الولايات المتحدة أمام تحدي تعقب مراكز التجنيد لوقف تدفق الجهاديين

إدماج المقاتلين الأجانب في مجتمعاتهم المحلية خيار بات مطروحا بقوة.
الثلاثاء 2021/05/18
الإدماج خيار بديل للتعامل الأمني

جنّد تنظيم الدولة الإسلامية "داعش" من العام 2013 إلى العام 2015 ما يقارب الـ40 ألف مقاتل أجنبي من أكثر من مئة دولة. واللافت للنظر أن 75 في المئة من المجنّدين الأجانب في تنظيم الدولة الإسلامية نشأوا في مناطق لا تشكل سوى 11 في المئة من مجموع سكانها. وعلى الرغم من التراجع الحالي في أعداد المقاتلين الأجانب إلا أنهم يمثلون تحدّيًا دائمًا للولايات المتحدة ودول المنطقة. ويرى مراقبون أنه من خلال تخصيص الموارد لمناطق التجنيد يمكن لإدارة الرئيس الأميركي جو بايدن التقليل من نطاق صراعات الشرق الأوسط المستقبلية جنبًا إلى جنب مع احتمال سحب القوات الأميركية كي تتفرغ لمواجهة الصين.

واشنطن - رغم سيطرة المقاربات الأمنية في مواجهة الإرهاب والمخاطر المحتملة للجهاديين الأجانب ثمة اقتناع لدى الحكومات الغربية بضرورة إشراك المجتمعات المحلية في عمليات نزع التطرف العنيف وتمكينها من ذلك، ما يعني تمكين الفاعلين المحليين من العمل على نزع التطرف وإعادة دمج المقاتلين.

وتضاءل تحمّس المجتمع الدولي للاستثمار في إستراتيجيات أكثر نجاعة في مكافحة الإرهاب بعد أن خسر تنظيم الدولة الإسلامية خلافته الإقليمية المزعومة، لكن خبراء درسوا نمو مراكز التجنيد خلال سنوات خلافة التنظيم يرون أن المجتمع الدولي يمكن أن يحد من التجنيد في هذه المناطق عبر معالجة المظالم المحلية.

والسؤال المُثار هو: هل أن هؤلاء العائدين مستعدون بالفعل للاندماج من جديد في المجتمع أم غير مستعدين لذلك؟ إذ أن بعض المختصين يرون أن جانبا كبيرا من هؤلاء ربما يكون متشبعا بالفكرة، وربما لا يكون على استعداد للتنازل عنها، كما أنه قد يفضل الانتقال إلى منطقة صراع جديدة بدلا من عودته للاستقرار في مجتمعه، وإن كان علماء النفس يرون أن برامج تأهيل نفسية طويلة قد تنجح في إدماج هؤلاء من جديد ليكونوا نافعين في مجتمعاتهم.

مراكز التجنيد

المقاربة الزجرية إلزامية لكنها تظل قاصرة
المقاربة الزجرية إلزامية لكنها تظل قاصرة

قبل خمس سنوات هرب أحد مقاتلي تنظيم الدولة الإسلامية مع أسرته مما يسمى بدولة الخلافة التابعة للتنظيم وعَبَر الحدود إلى تركيا. وقبل تخليه عن مسيرة حياته كعنصر في وحدة الأمن الداخلي التابعة للتنظيم سرق محرك أقراص فلاش من مكتب رئيسه وقدمه لاحقاً إلى السلطات الأوروبية مقابل حصوله على حصانة من الملاحقة القضائية. واحتوى ذلك المحرك على نماذج تسجيل لحوالي 3500 مقاتل من مختلف أنحاء العالم، مما يجعله أكبر مخزن لبيانات التسجيل العلنية الخاصة بالتنظيم.

