الميليشيات تخوض في "يوم القدس العالمي" معركة ترسيخ النفوذ الإيراني في العراق

ميليشيات مسلحة تغرق شوارع بعض المدن العراقية بصور شخصيات عسكرية إيرانية وأخرى دينية تلعب أدوارا سياسية ما تسبب في موجة سخرية واسعة لدى السكان.
السبت 2020/05/23
ثلاثة إيرانيين.. وإيراني آخر بالتجنّس

مبالغة الميليشيات العراقية الأكثر ارتباطا بإيران في الاحتفال بيوم القدس وحرصها على استحضار رموز إيرانية في احتفالاتها يكشفان حالة من القلق بدأت تنتاب معسكر الموالاة لإيران في العراق مع توقّع رموز ذلك المعسكر تراجع نفوذ طهران في البلد والمنطقة وعدم قدرتها على تقديم الدعم المعهود لوكلائها، وذلك بالتزامن مع ارتفاع نبرة الدعوة إلى فكّ الارتباط بين العراق وإيران، مع مجيء حكومة عراقية جديدة تسعى لتغيير طبيعة العلاقات التي تربط بغداد بعواصم الإقليم والعالم.

بغداد - اختار صقور معسكر الموالاة لإيران في العراق مناسبة الاحتفال بما يُعرف بيوم القدس للتعبير، ولو شكليا، عن تواصل الحضور الإيراني على الساحة العراقية، في وقت تعيش فيه طهران إحدى أصعب فتراتها منذ قيام ثورة الخميني، في ظلّ توقّعات بأن تؤثّر أزمتها الحادّة على نفوذها في بلدان الإقليم، لاسيما في العراق الذي شهد مؤخّرا مجيء حكومة جديدة يُتوقّع أن يكون الحدّ من نفوذ إيران في البلد وبناء علاقات خارجية متوازنة مع مختلف الدول ضمن أهدافها الرئيسية.

وأغرقت ميليشيات عراقية مسلحة شوارع بعض المدن العراقية بصور شخصيات عسكرية إيرانية وأخرى دينية تلعب أدوارا سياسية بالتزامن مع يوم القدس الذي أقّرته إيران قبل أكثر من أربعة عقود، ما تسبب في موجة سخرية واسعة في أوساط السكان.

وأصرت الميليشيات الموالية لإيران على إنفاق أموال طائلة لتصنيع لوحات كبيرة جدا لزعيم الثورة الإسلامية في إيران آية الله الخميني وخليفته المرشد علي خامنئي وقائد قوة القدس في الحرس الثوري الإيراني الجنرال قاسم سليماني وخليفته الجنرال إسماعيل قاآني، ونشرها في مواقع بمدينتي بغداد وديالى وسط استغراب السكان.

وكتب مدونون أن نشر هذه الصور العملاقة في زمن الجائحة حيث تخلو الشوارع مع المارة دليل على الأهداف الشكلية التي تقف خلف الخطاب الإيراني بشأن القدس والقضية الفلسطينية على وجه العموم.

ولم تتمكن أي شخصية عراقية من حجز مكان لائق إلى جانب الشخصيات الإيرانية سوى أبومهدي المهندس الذي قتله الأميركيون في بغداد مطلع العام الجاري.

وتساءل مدونون عن أسباب تضاؤل الدور العراقي في عملية “تحرير القدس” المفترضة والتي يتمّ التسويق لها وفقا للمنظور الإيراني، رغم أن طهران تريد “خوض هذه المعركة” في بغداد وليس في الجولان أو تل أبيب.

وتحتفل إيران وحلفاؤها سنويا منذ نحو أربعة عقود، بيوم القدس، إذ تنظم الاستعراضات العسكرية الشكلية وتلقى الخطب الرنانة.

لكن ظروف كورونا عطلت التجمعات وتسببت في إلغاء الاحتفالات هذا العام. ومع ذلك فوجئ سكان مناطق عديدة من بغداد وديالى، الخميس، بوجود العديد من صور شخصيات أجنبية مثبتة على رافعات إعلانات تجارية في التقاطعات الرئيسية أو معلقة على جسور كبيرة.

ومن الشائع مشاهدة صور قادة إيران الدينيين والعسكريين في العراق بوصفهم “صناع النصر” على تنظيم داعش وقادته، رغم أن عدد الضحايا الإيرانيين خلال هذه الحرب لا يذكر بتاتا قياسا بالتضحيات العراقية.

