النظام العالمي على مشارف حرب باردة جديدة

تحكّم جماعات الضغط في مراكز الفكر يغذي ميل صناع القرار الأميركي إلى عسكرة السياسات الخارجية.
الثلاثاء 2020/11/24
صراعات دولية ساخنة تلوح في حقبة ما بعد الوباء

مع اقتراب تنصيب الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن، أصبحت حقبة تنافس القوى العظمى بين الولايات المتحدة والصين أمرا مفروغا منه، ولا يعرف الكثيرون تفاصيل الحوافز المالية الكامنة وراء الكثير من الأصوات التي تطالب برد أكثر عسكرة تجاه أي تهديد محتمل. ورغم أن مؤسسات الفكر والرأي وجماعات الضغط الأجنبية ومقاولي الدفاع لا يصنعون السياسة الأميركية الخارجية، لكن أموالهم الموزعة بغزارة تشتري لهم مقاعد حاسمة على طاولة صنع السياسات.

واشنطن - يرى عالم مؤسسات الفكر والرأي في الولايات المتحدة أن الفائدة من أي حرب تكمن في النهاية، ومع أن مراكز الأبحاث تحاول تجنب المشاكل، التي سيثيرها هذا النهج في ما يتعلق بأمن الولايات المتحدة والعالم، فإن الثابت بحسب باحثين أن توصياتها تضع النظام العالمي على مشارف حرب باردة جديدة.

وسلطت كاساندرا ستيمبسون مديرة مشروع بحثي في مبادرة شفافية التأثير الأجنبي في مركز السياسة الدولية، والباحثة في نفس المكز هولي تشانغ، الضوء في تحليل نشرته مؤسسة غلوبال أجنس، تأثيرات المؤسسات البحثية في صناعة القرار الأميركي، واختارتا كنموذج دور الولايات المتحدة واليابان في مواجهة التهديدات الصينية.

وتشير الباحثتان في التحليل إلى أنه من المحتمل أن تكون الحرب الباردة الجديدة خطيرة ومكلفة في الولايات المتحدة التي ساد فيها الوباء، فقد ضعفت بنيتها التحتية، ويعاني الكثير من مواطنيها من ضائقة اقتصادية، ومع ذلك يعني صعود الصين بالنسبة إلى جماعات الضغط الأجنبية ومقاولي البنتاغون والعديد من مراكز التفكير المؤثرة زيادة أرباحها على حساب بلادهم.

وينفق مقاولو الدفاع والحكومات الأجنبية الملايين من الدولارات سنويا في تمويل مؤسسات الفكر والرأي وأحيانا سرا بطرق من شأنها أن تساعد في تشكيل أجندة السياسة الخارجية التي ستتبعها إدارة بايدن، ويكتسبون بذلك ميزة غير عادلة وخاصة في ما يتعلق بآليات الحرب المستقبلية التي يجب على هذا البلد الاستثمار فيها.

وليس من الغريب أن تكون أهم مراكز التفكير من كبار متلقي التمويلات من صانعي الأسلحة الرئيسيين المحليين، وينتج عن كل هذا نظام بيئي تلعب فيه تلك الجماعات وبعض البلدان التي ستستخدم أسلحتها أدوارا رئيسية في تمويل خلق أسباب لتلك المبيعات المستقبلية.

وتقول ستيمبسون وتشانغ إن هذا نظام مغلق يخدم شركات الأسلحة العملاقة أو مؤسسات الرأي الكبرى، كما يساعد على تسريع عسكرة منطقة المحيطيْن الهندي والهادئ.

وتجد اليابان نفسها في مواجهة مجموعة خيارات صعبة في المحيط الهادئ مع أهم تحالف عسكري لها مع الولايات المتحدة وأهم حلفائها الاقتصاديين مع الصين، وسيسمح تضاعف الوجود الأميركي في المنطقة بهدف موازنة الصين لليابان بالبقاء محايدة بينما تجني فيه فوائد من الطرفين.

وللحفاظ على توازنها على الحبل المشدود إلى جانب مقاولي الدفاع الذين سيستفيدون من زيادة عسكرة المنطقة ماليا، تنفق اليابان بشكل كبير للتأثير على التفكير في واشنطن.

