الهيمنة على البرلمان حلم الإسلاميين المتجدد في الجزائر

الأحزاب الإسلامية وظفت تراجع الأحزاب التقليدية وضعف المستقلين لصالحها.
الخميس 2021/06/10
طموح براغماتي لا حدود له

الجزائر - شكّلت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبدالمجيد تبون بشأن عدم انزعاج السلطة من فوز الإسلاميين في الانتخابات البرلمانية المقررة السبت القادم، تطمينات قوية للأحزاب الإسلامية للذهاب بعيدا في الاستحقاق المذكور وتحقيق الحلم الذي راودها منذ تسعينات القرن الماضي، بالرغم من نفوذ المؤسسة العسكرية الرافضة لهذه الأحزاب بعد التجربة المريرة التي عاشتها البلاد خلال ما عرف بفترة “العشرية السوداء”.

ووجدت الأحزاب الإسلامية التي فتحت صفحة جديدة تتراوح بين التقارب والتناغم مع السلطة الجديدة في البلاد، في تراجع الأحزاب التقليدية الموالية لنظام الرئيس السابق عبدالعزيز بوتفليقة، فرصة لتحقيق حلمها القديم والمتجدد.

عبدالعالي زواغي: الإسلاميون حافظوا على تغلغلهم في المجتمع الجزائري
عبدالعالي زواغي: الإسلاميون حافظوا على تغلغلهم في المجتمع الجزائري

ويشير عبدالعالي زواغي المختص في الشؤون السياسية والاجتماعية في حديثه لـ”العرب”، إلى “ميزة مهمة في عمل الأحزاب الإسلامية مقارنة بغيرها من التيارات الأخرى، فهي ميدانيا تمتلك قاعدة صلبة من المناضلين والمتعاطفين مع خطابها الذين واصلوا تقديم دعمها والتصويت لها في جميع الاستحقاقات السابقة، دون أن تتعرض هذه القاعدة للتصدع منذ سنوات، كما لاحظنا أيضا أن الإسلاميين حافظوا على نشاطهم وتغلغلهم في عمق المجتمع من خلال الهيئات والمنظمات التابعة لهم”.

وأضاف “ظل عملهم متواصلا دون فتور، أي أن لهم برامج واستراتيجيات طويلة المدى بغض النظر عن الظروف التي عرفتها البلاد بعد الحراك الشعبي، وقد كسبوا نقاطا إضافية بفضل تشوه سمعة الأحزاب الأخرى، خاصة تلك المعروفة إعلاميا بأحزاب الموالاة، التي زج بأغلب قيادييها ونخبها في السجن على خلفية قضايا فساد كثيرة، بعكس قادة الأحزاب الإسلامية الكبيرة ونخبها الذين حافظوا على نظافة أيديهم ووازنوا بين خطاباتهم وسلوكياتهم، وإن لجأ بعضهم خلال الحملة الانتخابية إلى الخطابات الشعبوية والشعارات الحماسية الهادفة إلى كسب التأييد والحشد”.

وبعد تجربة الجبهة الإسلامية للإنقاذ التي قادت البلاد إلى حرب أهلية طيلة عقد كامل، وانحصار الإخوان في أداء دور ثانوي خلال نظام بوتفليقة، حيث اكتفت بكتل نيابية محدودة في البرلمان، وببعض الحقائب الوزارية في أحسن الأحوال تسعى إلى تحقيق حلمها القديم، لاسيما وأن الرجل الأول في الدولة لم يجد مانعا في فوز الإسلاميين بالانتخابات النيابية. وبرّر ذلك في تصريحات متتابعة لمجلة “لوبوان” الفرنسية، و”الجزيرة” القطرية، بكون “إسلاميي الجزائر يسيرون وفق النظام السياسي للبلاد، ولا يحملون مشروعا أيديولوجيا”.

ورغم تشعّب تيار الإسلام السياسي في الجزائر إلى العديد من الفروع، إلا أن حركة مجتمع السلم “حمس” وحركة البناء الوطني، وجبهة العدالة والتنمية، تبقى تشكل الرؤوس الأساسية للتيار، وهي التي تخوض الأنفاس الأخيرة، من أجل تحقيق المفاجأة بتحقيق الأغلبية في البرلمان القادم، مما يسمح لها بتشكيل الحكومة وقيادتها.

