الهجرة غير الشرعية مصدر أزمة متواصلة بين تونس وإيطاليا

روما تضع تونس على خط المواجهة مع الاتحاد الأوروبي بوقفها للمساعدات.
الخميس 2020/08/06
شعب تدرب على الهجرة والمعاناة

وضعت روما في الأيام الأخيرة تونس في موقف صعب بعدما كثفت ضغوطها على بقية الدول الأوروبية لوقف المساعدات الموجهة إلى تونس بسبب تنامي أعداد المهاجرين غير الشرعيين على السواحل الإيطالية. خطوات إيطالية تحرك على إثرها الرئيس التونسي بزيارة ولايتي صفاقس والمهدية الساحليتين اللتين تمثلان أهم مناطق تسيير قوارب الموت نحو إيطاليا، إلا أنها تحركات لن تفضّ المشكلة المستعصية بحسب المراقبين في ظل تواصل وجود نفس الأسباب التي تدفع بالشباب إلى الهجرة كالبطالة والفقر واليأس من وعود السياسيين.

تونس – تواجه تونس أزمة حقيقية مع جيرانها على الضفة الشمالية للمتوسط بسبب ارتفاع مستويات تدفق المهاجرين غير الشرعيين إلى إيطاليا، ما أدى إلى حالة من الغضب في روما دفعت بوزير الخارجية  لويجي دي مايو، إلى الإعلان عن زيارة عاجلة سيؤديها إلى تونس من أجل إبرام اتفاقية جديدة في مجال الهجرة.

وتأتي هذه الخطوة الإيطالية بعد أيام من زيارة وزيرة الداخلية لوتشانا لامورجيزي، التي نقلت خلالها إلى الرئيس قيس سعيد قلق حكومتها عن عدد عمليات هبوط المهاجرين التونسيين على الساحل الإيطالي ما زاد بشكل كبير خلال الشهرين الماضيين.

ضغوط أوروبية

مما زاد من حدة الأزمة، أن وزير الخارجية الإيطالي أعلن أن حكومته طلبت من دول أوروبية، بما في ذلك الحكومة الفرنسية، التوقف عن تقديم أي دعم مالي واقتصادي لتونس إذا ما تواصل تدفق المهاجرين، فيما قررت الداخلية الإيطالية تخصيص سفينتين لفرض التدابير الصحية المتعلقة بفايروس كورونا المستجد على من يصلون إلى بلادها، لضمان وقف احتجاجات سكان السواحل الإيطالية المنددين بدفق المهاجرين والخائفين من نقل العدوى إليهم.

وخاطب وزير الخارجية الإيطالي التونسيين من خلال سفير بلادهم في روما معز السيناوي الذي استدعاه على عجل، بالقول “أنتم لستم في حالة حرب، لن تحصلوا على تأشيرة إقامة على أراضينا” ثم قرر تجميد مبلغ 6.5 مليون يورو كانت مخصصة لتمويل خطة العمل المشترك مع تونس من أجل التقليص من تدفق المهاجرين.

كما اتصل دي مايو بوزير الخارجية والأمن بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، حيث أكد له بلغة لا تخلو من الحدة والغضب، أنه لا يمكن إغفال حقيقة الجغرافيا وهي أن السواحل الإيطالية تمثل الحدود الجنوبية أيضا للاتحاد. وانتهى الاتصال بأن أعرب الوزيران عن أملهما في تحقيق مستوى ملائم من التعاون من الجانب التونسي لمنع الهجرة غير الشرعية، وفي هذا الصدد أكد بوريل اهتمامه الشخصي بضمان معالجة القضية مع الاهتمام الواجب على الجبهة الأوروبية.

إيطاليا تجمد مبلغ 6.5 مليون يورو كانت مخصصة لتمويل خطة العمل المشترك مع تونس من أجل التقليص من تدفق المهاجرين

ودخل الوضع في الجزر الإيطالية مستوى الخطر، فقد قرع حاكم منطقة صقلية نيلو موسوميتشي، ناقوس الخطر من لامبيدوزا، مشيرا إلى أن الوضع في الجزيرة على وشك الانفجار “لامبيدوزا تنفجر مرة أخرى. كم يجب توقع المزيد من الجحافل المتسللة لإعلان حالة الطوارئ بشأن ذلك من قبل الحكومة المركزية، وهو ما طالبت به البلدية والمنطقة منذ أكثز من شهر؟”.

ومؤخرا كان هناك ما يقرب من ألف شخص في مركز الاحتجاز في الجزيرة، في حين أن المبنى لا يتسع حتى لمئة نفر، والإيطاليون مضطرون لفرض تدابير الحجر الصحي على المهاجرين خشية نقل فايروس كورونا المستجد. وتوجد راهنا أصوات تصرخ “نحن نخسر 50 آلف يورو على كل مهاجر غير شرعي، في حين أن شعبنا يتضور جوعا”.

