الواقعية الجديدة مقاربة لتملّك الواقع

أشياء المعيش اليومي تتحوّل إلى أعمال فنية تندّد بمجتمع الاستهلاك.
السبت 2020/06/06
مواد غير نبيلة لغايات نبيلة

برزت حركة الواقعية الجديدة في ستينات القرن الماضي كنتاج لما بعد الحداثة، واتسم دعاتها بالتمرّد على التيارات الفنية السابقة، والتنديد بمجتمع الاستهلاك، فكانوا يستعملون أشياء المعيش اليومي ويجعلون منها أعمالا فنية.

باريس – ظهرت حركة الواقعية الجديدة في مجتمع عاش الحرب العالمية الثانية، وبدأ يكتشف النهضة الصناعية ونمو الرأسمالية وانتشار الدعاية الإعلانية، وما رافق ذلك من تغيير في أنماط العيش والإقبال على الاستهلاك بنهم.

وكان العنصر الجامع لهذه الحركة مؤرّخ الفن والناقد بيير ريستاني، الذي كان مولعا بالفن التجريدي حتى لقائِه بإيف كلاين (العرب 27/04/2020) عام 1955، أي عندما افتتح هذا الفنان مرحلته الزرقاء، وبحوثه بخصوص اللون الواحد، في إطار ما يعرف بالتجريدية الغنائية.

هوية جماعية

بداية من عام 1959، بدأ ريستاني يجمع حوله الفنانين الذين يتشابهون من جهة منطلقاتهم الفنية والأيديولوجية ليؤسّس في مايو 1960 هذه الحركة عقب معرض أقيم في “غاليري أبولّينير” بميلانو، وشارك فيه أرمان فرنانديز، وفرنسوا دوفرين، وريمون هينس، وجاك فيليغلي، والسويسري جان تينغلي، وإيف كلاين بطبيعة الحال، رغم أن كلاين كان يفضل “واقعية اليوم” على “الواقعية الجديدة” التسمية التي اقترحها ريستاني. وفي 16 أكتوبر من السنة نفسها أصدر بيانا وقّعه المشاركون في معرض ميلانو، قبل أن ينضمّ إليهم بعد عشرة أيّام مارسيال رايس، والسويسري دانيال سبويرّي.

ثمّ تلاه في العام الموالي، 10 يونيو 1961 تحديدا، بيان ثان بعنوان “أربعون درجة فوق دادا” أمضى عليه أعضاء “الواقعية الجديدة” الأوائل، ما أدّى إلى انسحاب إيف كلاين احتجاجا على ربط البيان في صيغته الثانية مرجعيتَه النظريةَ بالدّادائيين، وخيّر الالتحاق بمجموعة “زيرو” التي أسّسها الألمانيان هاينز ماك وأوتّو بينه عام 1958، بدعوى أنها حركة عالمية لها تطلعات أوسع.

ورغم ذلك شهدت “الواقعية الجديدة” انضمام سيزار بالداتشيني، ونكي دو سان فال، وجيرار ديشان، والإيطالي ميمّو روتيلّا، والبلغاري كريستو فلاديميروف جافاتشيف. ونظّمت معارض في باريس ونيس ونيويورك، مثلما شاركت في بينالي سان مارينو.

ورغم نجاحها واعتبارها أكثر الحركات حضورا في الساحة الفنية الفرنسية، لم تعمّر الحركة طويلا، إذ انفرط عقدها عام 1966، ومضى كل عضو من أعضائها إلى ممارسة فنّه على طريقته، بنجاحات مختلفة.

"الواقعية الجديدة" سعت إلى فضح المجتمع الاستهلاكي وتعرية أثر الرأسمالية في تحوّلات أنماط العيش

وفي ذاك النص المؤسّس، تمّ الإعلان عن هوية جماعية ومبادئ مشتركة يمكن تلخيصها في التملك المحايد والإيجابي للواقع في صلته بالطبيعة الحديثة. ورغم ما في البيان من تأكيد على ضرورة النظر إلى الواقع إيجابيا، فإن معظم أعضائها لم يتردّدوا عن نقد المجتمع المعاصر، فقد انتقد سبويرّي وكريستو بشدّة نزعة الاستهلاك.

وأكّدت الحركة في بيانها أن فلسفتها تقوم على مقاربات جديدة لإدراك الواقع، إذ راهنت على العودة إلى المعيش اليومي، في تعارض مع غنائية الفن التجريدي التي كانت رائجة في تلك الفترة.

ولكن دون الوقوع في فخّ التصويرية التي وصفت من منظورهم بكونها ستالينية أو سليلة البورجوازية الصغرى، ودعت إلى استعمال أشياء مأخوذة من الواقع، على غرار الـ“ريدي ميد” الذي ابتدعه مارسيل دوشامب عام 1917. فقد سعى أولئك الفنانون إلى تجديد الأشكال والأفكار عبر “تملّك الواقع” الذي لم يعد يهدف في نظرهم إلى تمثل العالم، بل تمثيله.