وظلت الأحزاب المذكورة إلى جانب قوى إسلامية أخرى توصف بـ”المجهرية”، تؤدي دورا ثانويا في المشاهد السياسية السابقة في إطار توازنات محددة من طرف دوائر النظام، بشكل يسمح بإيجاد تمثيل للوعاء الإسلامي، دون ثقل يثير شبهات الأطراف الخارجية، خاصة في التطورات التي عرفها تيار الإسلام السياسي منذ تفجيرات نيويورك في سبتمبر 2001، وثورات الربيع العربي التي دفعت بقوى إسلاموية في مصر وتونس.

وهو ما كانت تبرره حركة “حمس” بـ”التلاعب والتزوير” الممارس من طرف السلطة وانحيازها للأحزاب التقليدية الموالية لها كجبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي، بينما برره عبدالله جاب الله، بـ”تأثير عوامل العشرية الدموية والتطورات الإقليمية على الوعاء الإسلامي”، ولم يغفل في تعليقه نكسة الانتخابات التشريعية السابقة بما أسماه بـ”الخطاب المتناقض والأداء الهزيل”.

Thumbnail

ورغم الدخول المشتت للإسلاميين لخوض غمار المعترك الانتخابي، إلا أن اهتزاز الساحة السياسية في البلاد منذ بداية الحراك الشعبي في فبراير 2019، خاصة مع تورط كبرى أحزاب المرحلة السابقة في ممارسات فساد سياسي ومالي، حيث يتواجد وزراء وقادة حزبي جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي (جمال ولد عباس، وأحمد أويحيى) في السجن، فضلا عن الاجتياح العشوائي للوائح المستقلة فسح المجال أمام الإسلاميين لإحياء طموحهم لتحقيق فوز غير مسبوق منذ نهاية العشرية الدموية.

واستفادت الأحزاب الإسلامية من تعاطيها الإيجابي مع مخرجات ومسارات إدارة أزمة الحراك الشعبي، بالانخراط في ما عرف بـ”المخرج الدستوري” الذي تمسكت به المؤسسة العسكرية خلال إدارتها لشؤون البلاد أثناء فترة الفراغ المؤسساتي، كما لم يثبت ضلوعها في الحرب المعلنة على الفساد، إلى جانب وعائها الشعبي الوفي وهيكلتها على المستوى الأفقي، عكس الأحزاب الأخرى التي تعيش على وقع صراعات داخلية ونزيف بشري، وحتى اللوائح المستقلة التي تفتقد للتجربة اللازمة في هذا المجال.

ويبدو أن إخوان الجزائر قد استوعبوا بطريقتهم البراغماتية درسا في التعاطي مع السلطة، فبعد قفز “حمس” من قارب السلطة العام 2011، وطلاقها آنذاك مع التحالف الحزبي المؤيد للرئيس السباق بوتفليقة، تحت تأثير موجة الربيع العربي، وطرح نفسها كبديل سياسي أسوة بما حدث في تونس ومصر بعد سقوط نظاميهما السياسي، سرعان ما عادت إلى نفس المسار ولمبدأ المشاركة، خاصة في ظل المنافسة الشرسة التي فرضتها حركة البناء الوطني بقيادة عبدالقادر بن قرينة على رفاقه في نفس التيار، وطرح حركته كبديل وكشريك للسلطة السلطة الجديدة على حساب “حمس”، وعلى حساب حتى جبهة التحرير الوطني والتجمع الوطني الديمقراطي.

ويخلص زواغي إلى أنه “يمكن القول إن الأحزاب الإسلامية هي ‘البديل الجاهز’ لملء الفراغ الذي أحدثته هزات الحراك الشعبي في البنية السياسية الجزائرية، أمام شبح عزوف المواطنين عن الانتخابات، والمؤشرات السابقة قد ترفع عاليا سقف التوقعات في تحقيقها نتائج مهمة في الانتخابات النيابية”.

6