لويجي دي مايو: تونس ليست في حرب، لن تحصلوا على تأشيرة إقامة على أراضينا
لويجي دي مايو: تونس ليست في حرب، لن تحصلوا على تأشيرة إقامة على أراضينا

وأكدت وزيرة الداخلية الإيطالية لوتشانا لامورجيزي، ووزير الخارجية لويجي دي مايو، ورئيس الوزراء جوزيبي كونتي، أنهم على اتصال بالسلطات التونسية للحد من المغادرة وتعزيز آليات العودة. وأن الرحلات الجوية المستأجرة لإعادة التونسيين الذين يصلون إلى إيطاليا إلى بلادهم والتي توقفت نتيجة الإغلاق بسبب كورونا سيتم استئنافها ابتداء من الاثنين القادم 10 أغسطس.

وقالت وزارة الداخلية الإيطالية في الوقت الحالي، تتوقع الاتفاقات السارية مع حكومة تونس طائرتين في الأسبوع، كل منها على متنها 40 شخصا.

يتحدث المراقبون في إيطاليا عن عجز حكومي على مواجهة الأزمة بالحزم اللازم في ظل جبن اليسار وانتهازية اليمين، مشيرين إلى أن عودة 80 تونسيا إلى بلادهم كل أسبوع لن يحل المشكلة مع استمرار تدفق الآلاف شهريا، بينما الحرج التونسي بلغ مداه. واعتبر الرئيس التونسي قيس سعيد أن الموجة الجديدة من الهجرة غير الشرعية التي تنطلق من بلاده نحو الضفة الشمالية للمتوسط، مؤامرة تستهدفه شخصيا، مؤكدا أن حيتان البر أشرس من حيتان البحر، وفق تقديره.

وأكد سعيد خلال زيارة أداها إلى ولايتي صفاقس والمهدية الساحليتين اللتين تمثلان أهم مراكز تسيير قوارب الموت نحو إيطاليا، أن الدولة التونسية حاضرة للتصدي للمناورات التي يتمّ ترتيبها، وهي ظاهرة لا تحتاج إلى دليل من خلال الشعارات التي رفعت من قبل من وصلوا إلى السواحل الإيطالية، مشيرا

إلى أن الصراع السياسي في البلاد“حولوه من البر إلى البحر وإلى دول أخرى”.

واطلع سعيّد بالمناسبة على غرفة العمليات حيث استمع إلى عرض حول تفاقم ظاهرة الهجرة غير النظامية خاصة خلال شهر يوليو الماضي إذ عرفت أرقاما قياسية مقارنة بالسنوات الماضية. كما تم التطرق خلال هذا العرض إلى وجود عدد من النقاط السوداء التي يصعب مراقبتها.

وأشار إلى أن تونس في حاجة للكثير من المعدات مبينا أن عدة دول عبرت عن استعدادها لتوفيرها، لكن “الأهم من توفير هذه المساعدة هو أن نتعاون على القضاء على الهجرة”، مشيرا في هذا السياق إلى خطورة ما يقوم به منظمو الرحلات البحرية خلسة والوسطاء في هذه العملية.

ولفت إلى ضرورة أن تتولى القوات الأمنية التنسيق مع القوات العسكرية لمزيد التصدي لهذه الظاهرة، كما جدد التأكيد على أن المعالجة الأمنية لهذه الظاهرة تظل غير كافية، مشددا على أن الأهم من المعالجة الأمنية هو توفير الشغل الذي يحفظ كرامة الإنسان وإحداث مشاريع تنموية وهو ما يجب أن تتكاتف فيه مجهودات مختلف البلدان بما يساهم في تغيير نظرة الشباب إلى واقعهم وبلدانهم ويمنحهم الأمل في حياة أفضل داخل أوطانهم بعيدا عن الإلقاء بأنفسهم نحو مستقبل مجهول.

غضب تونسي

قيس سعيد يقول إن الدولة حاضرة للتصدي للهجرة غير الشرعية ويحمل المسؤولية إلى الصراع السياسي الذي تحول من البر إلى البحر
قيس سعيد يقول إن الدولة حاضرة للتصدي للهجرة غير الشرعية ويحمل المسؤولية إلى الصراع السياسي الذي تحول من البر إلى البحر

كانت مشاهد فيديو قد انتشرت على نطاق واسع لمهاجرين وصلوا إلى السواحل الإيطالية، انتقدوا فيها أداء سلطات بلادهم، وخاصة الرئيس سعيد.

وفي الواقع يعد تخلي البعض من التونسيين عن الروح الوطنية في مثل هذه الظروف بات معتادا، هناك من يرجع الأمر إلى دوافع سياسية، الرئيس نفسه لمّح إلى ذلك، لكن علماء الاجتماع لهم وجهة نظر مختلفة.