وكشفت التقارير الأخيرة الصادرة عن مبادرة التأثير الخارجي التابعة لمركز السياسة الدولية كيف تشتري دول مثل اليابان وشركات الأسلحة العملاقة مثل لوكهيد مارتن وبوينغ مسارا داخليا في سوق يعمل لخلق خيارات سياسة خارجية مستقبلية لنخبة هذا البلد.

خلق مؤسسة فكرية

هولي تشانغ: مؤسسات البحث أكبر متلقّ للتمويل من صانعي الأسلحة
هولي تشانغ: مؤسسات البحث أكبر متلقّ للتمويل من صانعي الأسلحة

يرحب مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية الذي يضم برامج تركز على “تهديد الصين” و”أمن” شرق آسيا، على سبيل المثال، بمبادرته للشفافية البحرية في آسيا، التي تحصل على تمويل من حكومتي اليابان والفلبين، بالمساهمات “من جميع الحكومات في آسيا، فضلا عن دعم الشركات والمؤسسات”.

وتؤكد ستيمبسون وتشانغ أنه من غير المستغرب أن يصوّر البرنامج اليابان باعتبارها مركزية “للحفاظ على النظام الدولي الليبرالي” في مواجهة مخاطر الصين، كما يسلط الضوء على دورها كشريك أمني بحري لواشنطن في المنطقة. ومع ذلك، يبدو اعتبار حكومتها عنصرا أساسيا في عملية السلام الدولي أو الحرب اقتراحا مشكوكا في حكمته.

وهذا مثال ليس معزولا عندما يتعلق الأمر بالمصالح المالية التي تدفع واشنطن للاستثمار أكثر في ما أصبح يمثل “الأمن” في منطقة المحيط الهادئ، فقد كشف تقرير مركز السياسة الدولية عن العمليات اليابانية في الولايات المتحدة عما لا يقل عن 3.209 أنشطة ضغط في 2019 وحده.

واستهدفت العمليات العديد من جماعات الضغط التي عينتها الدولة والمسجلة بموجب قانون تسجيل الوكلاء الأجانب وكلا من الكونغرس ومراكز الأبحاث مثل مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية نيابة عن الحكومة اليابانية، وقد جنت مثل هذه المراكز أكثر من 30 مليون دولار من تلك الحكومة في العام الماضي.

وتعتبر اليابان أكبر جهة مانحة من شرق آسيا لأكثر 50 مؤسسة فكرية أميركية تأثيرا في الفترة بين 2014 و2019، وكانت نتائج هذه الاستثمارات واضحة في تقارير تلك المراكز الفكرية وسياسات الكونغرس.

ويتعدّد متلقو التمويل الياباني، ولأن هذا البلد يبقى حليفا قويا لواشنطن، يمكن لحكومته أن تكون أكثر انفتاحا بشأن أنشطتها. وأصبحت مشاريع مثل “مخاطر الصين” و”فرصة الصين للتحالف الأميركي الياباني”

لمؤسسة كارنيغي للسلام الدولي المعيار في واشنطن، رغم أنها بتمويل من وزارة الخارجية اليابانية.

ولا ينبغي التفاجؤ عند متابعة الباحثين الذين يعملون في مثل هذه المشاريع يسلطون الضوء على دور اليابان الأساسي في مواجهة “التهديد الصيني” في الدراسات المؤثرة التي ينشرونها، ونادرا ما يتم التشكيك في ذلك، بل تركّز التقارير على مخاطره والحاجة إلى مواجهته.

وتعدّ دراسة لمؤسسة كارنيغي بعنوان “تعزيز التحالف وسط انتعاش الصين العسكري”، مثالا بارزا، فهي مشبّعة بالتحذيرات بشأن قوة الصين العسكرية المتنامية بغض النظر عن إنفاق الولايات المتحدة ما يقرب من ثلاثة أضعاف ما أنفقته الصين على جيشها في 2019، وذلك حسب معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام.

ومثل العديد من المشاريع الممولة داخل واشنطن، أوصى مشروع كارنيغي بتنمية التعاون العسكري بين الولايات المتحدة واليابان كما زعم أهمية تطوير “القدرة على شن عمليات مشتركة متعددة المجالات” والتي “تتطلب تسريع أوقات الاستجابة العملياتية لتعزيز قوة النيران”.