ويتمثّل جديد هذا العام في ظهور صورة زعيم الحوثيين في اليمن عبدالملك الحوثي وهو ما أثار سخرية واسعة في أوساط المتابعين.

وتملأ أخبار الحوثيين العشرات من المحطات الفضائية والوكالات والمواقع الإخبارية العراقية التي تديرها إيران عبر ما يعرف باتحاد الإذاعات الإسلامية التابع للحرس الثوري. وسخر مدونون عراقيون من نشر صور كبيرة للحوثي في شوارع ديالى حتى اختلط الأمر لدى البعض بشأن كونه زعيما قبليا عراقيا.

طريقة الاحتفال بيوم القدس لخّصت التهافت السياسي الذي سقطت فيه أحزاب وقوى عراقية في علاقتها مع إيران
طريقة الاحتفال بيوم القدس لخّصت التهافت السياسي الذي سقطت فيه أحزاب وقوى عراقية في علاقتها مع إيران

ويقول السياسي الكردي ماجد شنكالي إن “41 سنة مرت على إطلاق إيران يوم القدس العالمي.. والنتيجة أنّ إسرائيل تعيش أمانا واستقرارا وتم تدمير اليمن وسوريا وقد يلحق بهما لبنان”.

ويرى الصحافي والكاتب العراقي مصطفى سعدون أنه “من حقك أن تحب شخصية ما وتعتز بها وتعلّق صورها، لكن أين؟ في بيتك، على ملابسك، في مكتبك، وليس في الشارع، لأن الشارع مساحة عامة، وفي حال نشرت الناس صور من تُحب، فمعناها سيتحول إلى ألبوم صور يولّد صراعات لا نهاية لها”.

ويقول مراقبون إن إيران تريد فرض نفسها على العراق بالقوة ترافقا مع الخطوات الأولى للحكومة الجديدة بقيادة مصطفى الكاظمي.

وبالتزامن مع انتشار صور القيادات الدينية والعسكرية الإيرانية في شوارع المدن العراقية كان وزير المالية علي علاوي في طريقه إلى العاصمة السعودية الرياض، بصفته مبعوثا خاصا للكاظمي بهدف التداول في الشؤون الاقتصادية وسبل مواجهة تداعيات جائحة كورونا.

ووفقا لمصادر عراقية فإن خطوة رئيس الوزراء بإرسال علاوي إلى الرياض جاءت بوصفها ردا سريعا على عملية اقتحام قام بها عناصر ميليشيات موالية لإيران لمقر قناة أم.بي.سي العراق في بغداد، بعد بث المجموعة السعودية فيلما وثائقيا عن الشاعر نزار قباني يرد فيه وصف لأبومهدي المهندس بالإرهابي على خلفية صلاته المباشرة في تفجير سفارات عراقية وغربية في لبنان والخليج، خلال عقد الثمانينات.

وقال معدو الفيلم إن ظهور المهندس في سياق الأحداث يتعلق بمسؤوليته المباشرة عن قتل زوجة الشاعر السوري خلال تفجير في بيروت.

ويقول مراقبون إن الظهور الإيراني الفج في العراق مؤخرا عبر صور الخميني وخامنئي وسليماني وقاآني يكشف عن المأزق الذي تورطت فيه طهران وحوّلها إلى عدو لمعظم دول العالم.

ويقول السياسي الشيعي المستقل غالب الشابندر إن إيران راهنت “على فلسفة النفس الطويل ظنا منها أن الولايات المتّحدة مثل صدّام”. وأضاف “لست كارها للجمهورية الإسلامية كما يروّج البعض، ولكن مشكلتهم (الإيرانيين) أنّهم يريدون عبدا لا يقول إلا نعم ويبصم لهم دائما بالعشرة”.

وتابع أن الإيرانيين “لا يحبون من يحبهم بصدق بل يفضلون المنبطح حتى وإن كان يكرههم من أعماقه”.

وتلخص كلمات الشابندر وكذلك طريقة الاحتفال بيوم القدس هذا العام في العراق حالة التهافت السياسي التي سقطت فيها الأحزاب والقوى العراقية في علاقتها مع إيران التي كانت في معظم الأحيان علاقة تبعية وعبودية.

ويقول مراقبون إن حكومة الكاظمي ربما تمثل فرصة العراق الأخيرة لبناء علاقة أنداد وتكافؤ مع إيران، بديلا لعلاقة التبعية الحالية.

3