وتكتسي البيانات قيمة خاصة بسبب خصوصيتها؛ فهي تكشف أن العديد من المقاتلين الأجانب جاءوا من مراكز تجنيد محلية متفاوتة الحجم تراوحت بين أحياء فردية في مدن إلى مناطق أكبر من بلد ما. وكانت بعض هذه المراكز تقع ضمن تجمعات حضرية كبيرة، في حين غلب الطابع الريفي على بعضها الآخر، لكن برزت من جميعها أعداد كبيرة من المقاتلين بشكل متفاوت. وفي الشرق الأوسط وفّرت المراكز التي تضمنت فقط 11 في المئة من إجمالي سكان المنطقة نحو 75 في المئة من مقاتليها الأجانب.

واختلفت العوامل التي دفعت هؤلاء المقاتلين إلى خوض معارك في سوريا والعراق؛ فبالنسبة إلى الكثيرين فاقت الحوافز المالية المخاطر المرتبطة بالانضمام إلى تنظيم الدولة الإسلامية، واعتقد آخرون أن الانتماء إلى داعش سيحميهم من الجماعات المسلحة المنافسة أو السلطات المحلية. وكان العديد منهم يقلدون على الأرجح خطوات أحد أصدقائهم أو أحد أفراد أسرهم.

وعلى سبيل المثال في أحد المراكز الواقعة في ضواحي تونس العاصمة أشار 81 في المئة من المجندين المسجلين إلى أنهم كانوا يعرفون شخصاً واحداً على الأقل سافر إلى سوريا للقتال. وبالتالي مع اتساع نطاق النشاط الجهادي في دولة الخلافة والمراكز التابعة لها على حد سواء ازداد أيضاً احتمال انضمام المزيد من القادمين من أحد هذه المراكز إلى صفوف التنظيم.

جيل دي كيرشوف: تقييم المخاطر يجب أن يكون على أساس كل حالة على حدة

وبالمثل، كلما كان المركز أكبر حجما كان تنظيم الدولة الإسلامية قادراً على تجنيد أعضاء جدد بسهولة أكبر. وفي العديد من المراكز هيمن مقاتلو الدولة الإسلامية أو الأفراد التابعون للتنظيم على جهاز الأمن المحلي، لذلك غالباً ما كان الانضمام إلى التنظيم هو الخيار الأكثر أماناً للسكان. كما منح هذا التوغل تنظيم داعش نظرة معمّقة مهمة إلى الشخصيات والشكاوى المحلية، مما مكّن المجندين من تجميع دراسات حالة حول المقاتلين المحتملين واختيار الظروف الأكثر ملاءمة لتجنيدهم.

وهناك العديد من السمات البارزة التي تميز المقاتلين القادمين من المراكز عن المقاتلين الذين لم يأتوا منها. أولاً، كان “مقاتلو المراكز” في المتوسط أصغر بثلاث سنوات من المقاتلين الأجانب الآخرين. ثانياً، كانوا أقل احتمالاً بأن يكونوا متزوجين أو لديهم أطفال. ثالثاً، كان نصفهم على الأرجح يتمتعون بخبرة سابقة في مجال القتال في الخارج.

وتشير هذه السمة الأخيرة إلى التهديد الخطير الذي تطرحه هذه المراكز؛ فهي ليست المحركات الرئيسية للتجنيد خلال الحملات الجهادية الكبرى فحسب، ولكنها أيضاً بوابة للجهاد الدولي عندما تراجعت حدة الصراعات. وتجذب مراكز تنظيم الدولة الإسلامية أعداداً غير متكافئة من المجندين إلى صفوف المقاتلين الأجانب، وهم مسلحون معروفون بمفاقمتهم للصراعات في أنحاء العالم وإطالة أمدها. وقد لا يكون لدى العديد من هؤلاء الأفراد ساحة معركة للقتال في الوقت الراهن، لكنهم ما زالوا يشكّلون تهديداً للسكان المحليين والأمن القومي الأميركي كذلك.

ولسوء الحظ تضْمن الظروف الحالية داخل مراكز التجنيد وحولها تقريباً موجة مستقبلية من المقاتلين الأجانب. ويؤدي تدهور الآفاق الاجتماعية والاقتصادية في العديد من دول الشرق الأوسط إلى تزايد عدد الشكاوى. بالإضافة إلى ذلك غالباً ما تؤدي كثرة الحروب الأهلية “المدوّلة” في المنطقة إلى تشجيع الأفراد على التصدي للغزاة الأجانب واعتبار الصراعات معاركَ أيديولوجية.

