انفتاح مصري خجول على الإعلام الأجنبي

خبراء يرون أن تراجع دور الصحف والقنوات المحلية في مصر جعل النظام بلا منبر إعلامي دولي مؤثر وجعله عرضة للنيل منه بكثافة من قبل وسائل الإعلام الأجنبية.
الجمعة 2019/12/20
الانفتاح على الإعلام الأجنبي خطوة في الاتجاه الصحيحج

تحتاج السلطات المصرية إلى علاقة أكثر انفتاحا مع مراسلي وسائل الإعلام الأجنبية، فالحظر المفروض من جهات رسمية على تداول المعلومات الحساسة، لاسيما في القضايا الشائكة، انعكس سلبا على التغطيات الصحافية للإعلام الأجنبي عن مصر.

شرم الشيخ (مصر)- بدأت ملامح التغير في علاقة السلطة المصرية بوسائل الإعلام الأجنبية بالظهور، مع وجود توجه حكومي للانفتاح على الإعلام الخارجي، بعد فترة من العلاقة المتوترة بين الطرفين انعكست على التغطيات الإخبارية الدولية عن مصر.

وخلال الفترة الماضية غلب الشك على تعامل الحكومة المصرية مع  الكثير من مراسلي الصحف والقنوات، وانحصرت النظرة إليهم في كونهم أداة تخريب وفتنة وتآمر.

وتحدثت صفاء فيصل مديرة مكتب شبكة “بي.بي.سي”، خلال اللقاء الذي جمع مراسلي الإعلام الأجنبي مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي على هامش منتدى شباب العالم في مدينة شرم الشيخ، العام الماضي، عما اعتبرته “ضغوطا ومضايقات”، بعد توتر العلاقة بين هيئة الإذاعة البريطانية والقاهرة وحجب الموقع الإلكتروني للهيئة، ليرد الرئيس المصري برفضه، مؤكدا “لا نستغني عنكم”.

وتوعد المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وكالة أنباء “رويترز”، السبت الماضي، باتخاذ إجراءات صارمة ضدها، بعد تقرير صحافي انتقدت فيه لجنة الدراما بالمجلس.

ويشير الاختلاف اللافت بين التوجهات الحكومية بالتقارب مع الإعلام الأجنبي، في حين تناصب جهات رسمية أخرى العداء له، إلى عدم وجود استراتيجية واضحة في التعامل مع الصحف والقنوات الأجنبية.

ويرى مراقبون أن أزمة بعض دوائر الحكم في مصر أنها تريد تطويع الإعلام الأجنبي والعمل وفق الرؤية التي تحددها السلطات الرسمية، مثل المعمول به مع الإعلام المحلي، وإن لم يتحقق ذلك، فعلى الأقل تكون هناك بعض المراجعات لقضايا حساسة، وما يُنشر أو يبث، وهذا أيضا أمر صعب، لكنه يفسر الارتباك الحكومي في التعامل مع الإعلام الغربي.

وتتضاعف الأزمة مع عدم قدرة وسائل الإعلام، محلية وأجنبية، على الحصول على معلومات دقيقة، وتهرب بعض المسؤولين من الإجابة على كثير من الاستفسارات.

وقال ياسر عبدالعزيز الخبير الإعلامي إن اهتمام الرئاسة المصرية بالتواصل مع الإعلام الأجنبي يبرهن على وجود قناعة بأهميته في توصيل صوت مصر إلى العالم، وأن فترة التوتر بين الطرفين بدأت تأخذ منحى مغايرا وإيجابيا، لكن الأمر يتطلب ألا يقتصر التفاعل على الرئاسة وحدها، ويشمل باقي المؤسسات الرسمية.

وأضاف لـ”العرب” أن ما يعزز وجود بوادر لسياسة جديدة في التعاطي مع الإعلام الأجنبي، أن الأسئلة التي تم طرحها في منتدى شباب العالم مؤخرا، كانت مباشرة وسريعة، والردود عليها جاءت أسرع، أي أن استفسارات ومداخلات المراسلين الأجانب لم تتم مراجعتها مع مسؤولين رسميين، أو التدخل فيها قبل عرضها، والتحفظ عليها، كما كان يتردد من قبل.

