بالصدفة أو بالتخطيط: مصر محور شرق المتوسط

لغة المصالح تعيد ضبط البوصلة السياسية بين واشنطن والقاهرة
الخميس 2021/05/27
استفادة مصرية من تغييرات المنطقة

القاهرة - صارت مصر طرفا في كل ما له علاقة بشرق المتوسط من ليبيا إلى قبرص واليونان وتركيا، وهي مرشحة لأن تلعب دورا أكثر تأثيرا بعد أن أظهر التصعيد الأخير في غزة قدرتها على لعب دور الوسيط الذي تقبل به مختلف الأطراف، خاصة الولايات المتحدة.

وأجرى وزير الخارجية الأميركي أنتوني بلينكن محادثات في القاهرة الأربعاء ضمن جولته في الشرق الأوسط، بما عزز الأهمية التي توليها بلاده لمصر خلال الفترة المقبلة، وظهرت تجلياتها في دورها المهم لوقف التصعيد بين إسرائيل وحماس.

ولا تستطيع واشنطن إلا أن تعتمد على مصر في قضية حماس وغزة لأن البدائل الأخرى، مثل تركيا وإيران وقطر، مكروهة أو مغضوب عليها أو مشكوك في نواياها وأهدافها. وتسعى أنقرة والدوحة لكسب ود القاهرة من أجل تأمين نفوذهما ومصالحهما في ليبيا والسودان في معادلة تضع مصالح مصر وحساباتها كأولوية.

ويقول مراقبون إن مصر استفادت من تغييرات كبيرة تجري على المستوى الإقليمي، وإن الأمر لا يقف عند التراجع الملحوظ لدور قطر وتركيا، ولكن أيضا تراجع الحضور السعودي والإماراتي لحسابات خاصة تتعلق بتغيير الأولويات والتحالفات في ظل التنافس الدولي على الخليج.

عبدالمنعم سعيد: التصعيد في غزة أعاد الحيوية للعلاقة بين القاهرة وواشنطن
عبدالمنعم سعيد: التصعيد في غزة أعاد الحيوية للعلاقة بين القاهرة وواشنطن

وأشار هؤلاء المراقبون إلى أن الرياض من مصلحتها دفع القاهرة إلى الواجهة لتحتك بأنقرة بالنيابة عنها، أو تتراشق مع الدوحة متى دعت الضرورة لأنها خارج المصالحة المفترضة، فضلا عن إدارة موضوع غزة الذي  يعد ملفا مصريا بالأساس.

لكن اللافت هو عودة الحرارة إلى العلاقات بين القاهرة وواشنطن بعد أن كادت تتدهور وتدخل في منحنى سلبي للغاية، غير أن لغة المصالح المتبادلة التي أكّدتها الحرب في غزة أعادت ضبط البوصلة السياسية بينهما، وفتحت بابا واعدا للحوار الشامل حول عدد من القضايا الخلافية.

وأكد الاتصال الهاتفي الذي أجراه الرئيس الأميركي جو بايدن بنظيره المصري عبدالفتاح السيسي الاثنين أن العلاقات بين بلديهما لا تقتصر على الدور الذي تقوم به القاهرة في القضية الفلسطينية، حيث تشمل العديد من القضايا الإقليمية.

وكشفت مصادر سياسية مصرية لـ”العرب” أن الاتصال الثاني الذي أجراه بايدن بالسيسي في غضون أيام كان شاملا وعزز محتوى البراغماتية الذي يتحكم في العلاقات المشتركة، فلم يقف عند الأمور الشخصية أو رواسب الماضي القاتمة.

وأوضحت المصادر ذاتها أن الإدارة المصرية كانت على ثقة في براغماتية إدارة الرئيس بايدن، وراهنت على إمكانية التفاهم معها لأن مواقفها غير حدية وتميل إلى التوازن السياسي وتخفيف حدة الصدامات والبحث عن تسويات وفاقية.

وقرأت القيادة المصرية المشهد العام في المنطقة ووجدت أن هناك فراغا تبحث واشنطن عمّن يملأه في ظل الأزمات المفتوحة في المنطقة والتي تتطلب عنصرا من داخلها يقوم بالتعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة ويتفهم متطلبات مصالحها.

وبدت واشنطن كأنها تكتشف دور القاهرة من خلال جهودها في وقف الحرب على غزة وامتلاكها لأدوات مؤثرة في أطرافها بما أعاد الدفء بصورة تتجاوز أزمة القطاع التي ناقشها بايدن باستفاضة في الاتصال الأول، بينما جاء الاتصال الثاني مع السيسي حاويا لأزمات عملية السلام وليبيا وسد النهضة وعرّج على ملف حقوق الإنسان.