ومن ناحية أخرى يسهم الإحجام واسع الانتشار عن إعادة المقاتلين الأجانب إلى أوطانهم في ظهور مجموعة من المجندين شبه المحترفين القادرين على الانتقال من صراع إلى آخر. وبتخلّي الحكومات عن مواطنيها الذين انضموا إلى تنظيم الدولة الإسلامية تساهم بشكل غير مباشر في الموجة التالية.

مقاربة إدماج شاملة

Thumbnail

تضاءل تحمس المجتمع الدولي للاستثمار في إستراتيجيات أكثر نجاعة في مكافحة الإرهاب. ومع ذلك يؤكد باحثون على ضرورة تركيز الاهتمام والموارد على إستراتيجيات الوقاية بدلاً من مجرد انتظار اندلاع الأزمة التالية.

وخلال ذروة العنف الإرهابي يتمّ إيلاء أهمية كبيرة لمسألة الأيديولوجيا كعامل محفز، ولكن يجب في الوقت نفسه تحليل بروز مراكز المقاتلين الأجانب، بما أنها تُظهر الدور الرئيسي الذي لعبه مجتمع المقاتلين. فعندما يندمج أصدقاء وأسرة شخص ما في جماعة متطرفة تزداد جاذبية الجماعة بنظره ويسهل عليه بصورة أكثر الانضمام إلى صفوفها. ويمكن لهذه الانتماءات والولاءات أن تتخطى العلاقات المباشرة والمحلية.

وتعاطف العديد من المقاتلين، ولاسيما خلال الموجة الأولى التي أعقبت الانتفاضة السورية، مع أولئك المتواجدين في مجتمعاتهم المتصورة في الخارج الذين كانوا يتعرضون لضغوط هائلة. وقد ساعدت هذه الدوافع في جذب مقاتلين من دول من خارج منطقة المشرق العربي، بما فيها أوروبا الغربية وأميركا الشمالية.

وتَمثل محفز قوي آخر في وجود نساء وأطفال يبدون وكأنهم يمارسون حياتهم اليومية في دولة الخلافة. وساعدت مثل هذه الصورة في إضفاء الشرعية على سردية تنظيم الدولة الإسلامية بأن حكمه لم يكن مناسباً فقط لمقاتلي الصفوف الأمامية، بل لعائلاتهم أيضاً.

وكان ما يقرب من 20 في المئة من المقاتلين الأجانب من النساء على الرغم من أنه غالباً ما يتمّ تصويرهن على أنهن ضحايا عاجزات تمّ خداعهن للقدوم إلى دولة الخلافة، إلّا أنه كانت لديهن عدة دوافع للانضمام إلى التنظيم مثل نظرائهن الرجال.

وبالطبع، تمّ التلاعب بعقول بعضهن أو إرغامهن على السفر والانخراط في التنظيم، لكن البعض الآخر غادر الوطن بسبب إيمان قوي بقضية التنظيم. والواقع أن العديد من النساء أظهرن ولاءً مستمراً لـتنظيم الدولة الإسلامية، حتى بعد سقوط الخلافة، ساهم في الحفاظ على شرعية التنظيم.

ولوقف الموجة القادمة من المقاتلين الأجانب على العاملين في مجال مكافحة الإرهاب القيام أولاً بالقضاء على الأسباب التي تجعل مراكز التجنيد بيئة حاضنة للتطرف.

الحكومات الغربية تشكل لديها اقتناع بضرورة إشراك المجتمعات المحلية في عمليات نزع التطرف العنيف وتمكينها من ذلك

وفي هذا المجال بإمكان الولايات المتحدة الاستفادة من شراكاتها المحلية والدولية لتعزيز التنمية وبناء القدرة على الصمود. لكن خلال قيام المسؤولين بذلك عليهم توخي الحذر لعدم وصم هذه المراكز وعزلها بشكل أكبر، وهو أمر غالباً ما يحصل بسبب وصمة العار الماضية النابعة من صراعات عرقية أو طبقية أو قبلية.

