انتهى الخلاف العائلي وبقيت المؤامرة مكتومة

السلطات القضائية الأردنية حظرت النشر في قضية التآمر لكن الحكومة لا تزال مطالَبة أمام الأردنيين وأيضا أمام حلفائها العرب والأجانب بالكشف عن نتائج التحقيقات.
الأربعاء 2021/04/07
مؤامرة شابها الكثير من الغموض

نجحت الأسرة الهاشمية في الأردن في تطويق أزمة تصريحات الأمير حمزة بن الحسين ورفضه السكوت والبقاء في الإقامة الجبرية. لكن تطويق الخلاف العائلي وتعهد الأمير حمزة بالعمل تحت قيادة العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني لا يحلّ المشكلة ولا يستجيب لتساؤلات الأردنيين بشأن التصريحات الحكومية عن المؤامرة الخارجية وما حملته الرواية الرسمية من غموض بشأن الجمع بين الأمير حمزة وباسم عوض الله، وهل المقصود بالجهات الخارجية إسرائيل أم السعودية؟

عمان- سوف يُطوى ملف الخلاف داخل العائلة الهاشمية بعد أن وقع وليّ العهد السابق الأمير حمزة بن الحسين على رسالة ولاء للعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، لكن لا يزال من حق الأردنيين رفع الغموض عن ملابسات “المخطط التآمري” الذي كان سيهز أمن البلد واستقراره، و”الجهات الخارجية” التي تقف خلفه وطبيعة العلاقات بين المتهمين.

وقبل “المصالحة العائلية” التي أنجزها الأمير الحسن بن طلال عمّ الملك عبدالله الثاني، قالت الحكومة إن المتهمين الـ16 اعتقلوا بناء على ما وصفته بالمتابعة الشمولية الحثيثة على مدى فترة طويلة من قبل الجيش وجهازي المخابرات والأمن العام.

وأكثر ما تحتاجه السلطات الآن هو الكشف عن أبعاد العلاقة بين رجلين لطالما كانا على طرفي نقيض، وهما الشخصيتان الرئيسيتان في المخطط المفترض: الأمير حمزة ولي العهد السابق وباسم عوض الله الشخصية المقربة لفترة طويلة من الملك عبدالله الثاني.

هل يمكن لأجهزة الحكم إثبات وجود صلات بين الأمير القريب من أوساط الحركة الاحتجاجية والذي يتمتع حتى الآن بشعبية واسعة، وعوض الله “المكروه” والمتهم شعبيا ببيع المؤسسات العامة وإضعاف الاقتصاد؟

باسم عوض كان الشخصية المقربة لفترة طويلة من الملك عبدالله الثاني

يرتبط اسم عوض الله بمشاريع الخصخصة التي أدت إلى تخلي الدولة عن المرافق الأساسية للبلد وتراجع الدور الاجتماعي للحكومة وذلك في بدايات عهد الملك عبدالله الثاني الذي تولى الحكم سنة 1999.

وقادت “إصلاحات” عوض الله إلى حالة من الاستياء العام وأدت إلى تآكل دخول الأردنيين الذين تعودوا على الرعاية الحكومية “الأبوية” أيام الملك الراحل الحسين بن طلال، وذلك بعد أن أمسك عوض الله بملف الخصخصة وتمسك به على مدى ثماني سنوات بدأت حين عُيّن مديرا للدائرة الاقتصادية في الديوان الملكي، وسرعان ما تولى وزارة التخطيط فالمالية ثم رئيسا للديوان حتى أواخر 2008.

حصيلة هذه السنوات وما تلاها كانت قبل يومين موضع انتقادات حادة من الأمير حمزة الذي أعفي من ولاية العهد في 2004 حين كان عوض الله في أوج نفوذه.

وفي مقطع الفيديو الذي روى فيه تعليمات الإقامة الجبرية على لسان رئيس هيئة الأركان المشتركة وبحضوره الشخصي، قال الأمير حمزة “لستُ المسؤول عن الفساد وانهيار الحوكمة وغياب الكفاءة التي تسود هياكل الحكم منذ خمسة عشر إلى عشرين عاما، وتزداد سوءا كل عام”.

