النموذج اللبناني.. جائحة بعشرة أمثالها

المنظومة، التي فصّلت نظاما طائفيا متعدد الرؤوس وعززته بالحجر الطائفي والمذهبي كأسلوب يربط المواطن بالحزب ربطا غير ممكن الفكاك منه، هي من أتاحت لفايروس كورونا أن يغزونا ويتفشى في مدننا وقرانا.
الجمعة 2021/01/22
جائحة متعددة الوجوه والأعراض

الخطاب العنصري والطائفي ليس جديدا على قيادات التيار الوطني الحر (العوني) كما أنه ليس غريبا على رئيسه جبران باسيل. ما ضجت به وسائل التواصل الاجتماعي خلال اليومين الماضيين حول إعطاء اللقاح المضاد لكوفيد – 19 للبنانيين دون سواهم من المقيمين كان خطوة إضافية من هؤلاء في الانحطاط الأخلاقي الذي يترعون فيه.

وكان خطابهم وسلوكهم الطائفيان والعنصريان قد طالا، ليس فقط السوريين (وهم حلفاء النظام الأسدي) والفلسطينيين، وليس فقط العمال الأجانب إلى أي جنسية انتموا، بل طالا أقرانهم من اللبنانيين أيضا بحسب طوائفهم ومناطقهم وسوى ذلك.

هذا الخطاب الشعبوي المنحطّ قادهم إلى إطلاق وسم “اللقاح للبنانيين أولا” على الرغم أن اللقاح لم يصل بعد وأنه لم توضع خطة واضحة وشفافة للحصول عليه وتخزينه وتوزيعه. كما أن هذا السلوك القميء كان وراء قرار بلدية الحدث قبل مدة، منع المسلمين من السكن في البلدة. يتحالف العونيون مع نظام بشار الأسد كرمى لعيون حزب الله، ويشهرون العنصرية في وجه اللاجئين والعمال السوريين، ويتحالفون مع حزب الله ويمنعون المسلمين الشيعة من السكن بين ظهرانيهم، إيجارا وليس حتى تملكا. وبذلك يتفوقون على كافة أقرانهم في ائتلاف القوى الطائفية المسيطرة في لبنان وهذا ما جعل زعيمهم جبران باسيل دون سواه عنوانا لأهزوجة الـ”هيلا هيلا هو” التي أطلقها شبان 17 تشرين ووصلت أصداؤها إلى كافة دول العالم!

خلال عام من تفشي الوباء، لم يحاول القيّمون على الشأن الصحّي فتح مستشفيات عديدة لا تزال متوقفة عن العمل رغم الحاجة الملحة إليها، منتشرة في سائر المناطق اللبنانية،

هذه واحدة. أما الثانية والثالثة و… العاشرة فيمكن إيجازها بالتالي:

على مدى الأسابيع الماضية، كثر الحديث في لبنان عن النموذج الإيطالي وأبدى المسؤولون خشيتهم، بل ذعرهم من تكرار السيناريو الإيطالي في لبنان في ما يتعلق بجائحة كوفيد – 19 حين ضرب الوباء المدن والمناطق الشمالية في إيطاليا في موجته الأولى ربيع العام الماضي، حيث ضاقت غرف المستشفيات وممراتها وحتى باحاتها الخارجية بالمصابين بالوباء ووصلت أرقام الضحايا إلى الآلاف يوميا.

ونحن، في لبنان اليوم، في قلب الموجة الثانية من الوباء، حيث ارتفعت أعداد الإصابات اليومية بالنسبة إلى أعداد الفحوصات بشكل مرعب، وقد ضاقت المستشفيات العاملة أيضا بالمصابين وارتفع عدد الضحايا إلى أرقام مخيفة كل يوم قياسا بتعداد السكان، نخوض نموذجنا الخاص الذي لا يشبه لا السيناريو الإيطالي ولا أي سيناريو آخر. نموذجنا الخاص الذي تعززه منظومة حاكمة أثبتت بالتجربة المتكررة على مدى سني حكمها احتقارها للمواطنين ولحياتهم وتواطؤها في قتلهم في أكثر من مناسبة.

هذه المنظومة التي فصّلت نظاما طائفيا متعدد الرؤوس والتبعيات الخارجية وعززته بالحجر الطائفي والمذهبي وبالزبائنية كأسلوب يربط المواطن بالحزب أو الزعيم ربطا غير ممكن الفكاك منه، هذا النموذج هو ما أتاح لفايروس كورونا أن يغزونا وهو من فسح له المجال ليتفشى في بيئاتنا وهو من جلب الرعب للمواطنين بهذا التفشي الواسع اليوم وعدم توفر سرير لكل مصاب.