وسيتطلب ذلك التشاور مع الجهات الفاعلة المحلية التي تتمتع بالخبرة والمشاركة النشطة، والتي يمكنها تحديد مظالم المجتمع وكسب ثقته. بالإضافة إلى ذلك يمكن للشركاء في المجتمع المدني المساعدة على انخراط الأفراد الذين يشعرون بمثل هذه المظالم ومنحهم سبلاً موثوقة للعمل على صعيد الدولة أو الصعيد المحلي.

ويمكن للدعم الدولي أن يكمّل المبادرات الأميركية؛ فقد قامت الأمم المتحدة وهيئات أخرى باستثمارات كبيرة في بناء القدرات، وينبغي توسيع هذه الجهود لتشمل حقوق الإنسان وتوفير خدمات أمنية تراعي الفوارق بين الجنسين.

والتعاون القانوني ضروري أيضاً، ليس فقط لوقف تدفق المقاتلين ومحاكمة الأطراف العنيفة، بل أيضاً لضمان عدم استغلال الدول لمهمات مكافحة الإرهاب من أجل قمع المعارضة.

بالإضافة إلى ذلك يمكن أن تكون الشبكات الاجتماعية نفسها التي تغذي مراكز المقاتلين الأجانب جزءاً أساسياً من الحل. ويزيد المجتمع المتماسك من احتمال قيام صديق أو فرد مهتم من العائلة بمنع وصول الشخص إلى مرحلة التطرف. وبالتالي من الضروري تقديم المساعدة لمثل هذا المجتمع حين يطلب ذلك.

وتسلّط عوامل مماثلة الضوء على أهمية إعادة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم وتحويل الانتباه إلى المساءلة والقضاء على التطرف. وعندما ترفض الدول إعادتهم فإنها تسهم في تزايد الشكاوى بين السكان الساخطين وتمكّن شبكات المقاتلين من تنظيم صفوفها في أماكن مثل مخيّم الهول للاجئين.

وعوضاً عن ذلك يجب السماح لعدد أكبر من الأفراد بالعودة، شرط خضوعهم لإجراءات التدقيق المناسبة الخاصة بتقييم المخاطر قبل إعادة دمجهم في مجتمعاتهم. ولن تحدد طريقة تعامل المجتمعات والحكومات مع هؤلاء العناصر السابقين في تنظيم الدولة الإسلامية آفاق إعادة دمجهم الفردية فحسب، بل ستؤثر أيضاً على أماكن وطريقة إنشاء مراكز التجنيد في المستقبل.

ولا تزال المقاربات الدولية تستند إلى معالجة قصيرة الأمد من خلال نموذج الحرب والعدالة الجنائية؛ فهي تتعامل مع مسألة المقاتلين الأجانب كإرهابيين أو باعتبارهم إرهابيين محتملين وفق منطق التجريم، مع أن الإحصاءات تشير إلى أن أغلب المقاتلين الأجانب العائدين ليست لهم نوايا عدائية؛ الأمر الذي يتطلب إعادة النظر في الإجراءات الأمنية والقانونية وتوسيع المقاربة على المدى البعيد لتشمل إجراءات أكثر نجاعة وفق منطق السياسات الليبرالية، والتي تتضمن عمليات الاندماج الاجتماعي والتماسك المجتمعي والعلاقة بين الدولة والمواطن، وفق إستراتيجية شمولية تكاملية.

ويرى الباحث جيل دي كيرشوف أن تقييم أي خطر قد يشكلونه يجب أن يكون على أساس كل حالة على حدة. ولئن كان من المحتمل أن تنفذ قلة منهم هجوماً إرهابيا فإن الكثيرين قد يكونون مخذولين ويعانون من اضطراب ما بعد الصدمة. ولربما يشعر بعضهم بأنهم قد أدّوا واجبهم كمسلمين ويحتاجون ببساطة إلى إعادة الاندماج في المجتمع.

12