ثمة حالة من التعاطف مع الأمير حمزة باعتباره تحدث بما يتحدث به الناس حول الفساد وتراجع الاقتصاد مع الجمود السياسي والقيود المفروضة على الحريات العامة. وملأت صوره السوشيال ميديا في الأردن وانتشرت على بروفايلات المستخدمين خصوصا ما يجمعه منها بوالده الراحل الملك حسين.

يجد الأردنيون أوجه شبه متعددة بين الأمير حمزة ووالده الملك حسين الذي أوصى له بولاية العهد قبيل وفاته، وأبرزها قربه من الناس وخصوصا العشائر في المناسبات الاجتماعية وتوجهاته والكاريزما التي تذكرهم بملامح الملك حسين.

وإلى جانب الخصخصة ورفع يد الدولة عن المؤسسات العامة عبر عقود وامتيازات ضخمة شكك العديد من المحللين في شفافيتها ونزاهتها ولا تزال تثير حنق الناس وتساؤلاتهم، وضع الرئيس السابق للديوان الملكي نفسه خصما للعشائر التي تمثل إحدى الركائز الرئيسية الداعمة لمنظومة الحكم الهاشمي منذ تأسيس الدولة قبل مئة عام.

ربما كان الارتياح سيكون أكثر لدى الرأي العام لو اعتقل عوض الله في ظروف مختلفة وباتهامات مرتبطة خصوصا بالفساد وليس “لأسباب أمنية” فاجأت معظم الأردنيين بسبب اتصالها مباشرة بالأمير حمزة الذي يوجه منذ سنوات انتقادات علنية لاذعة للأداء في أجهزة الحكم.

وفي حين لم توضح الحكومة بأي شكل من الأشكال أبعاد العلاقة المفترضة بين الأمير حمزة وعوض الله الذي ظل حتى عهد قريب موفدا شخصيا للملك عبدالله الثاني إلى السعودية، بقيت جوانب أخرى مهمة من “المخطط التآمري” محجوبة أيضا عن الناس.

هل أرادت الحكومة اتهام الموساد عندما أعلنت ضلوع جهات استخبارية في الخارج؟ نعم.

جذور الأزمة ستبقى فالأمير حمزة لم يسحب كلامه حول الفساد وعدم الكفاءة في إدارة الدولة وإن تعهد بالعمل تحت إمرة الملك

قال نائب رئيس الوزراء وزير الخارجية أيمن الصفدي إن وكالة مخابرات أجنبية اتصلت بزوجة الأمير حمزة لترتيب طائرة “للزوجين” لمغادرة الأردن. بعد ذلك، مررت أجهزة الحكم إلى وسائل الإعلام المحلية خبرا منقولا عن “المصدر الرسمي المطلع” الذي كشف عن هوية “عميل” المخابرات الإسرائيلية المتورط في المؤامرة. ثم ذكر مسؤول كبير سابق بمرتبة نائب رئيس وزراء وقريب من السلطات الأردنية صراحة أن الدولة المقصودة هي إسرائيل.

فيما نفى روي شابوشنيك رجل الأعمال المقيم في أوروبا ويصف نفسه بأنه “إسرائيلي سابق” في بيان صادر عنه أي ارتباط له بالموساد، وقال إنه عرض على زوجة الأمير حمزة وأبنائه، وليس الأمير، طائرة خاصة لاستضافتهم حيث يقيم من منطلق الصداقة الشخصية مع الأمير و”العلاقة العائلية القوية”.

هنا يبدو أن أجهزة الحكم توقعت أن يمرّ على الرأي العام اتهام إسرائيل بالمخطط التآمري بسبب التوتر القائم منذ سنوات والمتصاعد الآن بين الملك عبدالله الثاني ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في قضايا تمس بالفعل استقرار المملكة وعلى رأسها القدس وعملية السلام.

ولقد فتح تكتم الحكومة وحديثها المبهم عن الجهات الخارجية المتورطة الباب أمام تكهنات بدور سعودي محتمل. وكل المعطيات الظاهرة الأخرى تؤيد ذلك. وهو ما يفسر مسارعة السعوديين إلى تبديد هذا الاتهام وتأكيد دعم المملكة للأردن من خلال اتصال وليّ العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان بالملك عبدالله الثاني وولي عهده الأمير الحسين.