لقد تمكنت إيطاليا من تجاوز الموجة الأولى من الوباء بجهد حثيث على كافة المستويات ووضعت حكومتها إمكانيات طائلة وخاضت أجهزتها تجارب ومحاولات حثيثة وواسعة لتجنب الموجة الثانية أو ملاقاتها بأقل الخسائر، في حين لم تُصِب الموجة الأولى من الوباء في لبنان سوى بضعة آلاف ولم يتجاوز عدد ضحاياها العشرات. وخلال ما يقارب السنة لم يحاول المسؤولون سواء السياسيون أم المكلفون خاصة بالشأن الصحي تبني استراتيجية صحية ما لمواجهة الموجة الثانية من الوباء واقتصر دورهم على الاستثمار فيه سياسيا وماليا.

جائحتنا ليست في الوباء فقط، ولو اقتصرت عليه لهانت مأساتنا. جائحتنا متعددة الوجوه والأعراض، والنتائج الكارثية لم تترتب فقط على تفشي كوفيد – 19 الذي دخل البلاد في فبراير من العام الماضي لأن المسؤولين، بعضُهم طوعا وبعضُهم مسايرة للحزب المسلح، تركوا منافذ البلاد مُشرعة للقادمين من البلاد الموبوءة في إيران وإيطاليا وسواهما.

نعم، لقد فتحوا البلاد في موسم أعياد الميلاد ورأس السنة لأن المؤسسات السياحية المستفيدة إمّا تابعة لهم وإمّا لأزلامهم. نعم، وبعد أن حلّت الكارثة، أمروا بالإغلاق العام للبلاد وفتحوا حدودها لتهريب ما يمكنهم من محروقات ومواد أساسية مدعومة من أموال اللبنانيين ليتسنى لنظام الأسد وعصاباته تكديس المزيد من الثروات.

نعم، اكتظت المستشفيات وبات من العسير على مُسعفي الصليب الأحمر أن يحظوا بسرير أو أي مكان للمصابين الذين ينقلونهم.

لكن، وخلال عام من تفشي الوباء، لم يحاول القيّمون على الشأن الصحّي فتح مستشفيات عديدة لا تزال متوقفة عن العمل رغم الحاجة الملحة إليها، منتشرة في سائر المناطق اللبنانية، بعضُها كامل التجهيز وبعضُها قيد التجهيز وبعضُها الآخر بحاجة إلى تجهيز كان يمكنها أن تستوعب، لو فُتحت، مئات المصابين وتسعفهم.

لا نطالبهم أن يحذوا حذوَ الصين في بناء وتجهيز مستشفيات قادرة على استيعاب مئات المصابين، في عشرة أيام. ولكن الهِبات التي وصلت منذ أكثر من أربعة أشهر بما فيها المستشفيات الميدانية وأجهزة التنفس التي ظلت مرمية تحت أدراج المدينة الرياضية في بيروت شأنها شأن الطحين العراقي الذي تُرك هناك ليغرق في مياه الأمطار وتعبث به القوارض، هل كان يتعذر تركيبها ووضعها في خدمة المصابين؟ أم أن تضارب مصالح الثنائي حزب الله وحركة أمل ومحاولاتهما تجيير مثل هذه الخدمة الملحة لهذا الطرف أو ذاك، له الأولوية على حياة الناس؟

الخطاب الشعبوي المنحطّ قادهم إلى إطلاق وسم “اللقاح للبنانيين أولا” على الرغم أن اللقاح لم يصل بعد وأنه لم توضع خطة واضحة وشفافة للحصول عليه وتخزينه وتوزيعه

ألا يكفي أن تبقى كل هذه الإمكانيات عرضة للتلف وبعيدة عن خدمة المواطنين في عزّ الحاجة الحيوية إليها، لاعتبارات تتعلق بتنازع قوى السلطة وتضارب مصالحها في توظيفها سياسيا أو ماديا، إذ تجد في تشغيل هذه المؤسسات الحيوية فرصة لوضع اليد على المغانم في التعيينات الإدارية وفي التوظيف السياسي، لندركَ حجمَ الاحتقار الذي تكنّهُ هذه القوى المسيطرة للمواطنين وحقهم في الحياة بالمقارنة مع سعيها الحثيث لفرض مصالحها على حساب الناس؟

يقارنون النموذج اللبناني بالنموذج الإيطالي ليخدعوا الناس باعتبارهم لا يوفرون جهدا، بل وكأنهم يرهقون أنفسهم في مواجهة الجائحة، في حين يتعذر على المواطن اللبناني أن يجد في الصيدليات حبة أسبرين أو علبة بنادول! المواطن اللبناني الذي سحقوه فقرا وعوزا، وها هم يسحقونه تحت وطأة الجائحة والإغلاق وفقدان حبة الدواء وموطئ قدم في مستشفى.

وتستغربون إذا قلنا: جائحة بِعَشرةٍ من أمثالها!

8