وبذلك أدخلوا في أعمالهم موادّ محسوسة وأشياء يومية، حضرية (نسبة إلى الحَضَر) وصناعية، وحتى نفايات، وقام بعضهم بأعمال تجمع بين الفن والفرجة، مثل رسوم إيف كلاين أمام الجمهور، بمفرده، أو بحضور نساء عاريات يطليهنّ بالألوان ثم يدعوهنّ إلى التمرّغ على القماشة.

مواد من اليومي

آثار فنية تعلّم الجمهور معنى الجمال اليومي
آثار فنية تعلّم الجمهور معنى الجمال اليومي

ما يمكن ملاحظته غياب المواد النبيلة كالبرونز والنحاس والحجر، والاستعاضة عنها بالقصدير والإسمنت والمواد الصناعية، فمعظم فناني الواقعية الجديدة كانوا يستعملون الأشياء المادية التي يتداولها المجتمع، ويصنعون منها رموزا للاستهلاك.

من ذلك مثلا أن سيزار كان يمارس ضغطا بالآلة على السيارات القديمة بهدف تغيير هذه الوسيلة التي يجلّها المجتمع إلى شيء آخر، له أشكال هندسية، تأكيدا على مسعى الحركة في تغييب المهارة اليدوية التي كانت عاملا مهمّا في الاعتراف بقيمة الفنان، وجعل الآلة واسطة في العمل الفني. وأن أرمان كان يتخيّر قطعة عادية (قطع غيار مثلا) فيجمعها مع بعضها بعضا ليخلق عملا له صلة بتلك القطعة، لأن الحركة واللون والآثار التشكيلية في رأيه هي جزء من هذه الرؤية الجديدة للقطعة.

أما جيرار ديشان فكان يقوم بتجميع الخرق وملابس النساء الداخلية (وهو ما أدّى إلى مصادرة أعماله في أكثر من مناسبة) أو عرض ألواح دروع وصفائح معدنية غيّر الحرّ ألوانها، أو كرات في علب من زجاج الوقاية أو داخل شِباك.

بينما سعى دانيال سبويرّي إلى التقاط ما يعثر عليه في فندق أو مطعم من أدوات وفضلات أكل ينزّلها داخل لوحة، ليقينه بضرورة العودة إلى الجذور، وإقامة مجتمع أقل تأثيرا على الناس من مجتمع الاستهلاك. ولئن عمد آخرون مثل تينغلي إلى تحطيم المنتجات المصنّعة، كما عمد دوفرين إلى فرض المنطق الكمّيّ والبدّي (أي عبادة الأشياء المسحورة) الذي كان يحكم المجتمع الحديث. فإن هينس وفيلّيغلي كانا يستوليان على المعلقات الإعلانية التي كانا يقلّعانها من شوارع باريس، ليحوّلا غايات رسائلها ويمنحاها بعدا جديدا.

بعض النقاد اعتبروا تلك الحركة صيغة فرنسية للبوب آرت الأميركي، خصوصا أن التيارين ظهرا في نفس الفترة وعبّرا عن القطع مع التجريد باستعمال عناصر مستمدة من الواقع، ومارسا شتى أشكال التعبير الفني، من خلال تجميع أشياء المعيش اليومي وتكديسها، أو التصرّف في المعلقات الإعلانية بالتشريط والتمزيق والتلصيق، على منوال الدادائيين ولكن بتوجهات مغايرة.

والحال أن التمرّد على المدارس القائمة لم ينحصر في فرنسا والولايات المتحدة بل شمل عدة بلدان أخرى كالسويد وإيطاليا وألمانيا، وإنْ بتسميات مختلفة مثل نيو دادا، وفن التلصيق، وجونك آرت، وفن المبتذَل، إلخ.

نقاد آخرون قارنوها بحركة التصويرية السردية التي تضمّ برنار رانسيّاك، وهنري كويكو، وجاك مونوري، وكانت تنشط في الفترة نفسها في فرنسا، وتقرّ بعلاقتها بحركة البوب آرت الأميركية، ولكن هذه الحركة كانت تسعى إلى التأريخ لليومي، مع الالتزام السياسي أحيانا، بينما سعت “الواقعية الجديدة” إلى فضح المجتمع الاستهلاكي وتعرية أثر الرأسمالية في تحولّات أنماط العيش.

لقد كانت غاية الواقعية الجديدة، أو ما عرف لاحقا بمدرسة نيس، مسقط رأس كلاين، تعليمَ الجمهور الجمال اليومي، وجعلَ المستهلك منتجا للفن، فإذا ما استبطن هذه الرؤية صار غنيّا على الدوام. أما أتباعها فكانوا يريدون تملّك العالم لمنحه للجمهور.

13