وطوّق الاتصال المباشر الكثير من الالتباسات وأوحى بمرحلة جديدة بين بايدن والسيسي تؤسس لإعادة تشبيك العلاقات على أسس تحقق مصالح كل طرف، بما يؤدي إلى إصابة جماعة الإخوان المسلمين بصدمة قوية، حيث توقعت استمرار التوتر بينهما وممارسة واشنطن لضغوط مكثفة على القاهرة.

وقبيل دخول بايدن إلى البيت الأبيض وجّه انتقادات إلى مصر في ملف حقوق الإنسان، وهو ما رفضته القاهرة، مؤكدة أنها تحترم حقوق الإنسان وحرية التعبير، والتي لها مفهوم مختلف يتجاوز الديمقراطية والحريات العامة وفقا للمنظور الأميركي.

وبحث السيسي وبايدن ملف حقوق الإنسان في مصر “وتم التأكيد على الالتزام بالانخراط في حوار شفاف بين مصر والولايات المتحدة في هذا الصدد”، وهي النقطة التي كانت تؤرق القاهرة وتخشى من اتخاذها ذريعة لمزيد من التوتر في العلاقات.

ولم تستبعد مصادر سياسية مصرية قيام الرئيس السيسي بزيارة إلى واشنطن قريبا لتدشين المرحلة الجديدة من العلاقات والتوافق حول قواعد مشتركة تلبّي مطالب كل طرف وتبعد شبح إعادة التوتر بين الجانبين.

Thumbnail

وحققت القاهرة أكثر من هدف في مرمى خصومها ومن راهنوا على أن صيفا ساخنا ينتظر قيادتها في واشنطن، أهمها استعادة دورها الإقليمي تدريجيا، وقد تكون القضية الفلسطينية بوابتها الأولى، لكنها لن تكون الأخيرة، فالإطراء الذي عبّر عنه بايدن عند حديثه عن الأزمة الليبية وتفهمه القلق المصري من سد النهضة يقول إن مصر ينتظرها دور أكبر في التعاون والتنسيق مع الولايات المتحدة.

ونصح خبراء مصريون بأن “تفرد القاهرة عضلاتها الدبلوماسية بشكل أكبر في المنطقة لكسب المزيد من ثقة الإدارة الأميركية، وسيكون ذلك مقبولا في ملفات إقليمية عديدة، مثل اليمن، في ظل حاجة واشنطن إلى بديل استراتيجي يعوض انكماشها في الشرق الأوسط”.

وقال مستشار المركز المصري للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة عبدالمنعم سعيد إن العلاقة بين مصر والولايات المتحدة تقوم على أسس واضحة وثابتة منذ التوقيع على اتفاقية كامب ديفيد وقد تأخذ مسارها نحو التطور أو التراجع بحسب الإدارات المتعاقبة من دون أن تمسّ الثوابت.

وأضاف سعيد في تصريح خاص لـ”العرب” أن القضية الفلسطينية أسهمت في رفع العلاقة إلى مستواها الذي كانت عليه في عهد الرئيس السابق دونالد ترامب، “ووجدت إدارة بايدن نفسها مضطرة للتخلي عن بعض الالتزامات الانتخابية تجاه التقدميين واليسار الديمقراطي الذين تعاملوا مع حلفاء ترامب على أنهم أعداء.”

وأوضح أن استخدام خطاب إيجابي حيال مصر مفيد من جهة التدخل الأميركي بشكل أكثر حسماً في قضية سد النهضة، بعد أن خسرت إثيوبيا كثيراً من أسهمها لدى واشنطن بفعل المذابح التي ارتكبتها صحبة القوات الإريترية في إقليم تيغراي، في ظل حملات تقوم بها جماعات ضغط محسوبة على قومية تيغراي في الولايات المتحدة.

وتحاول القاهرة التعامل مع الاستدارة الأميركية بطريقة متوازنة لا تفقدها الحلفاء الآخرين الذين اكتسبتهم على مدار السنوات الماضية، وتخشى أن يكون هذا التوجه مدفوعا بما يحيط بإدارة بايدن من أزمات إقليمية.

وغير مستبعد أن يبدو التعاطي المصري حذرا بعض الشيء في الفترة الأولى إلى حين تثبت واشنطن أنها حليف يمكن الاعتماد عليه، وهو ما تظهر تجلياته في عملية إعادة إعمار غزة ودور مصر فيها والشروع في استئناف مفاوضات السلام على أساس حل الدولتين، والمساهمة العملية التي تقدمها لحل أزمة سد النهضة.

1