وقبل أن يرسل العاهل السعودي الملك سلمان بن عبدالعزيز وزير خارجيته إلى عَمّان للتأكيد من جديد على وقوفه إلى جانب الأردن في “مواجهة جميع التحديات”، ربما كانت السعودية الدولة الأولى التي أعلنت تضامنها وتأييدها للتدابير التي اتخذها العاهل الأردني فور الكشف عن “المؤامرة”.

انتهت الأزمة لكن جذورها باقية
انتهت الأزمة لكن جذورها باقية

وبالإضافة إلى عوض الله المقرب من الديوان الملكي السعودي، اعتقلت قوات الأمن الشريف حسن بن زيد الذي لا يُعرف عنه الكثير سوى أنه كان مبعوثا للملك عبدالله الثاني إلى الرياض ويحمل الجنسيتين الأردنية والسعودية.

وفي هذا تركت الحكومة للأردنيين أن يتخيلوا وجود ضغوط سعودية أو خليجية على المملكة بسبب توجهاتها في الملفات الإقليمية الرئيسية خصوصا القضية الفلسطينية ومآلات التطبيع مع اسرائيل.

واتهمت الحكومة أيضا “المعارضة الخارجية” بالتورط في المؤامرة. وفي الواقع لا توجد معارضة خارجية بالمعنى الحقيقي، وإنما نشطاء وصحافيون معارضون مقيمون في عدة دول ويساندون الحركة الاحتجاجية ومنهم من يؤيد الأمير حمزة.

وبعد كل هذا حظرت السلطات القضائية النشر في قضية التآمر لكن الحكومة لا تزال مطالَبة أمام الأردنيين وأيضا أمام حلفائها العرب والأجانب بالكشف عن نتائج التحقيقات التي وعدت بالتعامل معها “بكل شفافية ووضوح”.

كما أن حظر النشر لم يجب عن سؤال كيف تمت التسوية مع الأمير حمزة؟ هل يعني هذا أن القضية سيتم تعويمها أم ستحال إلى القضاء مع حذف اسم الأمير حمزة منها وحصر تهمة “المؤامرة” في بقية الأسماء؟

وهل أن حذف اسم الأمير حمزة من “المؤامرة” قد حقق الهدف وهو تحييده ودفعه إلى السكوت في وضع اقتصادي واجتماعي صعب ربما يثير احتجاجات جديدة تجد في اسمه سندا قويا لها في وقت تبحث الحكومة عن التهدئة لأجل مرور عاصفة الأزمات الاقتصادية والاجتماعية والصحية؟

ثمة حالة من التعاطف مع الأمير حمزة باعتباره تحدث بما يتحدث به الناس حول الفساد وتراجع الاقتصاد مع الجمود السياسي

وهل أن الأمر يتعلق بمؤامرة فعلية أم أن المؤامرة تعبير مجازي يفيد التحريض ضد سياسات الملك عبدالله الثاني الاقتصادية والاجتماعية والمس من شعبيته وإضعافه؟

وإذا كانت الأزمة قد حُلت داخل العائلة المالكة فإن جذورها ستبقى، فالأمير حمزة لم يسحب كلامه حول الفساد وعدم الكفاءة في إدارة الدولة وإن تعهد بالعمل تحت إمرة الملك عبدالله الثاني.

وقال الديوان الملكي إن الأمير حمزة ولي العهد السابق وقّع رسالة وضع نفسه فيها بين يدي الملك عبدالله الثاني بعد أن التقى مع عمّه الأمير الحسن وأمراء آخرين الاثنين.

وكتب الأمير حمزة “أضع نفسي بين يدي جلالة الملك، مؤكدا أنني سأبقى على عهد الآباء والأجداد، وفيّا لإرثهم، سائرا على دربهم، مخلصا لمسيرتهم ورسالتهم ولجلالة الملك، وملتزما بدستور المملكة الأردنية الهاشمية العزيزة. وسأكون دوما لجلالة الملك ووليّ عهده عونا وسندا”.

6