وتلقى مشروع كارنيغي ما لا يقل عن 825 ألف دولار من اليابان ونفس المبلغ من مقاولي الدفاع ومصادر من الحكومة الأميركية على مدى السنوات الست الماضية، وآتت توصياته ثمارها عندما أعلنت إدارة ترامب عن ثاني أكبر عملية بيع للأسلحة الأميركية لليابان، بقيمة تزيد عن 23 مليار دولار.

وإذا كان للحكومة اليابانية مصلحة في تمويل مثل هذه المؤسسات البحثية للحصول على ما تريد، فإن صناعة الدفاع تفعل ذلك أيضا، فقد تلقت أفضل 50 مؤسسة فكرية أكثر من مليار دولار من الحكومة الأميركية والمتعاقدين الدفاعيين خلال السنوات الست نفسها.

وهؤلاء المقاولون وحدهم يضغطون على الكونغرس بإنفاق نحو 20 مليون دولار لكل دورة انتخابية، وعند الجمع بين تلك المبالغ والتمويل الياباني، ناهيك عن الأموال التي تنفقها الحكومات الأخرى التي ترغب في التأثير على السياسة في واشنطن، ستكون هناك مجموعة من المصالح التي تدفع الإنفاق العسكري الأميركي وبيع الأسلحة عالميا على نطاق هائل.

بناء الدفاع هو الأهم

Thumbnail

يعتبر تقرير صدر في أبريل الماضي عن مركز سكوكروفت للاستراتيجيا والأمن التابع للمجلس الأطلسي حول “مستقبل التعاون الدفاعي بين الولايات المتحدة واليابان” مثالا على كيفية تعزيز المصالح المؤيدة للعسكرة. ويبدأ التقرير، الذي أعدّ بالشراكة مع السفارة اليابانية، بفرضية مفادها أنه يجب على البلدين تسريع التنسيق والتعاون العسكري طويل الأمد.

ويحث التقرير واشنطن على اتخاذ تدابير لتحفيز اليابان على العمل مع لوكهيد مارتن في برنامج “أف – 3”، وبينما يعترف التقرير بالشراكة مع سفارة اليابان، لكنه لا يقر بتبرع لوكهيد بثلاثة أرباع مليون دولار للمجلس الأطلسي المؤثر بين 2014 و2019 وأن اليابان تفضل إنتاج معداتها العسكرية محليا.

ويواصل التقرير التوصية بـ”أف – 3” كبديل مناسب لـ”أف – 2”، “رغم التحديات السياسية، والمخاوف المتعلقة بنقل التكنولوجيا”، و”الإحباط الذي تشهده جميع الأطراف المعنية”، وتأتي هذه التوصية في وقت سعت فيه اليابان إلى تطوير صناعة دفاعها.

وبغض النظر عن ذلك الدعم، يبقى جيش اليابان حريصا على تطوير مقاتلة شبح جديدة دون مساعدة من لوكهيد مارتن أو بوينغ. وفي حين ترغب الشركتان في الاستمرار في المشاركة في المشروع العملاق، يؤيد المجلس الأطلسي على وجه التحديد لوكهيد مارتن، التي ساهمت بأكثر من ثلاثة أضعاف ما قدّمته بوينغ لتلك المؤسسة الفكرية.

ووردت مشاعر مماثلة في تقرير صدر في 2019 عن معهد هدسون حول التحالف الياباني – الأميركي، وحدد السياق الأمني الذي يجب أن يركز فيه البلدان على ردع “عدوان الصين”. وأشار إلى أن الصواريخ أميركية الصنع كانت واحدة من عدة أسلحة محتملة ستحتاجها اليابان من أجل إعداد استراتيجية “دفاعية” قوية ضد الصين.

كاساندرا ستيمبسون: نخبة مراكز الفكر تسللت إلى دوائر تشكيل سياسة أميركا
كاساندرا ستيمبسون: نخبة مراكز الفكر تسللت إلى دوائر تشكيل سياسة أميركا

وشمل أول اختبار أميركي لصاروخ أرضي منذ انسحاب واشنطن من معاهدة القوات النووية متوسطة المدى في 2019 أنظمة مارك 41 من لوكهيد وصاروخ توماهوك. وقد تلقى معهد هدسون 270 ألف دولار على الأقل من اليابان بين 2014 و2018، وحصل على مئة ألف دولار على الأقل من لوكهيد.

