بشرى: الفيلم التونسي "صمت القصور" غيّر مساري الفني

الفنانة المصرية تؤكد أنها تغير من خلال الفن الأفكار البالية، وأن هناك مشروع توأمة بين مهرجان قابس والجونة السينمائيين.
الأربعاء 2019/04/24
فنانة شاملة تتطلع إلى أكثر من مسار

بشرى، هي سليلة عائلة سياسية مناضلة حتى النخاع، فوالدها هو أحمد عبدالله رزة الكاتب والصحافي الخبير في مجال العلوم السياسية، ومع ذلك تجنّبت الخوض في السياسة التي أرهقت والدها الراحل (1950-2006) وسرقت منه أحلى سنوات عُمره، فاختارت أن تكون “مشروع إنسان”، “العرب” التقت الفنانة المصرية الشاملة بشرى في مدينة قابس التونسية عند حلولها ضيفة على مهرجان “قابس سينما فن” في دورته التأسيسية، فكان هذا الحوار.

تونس – بشرى أحمد عبدالله رزة، فنانة مصرية ولدت في إنكلترا في العام 1985، وهي ابنة أحمد رزة الكاتب والخبير في مجال العلوم السياسية على المستوى الدولي، تعلّمت العزف على البيانو والقيثارة عندما كان عمرها ثماني سنوات، ولكنها لم تكمل دراستها في الموسيقى بل درست الباليه في “الأوبرا هاوس”.

عن البدايات قالت الفنانة المصرية بشرى في لقائها مع “العرب” بمدينة قابس التونسية (جنوب)، وهي التي كانت ضيفة مهرجان “قابس سينما فن” في دورته التأسيسية التي انعدقت في الفترة الممتدة بين 12 وإلى 18 أبريل الجاري، “كان من المرجح أن أحترف العزف، وكان من المُمكن أن أكون باليرينة (راقصة باليه)، لكنني اخترت أن أكون فنانة بكل ما تحمله الكلمة من تنوّع وشمولية، نشأتي في عائلة إصلاحية تقدميّة حفرت عميقا تجربتي الفنية عند الكبر، فكُنت بشرى المُبشّرة بفن إنساني يتوجّه إلى كل الفئات والجنسيات”.

التغيير عبر الفن

فنانة شاملة ومتنوعة
فنانة شاملة ومتنوعة

بشرى التي تميّزت بكونها فنانة شاملة ومتنوعة، حيث كانت بدايتها كمذيعة على الشاشات الفضائية، مرورا بالغناء، وصولا إلى التمثيل، حيث عرفها الجمهور في سيت كوم “شباب أون لاين” عام 2002 عندما كانت في الـ17 سنة، قالت مُجيبة عن سؤال “العرب” “كيف لصبية مُتشبّعة بالعلوم السياسية والاجتماعية أن تكون انطلاقتها في المجال التمثيلي عبر الكوميديا؟”،  فقالت “الكوميديا عندي هي الرسالة الأقرب إلى قلب المُشاهد لو تم اشتغالها بإتقان ودون سطحية، وهو ما اخترته منذ اقتحامي المجال الفني، أن أغّير من خلال الفن، أغيّر الأفكار البالية، وأحاول أن أؤسس للبديل الذي ينفع الناس دون سفسطة أو خطابات غوغائية”.

وتؤمن الفنانة الشابة بشرى بالوسطية في كل شيء، رافضة التطرّف باتجاهيه سواء كان يمينا أو يسارا، وهو ما عملت على إرسائه لاحقا عندما تحوّلت إلى الإنتاج، فقدّمت على امتداد أربع سنوات 14 فيلما، شاركت في اثنين منهما بالتمثيل، لعل أبرزهما فيلم “678”، وهو رقم أحد الأتوبيسات، والذي كون مسرحا لأحداث العمل الذي أخرجه محمد دياب في العام 2010، وفيه تتعرّض إحدى البطلات للتحرّش الدائم بالاحتكاك المُتعمّد، ليطرح الفيلم قضية مسكوتا عنها في المجتمعات العربية الذكورية.

الكوميديا هي الرسالة الأقرب إلى قلب المُشاهد لو تم اشتغالها بإتقان، أما السفسطة والغوغائية فمآلهما النسيان

وتقول بشرى “الفيلم يعالج قضية التحرش الجنسي من خلال طرحه لقصص ثلاث نساء مِن طبقات اجتماعية مختلفة هنّ: فايزة ونيللي وصبا اللاتي يُواجِهن المشكلة نفسها، ويتبع الفيلم النسوة الثلاث المحبطات ويسجل فتور السلطات إزاء مطالبهنّ”.

وتردف “أؤمن أن الإصلاح في أي مُجتمع يكون من الداخل، عبر الكشف والتعرية والخوض في المسكوت عنه، وهو ما آمنت به وحفّزني على الإيمان به والدي منذ كنت يافعة”.