ورد مهدي المبروك الذي خصص جانبا مهما من بحوثه الأكاديمية لدراسة الظاهرة، على تلميح الرئيس سعيد بالقول إن “الهجرة غير النظامية لها أسباب موضوعية وهي إذ تتواصل فإن سياقاتها ظلت ثابتة تقريبا، تحدث هذه الموجة الثانية تحديدا لأن ضغط الهجرة لا زال مرتفعا في سياق يزداد فيه الطلب على الهجرة غير الشرعية خصوصا”.

نيلو موسوميتشي: الوضع على وشك الانفجار، لامبيدوزا تنفجر مرة أخرى
نيلو موسوميتشي: الوضع على وشك الانفجار، لامبيدوزا تنفجر مرة أخرى

وأضاف المبروك أن “الأسباب الموضوعية تلك مستمرة وهي في اعتقادي تتمثل في تنامي أعداد العاطلين عن العمل ويرجح البعض أن يكون الرقم قد بلغ 800 ألف عاطل وينتظر أن يرتفع أكثر نتيجة الآثار الاقتصادية والاجتماعية السيئة لجائجة كوفيد – 19.

وأكد أن هذا “المناخ الملائم استثمره منظمون محترفون حولوا هذه المغامرة القاتلة إلى تجارة بالبشر تدر عليهم أرباحا طائلة، توقف نسب النمو وانحدارها إلى ما تحت الصفر وقد تدرك نسبة 6 في المئة سلبي، تواصل شروخ التفاوت بين الجهات، فقدان المدرسة بريقها في ظل تعطلها كمصعد اجتماعي ينتشل الشباب من مناطق الهشاشة والتهميش، وأخيرا الإحباط الذي يفترس هؤلاء الشباب وهم يرون حكام بلادهم قد حولوا الفضاء السياسي إلى حلبة لصراع ديكة هائجة”.

وكان المنتدى التونسي للحقوق الاجتماعية والاقتصادية، قد أعلن أن عدد الواصلين إلى السواحل الإيطالية من تونس في شهر يوليو 2020، بلغ 4077 مهاجرا مع إحباط 245 عملية تسلّل مع بلوغ عدد من تمّ منعهم من عبور الحدود بطريقة غير قانونية 2918 شخصا. وتتركّز عمليات الهجرة في سواحل صفاقس بنسبة 35.75 في المئة تليها المهدية بنسبة 17.6 في المئة ثم مدنين بنسبة 15.6 في المئة.

وكشف الناطق الرسمي باسم الإدارة العامة للحرس الوطني العميد حسام الدين الجبابلي أنه تم خلال شهر يوليو الفارط إحباط 241 عملية هجرة غير نظامية شارك فيها 2639 متسللا من ضمنهم أكثر من 300 من جنسيات أفريقية مختلفة.

وجاءت تحركات الرئيس التونسي قبل أيام قليلة من لقائه المنتظر مع وزير الخارجية لويجي دي مايو، الذي قال إنه سيؤدي زيارة عاجلة إلى تونس من أجل إبرام اتفاقية جديدة في مجال الهجرة، وذلك بعد أيام من زيارة وزيرة الداخلية لوتشانا لامورجيزي، التي نقلت خلالها إلى الرئيس قيس سعيد قلق حكومتها عن عدد عمليات هبوط المهاجرين التونسيين على الساحل الإيطالي، والتي زادت بشكل كبير خلال الشهرين الماضيين.

مهدي المبروك: الأسباب الموضوعية مستمرة وتتمثل في تنامي أعداد العاطلين
مهدي المبروك: الأسباب الموضوعية مستمرة وتتمثل في تنامي أعداد العاطلين

وأدى ملف الهجرة غير الشرعية إلى توتر في العلاقات بين البلدين، حيث أكد رئيس الوزراء الإيطالي جوزيبي كونتي عزمه على تكثيف عودة المهاجرين غير الشرعيين القادمين من تونس. وقال “يجب أن نكون أقوياء وغير مرنين”. وتعرف الساحة الإيطالية حاليا جدلا واسعا بسبب ارتفاع أعداد قوارب الموت المنطلقة من تونس، في ظل توقف برنامج البلدين لإعادة المهاجرين غير الشرعيين من إيطاليا إلى تونس نتيجة أزمة كورونا، ما بات يهدد استقرار حكومة جوزيبي كونتي.

وفي هذا السياق،  قال نائب رئيس مجلس الشيوخ الإيطالي السيناتور روبرتو كالديرولي، إن المهاجرين التونسيين لا يهربون من الحروب.

