"بيتا" بن غوته

عمل بيتا على تصنيف واستخلاص النتائج من أكثر من ثلاثة وخمسين ألف بحث علمي. وذلك من خلال اختيار الكلمات والجمل وفقا لأهميتها لأدوات التحليل الخاصة به.
الجمعة 2019/04/26
وسائل الإعلام العربية لم تتحمس لا لبيتا ولا لكتابه

يحدث في هذه الأيام أن تصدر دار “شبرينغر ناتور” العملاقة كتابا جديدا فريدا من نوعه، لا يمكن لأحد أن يجادل في محتواه ودقة ما فيه. الكتاب الذي يتحدث عن بطاريات الليثيوم كتبه مؤلف اختار لنفسه اسما مستعارا هو “بيتا”، وهو موظف بسيط يعمل في قسم اللسانيات في جامعة يوهان فولفغانغ فون غوته هنا في ألمانيا.

ما يختلف به كتاب بيتا هذا هو أن صاحبه أنشأ فيه قوائم ومقدمات وروابط خارجية تشير إلى أبحاثه داخل كل بحث، ثم قام بتجميع وتنظيم كل تلك البيانات وسبكها في كتاب، وقد ساعده فريق من الباحثين كتبوا له المقدمة برئاسة كريستيان تشاركوس.

عمل بيتا على تصنيف واستخلاص النتائج من أكثر من ثلاثة وخمسين ألف بحث علمي. وذلك من خلال اختيار الكلمات والجمل وفقا لأهميتها لأدوات التحليل الخاصة به، وفي النهاية قام بإعادة تركيب الكلمات بأفضل شكل نحويا ودلاليا.

وقد أتاحت دار “شبرينغر ناتور” كتابها الجديد على قاعدة بياناتها للباحثين، وكنوع من التحدي أيضا لاختبار دقة “بيتا بن غوته”، ويمكن لقارئ هذا العمود أن يجده أسفله. أما وسائل الإعلام العربية فيبدو أنها لم تتحمس لا لبيتا ولا لكتابه.

وكيف تتحمس “أدوات الخطأ” تلك لكاتب لا يخطئ؟ الظاهر أنهم شعروا بالحساسية بسبب أن بيتا بن غوته هذا هو آلة وليس إنسانا، ولن يكون بوسعهم أن يجعلوه يشعر بالألم أو أن يضغطوا عليه أو يؤنبوه أو يراقبوه أويحظروا أعماله وربما يحاكموه ويكفّروه فوقها.

بيتا بن غوته يعيد إلى الذهن ذكرى لقاء قديم جمع ما بين أبيه غوته والإمبراطور الفرنسي نابليون بونابرت، حين قرر الأخير زيارة الكاتب الذي يقول عنه الألمان “غوته هو ألمانيا”، مرتين في فايمر وفي إرفورت كما يروي غوستاف سايبت. ومن يريد تخيل تلك الزيارة، سيخطر بباله أن نابليون أراد كسر شوكة غوته بعد أن احتل أجزاء واسعة من بلاده.

لكن بونابرت لم يفعل هذا، بل أراد فقط أن يجري حوارا مع الكاتب الذي يحبه ويقرأ له، حوارا سيذكره التاريخ من بعده، يناقش فيه الإمبراطور غوته بشأن كتبه الشهيرة التي قرأها بنفسه مثل “محمد” و “آلام فرتر” وقال نابليون حينها لغوته “لقد كتبت كتابا عظيما عن محمد أفضل من كتاب فولتير الذي قام بتشويه شخصية خلقت ثورة هائلة في العالم”، مشهد يعكس كيف يمكن أن تكون القوة مثقفة أيضا وتلتزم باحترام وتقدير كبيرين للثقافة والأدب.

درس لمن يزدرون المعرفة وفي الوقت ذاته يدّعون الجدية في السباق الحضاري التكنولوجي، درس يقول “لا مفر”.

24