وتسرد بشرى لـ“العرب” في هذا الخصوص واقعة حصلت لها مع والدها الراحل، فتقول “عندما أردت أن أتحوّل من المجال الموسيقي إلى التمثيل، قال لي والدي إن أردت أن تكوني فاعلة في المجتمع من خلال الفن، فعليك الإيمان بالقضايا الكبرى على غرار فيلم ‘صمت القصور’ للمخرجة التونسية مفيدة التلاتلي، وإن أردت أن تصبحي ممُثلة حقيقية، فعليك الاقتداء بأداء هند صبري في العمل”.

ومن هناك اختارت بشرى أن تكون فنانة بدرجة أخصائي اجتماعي أو بدرجة مُدرّبة تنمية بشرية، تزرع الفرح في الناس وتطرح المسكوت عنه بأسلوب سلس يدغدغ المشاعر، سواء كان ذلك غناء كدويتو “تبات ونبات” مع رفيق دراستها محمود العسيلي الذي حصد نجاحا باهرا في العام 2004، أو من خلال الأفلام كفيلمها مع أحمد عيد “أنا موش معاهم” الذي يُحارب التطرّف بنوعيه الديني والدنيوي. وتقول الفنانة المصرية في هذا الخصوص “لا بدّ أن نكون أفلاطونيين أحيانا، وخاصة في الفن، فما يعيشه العالم العربي اليوم وما نراه على مواقع التواصل الاجتماعي يجعلنا بالكاد نتنفّس، من كثرة الحواجز التي تُعيقنا، وأنا كفنانة أنتصر للإنسانية، أؤمن أنه من واجبي ومن موقعي المُتواضع أن أبني جسورا عوض بناء الحواجز”.

نحو السينما العالمية

حضور متميز في  مهرجان “قابس سينما فن”
حضور متميز في  مهرجان “قابس سينما فن” 

بشرى التي تتولى منذ ثلاث سنوات مهمة مدير عمليات مهرجان “الجونة السينمائي”، أفادت لـ“العرب” أن هذا المشروع الذي أرادته مع الأخوين نجيب وسميح ساويرس مهرجانا للفن وواجهة سياحية لمدينة الجونة الساحلية، وضعت له كل الإمكانيات المادية واللوجيستية والفنية، ليشعّ المهرجان خارج المركزية الضيقة، وهي المؤمنة باللامركزية الثقافية، وحقّ الجمهور في أن تصله الثقافة أين يكون، لا أن يذهب هو إليها، وهو ما يتوافق تماما مع مهرجان “قابس سينما فن” الذي قالت عنه “مهرجان غيّر وجه المدينة، مهرجان بثّ الفرح والحياة في مدينة أنهكها التلوّث البيئي الآتي من إفرازات مُجمّعها الكيميائي، لكن ما حقّقه المهرجان من نجاح في دورته التأسيسية أنسى الناس، ولو إلى حين، هذه الكارثة البيئية”.

وتستطرد في إجابة عن سؤال “العرب” “نفهم من هذا أن هناك مشروع توأمة بين مهرجان قابس والجونة السينمائيين؟”، فتقول باقتضاب “هو ذلك تماما، إن شاء الله”.

بشرى تؤمن بالأفلاطونية في الفن وترى أنه من واجبها كفنانة أن تبني جسورا للتواصل عوض وضع الحواجز المُعرقلة

وحول مدى ما حقّقه مهرجان الجونة السينمائي من مُصالحة بينه وبين جمهور السينما في المدينة الساحلية، وهو المُتّهم كونه مهرجانا للمهرجانيين والضيوف فقط، تقول بشرى “وجب تنسيب هذا الطرح، فمدينة الجونة قابليتها 2500 غرفة، لا غير، الأمر الذي جعل المهرجان في عاميه الأولين، يكون على نطاق ضيق، وهو الذي ولد كبيرا ببرامجه ونجومه، أما اليوم، فنحن نعمل على الانفتاح أكثر على مدينة الغردقة المُجاورة، وهي منصة جيدة للعرض والتفاعل مع جمهور متعطّش للسينما”.

وبشرى التي شاركت في العديد من المسلسلات المصرية الناجحة على غرار “الإمبراطور”، “العمة نور”، “يا ورد مين يشتريك”، “أصحاب المقام الرفيع” وغيرها آثرت هذا العام عدم المُشاركة في السباق الدرامي الرمضاني المُرتقب، مُكتفية بأن آخر عمل قدّمته في التلفزيون كان مع (الزعيم) عادل إمام، وهو مسلسل “عوالم خفية”، والذي مازال يحصد النجاحات، وقالت “أريد الآن التركيز أكثر في السينما، والعودة للإنتاج السينمائي”.

كما كشفت بشرى لـ“العرب” عن اتخاذها خطوات على المستوى العالمي، إذ تلقت عروضا للتمثيل في الخارج، مُفضّلة عدم البوح بتفاصيل أكثر عن مشاريعها الفنية بالخارج، حتى يتم تنفيذها على أرض الواقع، وعنها تقول “أود أن أسوّق لنفسي خارجيا في المرحلة القادمة، نحن في حاجة إلى أن نعرض سينماءاتنا أكثر فأكثر في الخارج، لا يكفي أن نظل في موقف المُتفرّج على السينماءات العالمية دون أن ندلو بدلونا، خاصة في هذه المرحلة الفارقة التي يمرّ بها عالمنا العربي”.

16