الرئاسية في بلاده تغذية لرصيده وخدمة لحملته.

صفوة القول أن لا حديث عن إخفاق تونسي في تنظيم هذه القمة بل العكس صحيح، ثم إن الأمر مجرد تأجيل.. وخيرها بغيرها كما يقال.

8