ويقول متابعون إن مشكلة الحكومة أنها تصنف الإعلام الأجنبي غالبا في خانة واحدة، ولا تفرق بين من يتآمر ويؤيد وجهات نظر تيارات وجماعات تكن العداء للدولة، وبين نشر بعض المعلومات المغلوطة دون قصد، خصوصا مع العجز عن الوصول إلى الحقيقة بحكم الحظر المفروض من جهات رسمية على تداول المعلومات الحساسة، لاسيما في القضايا الشائكة. وتتبنى الكثير من المؤسسات الرسمية نهج المقاطعة لمجرد أن صحيفة أو قناة تعرضت للحكومة بالنقد، أو ذكرت معلومات مغلوطة. صحيح يقوم الإعلام المصري بالرد، لكن كثيرا ما تكون طريقة تفنيد الحقائق لما هو منشور بالصحيفة أو القناة خشنة وغير متوازنة، ومؤشرا على تصاعد العداء بين الحكومة والإعلام الأجنبي.

ويرتاح الكثير من المسؤولين للمقاطعة الضمنية مع وسائل الإعلام الأجنبية، خوفا من الإدلاء بتصريحات قد تحرجهم سياسيا، أو يساء تفسيرها.

ويدرك الخبراء أن تراجع دور الصحف والقنوات المحلية جعل النظام المصري بلا منبر إعلامي دولي مؤثر وجعله عرضة للنيل منه بكثافة، وبالتالي، لا بديل عن تعزيز التقارب مع الإعلام الأجنبي لتوصيل صوت وموقف القاهرة إلى العالم، لكن استهداف مراسلين أجانب، بالقول والتهديد من مؤسسات رسمية، يصعّب مهمة الحكومة في بناء حوار مهني.

وتنتقد بعض الدوائر الخارجية قيام الحكومة بحجب الكثير من المواقع الأجنبية من دون تقديم مبررات كافية، الأمر الذي كرس فكرة التضييق على المجال العام بلا ضوابط مهنية.

سلبيات الإعلام المصري من السيطرة وغياب المهنية وتبني نظرية المؤامرة عوامل منحت الإعلام الأجنبي دور المعارض

واللافت أن الكثير من الصحف والقنوات الأجنبية محل اهتمام ومتابعة في مصر، ومن يريد معرفة معلومات وكواليس وتوقعات وتحليلات تخص الشأن المحلي يذهب إليها، وهو ما تدركه الحكومة جيدا، وتضعه في الحسبان عندما تتحدث قليلا إلى الإعلام الأجنبي.

وأكد محمد سيد عبدالحفيظ عضو مجلس نقابة الصحافيين، لـ”العرب”، أن السلبيات التي يعاني منها الإعلام المصري، من السيطرة وغياب المهنية وتبني نظرية المؤامرة الخارجية والتحيز للسلطة فقط، عوامل منحت فرصة للإعلام الأجنبي للتركيز بشكل مستمر على القيام بدور الصوت المعارض للنظام، وحصلت على مصداقية ليست هينة.

ومنحت بعض وسائل الإعلام الأجنبية أحيانا الفرصة للحكومة، للتأكيد على مقولتها بوجود استهداف للدولة من الخارج، وذلك عند ارتكاب هذه المنصات أخطاء مهنية في شكل قالب موضوعي لكنها تصب في صالح جماعة “الإخوان”، والإصرار على نشر معلومات غير دقيقة، لكن مشكلة الحكومة عند الرد على هذه الوقائع أنها ترتكب خطأ أكبر باللجوء إلى المقاطعة وليس التوضيح، وحتى التفنيد يأخذ غالبا طابعا عدائيا ما يفقد صاحبه رسالته.

وبدورها، ترتكب بعض وسائل الإعلام المحلية جريمة مهنية، بتوسيع نطاق ما ينشر من تقارير مغلوطة في الإعلام الأجنبي بحجة الرد عليها، حيث يتم نقلها بشكل حرفي ويتولى البعض مهمة الدفاع عن السلطة دون وجود حجج مقنعة ومنطقية، ما يضع النظام أمام حرب إعلامية من نوع خاص، غالبا ما تخسر فيها الحكومة.

ويؤكد خبراء إعلام أن تحسين العلاقة بين الحكومة والإعلام الأجنبي لن يكون بتوسيع دائرة المقاطعة لكل من يختلف في الرأي أو لا يتماشى مع التوجهات الرسمية. ويظل الحل في منح المزيد من الشفافية وإتاحة المعلومات والحوار المتبادل، والاقتناع بأن ما “يسري من قواعد على الإعلام المحلي لن يجدي نفعا مع الإعلام الخارجي”.

18