وأضاف أن “أكثر من 300 مهاجر تونسي رسوا على سواحل صقلية، وفي الأسابيع الماضية وصل الآلاف منهم. سؤالي مجرد فضول بسيط: ما الذي يهربون منه؟ أنا لا أفهم ذلك حقا، إلا إذا كانت الحرب قد اندلعت في تونس وأنا لا أعرف”، متابعا  أن هذا أمر غريب بالطبع، لأنني أفهم أنه في كل عام، حتى العام الماضي على الأقل، قبل القيود المفروضة بسبب كوفيد – 19، يذهب عشرات الآلاف من الإيطاليين في إجازة إلى تونس، ومنهم من يشترون منازل هناك”.

وقالت آنا ماريا بيرنيني رئيسة كتلة (فورتسا إيطاليا) بمجلس الشيوخ، إن “تدفقات الهجرة مستمرة مع وصول 314 مهاجرا إلى لامبيدوزا، وعلى متن سفينة خفر السواحل 84 تونسيا آخرين تم إنقاذهم في المياه الليبية”.

وأضافت “زيارة وزيرة الداخلية إلى تونس لم تحل أي شيء، نظرا لأن عمليات المغادرة مستمرة”، كما أن “الأغلبية في حالة من الفوضى بين من يريد إلغاء المراسيم الأمنية ومن ينوي الإبقاء عليها ممن أيدوها في الحكومة السابقة».

وتابعت بيرنيني في مذكرة تقدمت بها إلى مجلس الشيوخ الجمعة الماضي، أنه “في حين أن المزيج بين الهجرة غير الخاضعة للرقابة وكوفيد – 19 قد يصبح قنبلة اجتماعية، يتم عرض مسرحية سريالية يطلق الجميع فيها الاتهامات ولا يتحمل أحد المسؤولية عن الأحداث”، وأولا وقبل كل شيء “رئيس الوزراء الذي يبدو أنه غير مهتم تماما بمثل هذه القضية الحاسمة”.

آنا ماريا بيرنيني: زيارة وزيرة الداخلية إلى تونس لم تحل أي شيء
آنا ماريا بيرنيني: زيارة وزيرة الداخلية إلى تونس لم تحل أي شيء

وبدورها بينت عضو مجلس الشيوخ من حركة خمس نجوم مارينيلا باتشيفيكو أن “موجة الهجرة إذا كانت غير متوقعة بالنسبة للعديدين فإنها توضح بشكل أكبر، العلاقة بين الحكومات أو غيابها، حيث ليس من قبيل الصدفة أن تدفع الظروف الجوية المثالية الآلاف من التونسيين لعبور البحر”، كونها “ظروف بلد دون حكومة أو قيادة سياسية متماسكة”. في إشارة إلى الأزمة السياسية التي تعرفها تونس.

وأوضحت باتشيفيكو أن “نمو البطالة ونقص الآفاق هو ما يخلق هذا النزوح الجماعي الضخم”، مبينة أن “من بين المهاجرين، هناك مئات أو ربما آلاف ممن يعودون إلى بلادنا للمرة الثانية”، أي “أنهم عاشوا في إيطاليا سابقا ثم عادوا إلى وطنهم، وقد عبروا البحر الآن للعودة إلى بلادنا”، فـ”من الواضح أن هناك نقصا في بعض المعلومات، ربما بسبب الوضع السياسي غير المستقر في تونس”، مردفة أن “تنشيط قنوات دبلوماسية لا تزال ممتازة، قد تساعدنا على جعل وضعنا أكثر أو أقل وضوحا بالنسبة لشريحة من السكان التونسيين، الذين على ما يبدو يرغبون بالهجرة على متن القوارب”.

وأشارت إلى أن “النظر إلى ظاهرة الهجرة بعدسات إيطالية فقط، يصرف الانتباه عن ظاهرة عالمية ويجعل السياسة قاصرة على مجرد نشرة صباحية عن الوافدين”. واختتمت بالقول إن “بلادنا لا تحتاج لتدخلات استثنائية، بل إلى سياسة محددة للهجرة، ودعوة الاتحاد الأوروبي بلا تردد إلى تحمل مسؤولياته”.

ويدفع بعض الإيطاليين بقوة إلى استعمال كل الإمكانيات المتاحة لمنع المزيد من تدفق المهاجرين المنطلقين من تونس، ويعتبرون أن ما نص عليه القانون الدولي من ضرورة توفير المساعدة واللجوء لأولئك الفارين من الحروب أو الاضطهاد السياسي، لا ينطبق على تونس و12 دولة أخرى تم إدراجها في قائمة “البلدان الآمنة” العام الماضي، كما أن البلاد ليست في حالة حرب.

وهي تعيش في ظل الديمقراطية الناشئة  حيث لا يمكن الحديث عن الاضطهاد السياسي والإنساني الذي يوجب تمكين مغادريها من امتيازات عادة ما تمنح للاجئين.

6