ونظم مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية هذا العام مجموعة عمل غير رسمية لمتخصصي الصناعة والمسؤولين الحكوميين لمناقشة تطوير المقاتلة “أف – 3”. وبينما يتصادم متعاقدو الدفاع اليابانيون والأميركيون حول الإيرادات التي ستأتي من إنتاجها، يزعم مركز الأبحاث أن ممثلي ومسؤولي الصناعة الأميركيين واليابانيين والأستراليين سيأخذون بعين الاعتبار القضايا السياسية والعسكرية والتقنية التي يثيرها هذا النقاش.

وتوفر مجموعات العمل للمراكز البحثية وصولا مذهلا إلى صانعي القرار الرئيسيين الذين غالبا ما يكونون من المستفيدين، فخلال خمس سنوات مضت، تلقى مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية قرابة 5 ملايين دولار من الحكومة الأميركية ومقاولي البنتاغون، بما في ذلك 400 ألف دولار من لوكهيد وأكثر من 200 ألف دولار من بوينغ.

وبهذه الطريقة، تسللت نخبة مراكز الفكر إلى الدوائر الداخلية لتشكيل السياسة ولا يهم ما إذا كان الحديث عن إدارة الرئيس المنتهية ولايته دونالد ترامب أو إدارة بايدن المستقبلية.

وتقول الباحثتان ستيمبسون وتشانغ إنه ربما تكون العلاقة الأكثر أهمية بين ما يبدو كقوة عظمى صاعدة ونازلة في عالم يحتاج إلى تعاونهما تتأثر بالخبراء والمسؤولين المستثمرين في صناعة عسكرة تلك العلاقة وخلق نسخة جديدة من الحرب الباردة. وبعبارة أخرى، تعيش أي إدارة في غرفة صدى تؤكد الحاجة إلى تعزيز دفاعي أكبر بقيادة أولئك الذين سيستفيدون من ذلك.

وثمة دول أخرى تحمل أجندات دفاعية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ والتي تعمل بالمثل، وكما جاء في تحليل لمؤسسة فكرية نرويجية، يعدّ “تمويل مؤسسات الفكر والرأي القوية إحدى الطرق للحصول على مثل هذا الوصول وتحدد بعض المؤسسات البحثية في واشنطن صراحة أنها لا تستطيع سوى خدمة الحكومات الأجنبية التي تموّلها”.

ما الحل

تعتقد ستيمبسون وتشانغ أن الشفافية في دوائر صنع السياسة الخارجية بواشنطن ستكون مفيدة حتى يصبح الجمهور أكثر وعيا بتضارب المصالح الذي يحكم المواقف في السياسات، ولذلك يجب أن يُطلب من جميع مؤسسات الفكر والرأي الكشف علنا عن الجهات المانحة والممولين.

كما يُفترض أن يُبلغ المجلس الأطلسي ومركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، عن مموليهما حسب مستويات التبرعات ورعاة الأحداث أو التقارير، إلى جانب أن تمارس جميع مؤسسات الفكر والرأي، بما في ذلك المنظمات البارزة مثل المعهد الأميركي لأبحاث السياسة العامة ومعهد الأرض هذا المعيار من الشفافية لإبراز تضارب المصالح المحتمل.

ودون شفافية، يساعد المتعاقدون الدفاعيون والحكومات الأجنبية الذين يتبرعون للمراكز البحثية في خلق منظور يكون فيه هذا العالم، في حاجة دائمة إلى المزيد من الأسلحة.

ويؤدي هذا إلى زيادة التوترات العسكرية على مستوى العالم، بينما يساعد في إدامة مصالح صناعة الدفاع التي تتعارض مع مصالح معظم الأميركيين، الذين يفضل الكثير منهم الحلول الدبلوماسية والسلمية والمنسقة لتحديات صعود الصين.

ولسوء الحظ، مع وضع السياسة الخارجية، يعني صعود الصين صعود الغواصات وحاملات الطائرات والسفن والطائرات المقاتلة التي تساعد المجمع الصناعي العسكري في عالم في حالة حرب متزايدة مع نفسه.

6