الميليشيات الشيعية في العراق تتذرع بهجمات داعش لتكرار تجربة جرف الصخر في الطارمية

منطقتان مغريتان للفصائل المسلحة بأهمية موقعيهما وثراء طبيعتهما.
الخميس 2021/07/22
ثراء الطبيعة من نعمة إلى نقمة

منطقة الطارمية شمالي العاصمة العراقية بغداد مهدّدة بأن تلقى نفس مصير منطقة جرف الصخر جنوبي المدينة، وهو احتلالها من قبل الميليشيات الشيعية بنفس ذريعة احتضان الإرهاب وتصديره إلى جوارها، بينما الدافع الحقيقي وراء ذلك هو الموقع الاستراتيجي الذي تشترك فيه المنطقتان معا.

بغداد - شرعت قوى شيعية عراقية متشدّدة طائفيا في توظيف التفجير الذي هزّ قبل أيام سوقا مكتظة في بغداد مخلّفا العشرات من الضحايا بين قتلى وجرحى لتجديد الدعاية ضدّ منطقة الطارمية الواقعة شمالي العاصمة وتسكنها غالبية سنيّة على أساس أنّها حاضنة كبيرة لتنظيم داعش ومنطلق لهجماته، وتتوجّب تبعا لذلك السيطرة عليها من قبل الميليشيات الشيعية على غرار منطقة جرف الصخر جنوبي بغداد والتي ما تزال تلك الميليشيات تحتلها إلى اليوم بعد أن هجّرت سكانها أثناء عملية استعادتها من التنظيم سنة 2014.

وأعلن أبوآلاء الولائي قائد ميليشيا كتائب سيد الشهداء جاهزية مقاتليه لـ”استعادة” الطارمية من “الإرهاب”.

وقال في منشور على تويتر “حين حملنا راية تحرير الوطن من حزام بغداد حتی الموصل، كنا ننطلق من منطلق وطني عقائدي يهدف لإعادة المدن المسلوبة لأهلها النازحين ونصرة أهلنا المغلوب على أمرهم تحت وطأة الإرهاب”.

وأضاف “بذات المنطلق نعلن أننا جاهزون لاستعادة مدينتي الطارمية والمشاهدة من براثن الإرهاب خلال يومين فقط، وليهنأ البغداديون بعدها”.

وخلّف التفجير الذي استهدف عشية عيد الأضحى سوق الوحيلات في مدينة الصدر شرقي بغداد قرابة الأربعين قتيلا بينما تجاوز عدد المصابين الستّين مصابا.

وسرعان ما امتزجت الإشاعات مع “التسريبات” غير الموثّقة بشأن مكان الإعداد للتفجير ومنطلقه، حيث قال البعض إنّ امرأة انتحارية قادمة من الطارمية هي من نفّذته بحزام ناسف، بينما تناقلت مواقع عراقية على شبكة الإنترنت ما بدا أنّه “وثيقة” استخباراتية صادرة قبيل التفجير  وتتضمّن تحذيرا للأجهزة الأمنية من مخطط إرهابي سيستهدف مناطق في بغداد باستخدام انتحاريين يجري إعدادهم وتجهيزهم في الطارمية.

وسارعت الميليشيات إلى استثمار ذلك التسريب للتحريض ضدّ الطارمية وسكانها حيث أطلقت ميليشيا عصائب أهل الحق بقيادة قيس الخزعلي حملة على حساب تويتر التابع للقناة الفضائية التي تمتلكها الميليشيا تحت عنوان “إرهاب الطارمية يفترس بغداد”، بينما نشر مدوّنون على صلة بالعصائب تدوينات تحريضية من قبيل “مناطق الشيعة في بغداد لن تنعم بالأمان في ظل وجود الطارمية بيد داعش وفي ظل وجود حكومة خائنة تجامل حواضن داعش وتقصي القادة الأمنيين الكفوئين وترفض تنظيف الطارمية من الإرهاب”، أو من قبيل “المشكلة ليست فقط ببعض قاطني الطارمية بل بالطبيعة الزراعية الساترة للأنفاق والمضافات والأوكار. بغداد لن تشفى قط من جراحها إن لم تستأصل ورمها الخبيث مثلما حصل في جرف النصر”، في إشارة إلى الاسم الجديد الذي أطلقته الميليشيات على الجرف بعد معاركها هناك ضدّ تنظيم داعش.

وتنطوي الإشارة إلى الطبيعة الزراعية على مقارنة واضحة بين الطارمية ومنطقة جرف الصخر التي جعل منها غطاؤها النباتي الكثيف وطبيعتها الثرية وأيضا موقعها الاستراتيجي كنقطة ربط بين بغداد ومحافظة الأنبار وكذلك محافظات جنوب العراق مدار أطماع الميليشيات الموالية لإيران إلى أن أتيحت لها فرصة الاستيلاء عليها بذريعة أنّها حاضنة لتنظيم داعش، حيث تحوّلت إلى مخزن كبير وآمن من ضربات الطيران للسلاح المهرّب من إيران والذي يعاد تركيب الكثير منه في ورشات مؤمّنة بشكل جيد داخل البساتين الكثيفة للجرف.

وتوفّر منطقة الطارمية نفس الإغراءات للميليشيات لجهة ثراء طبيعتها وكثافة أشجارها، فضلا عن كونها عقدة مواصلات بين العاصمة بغداد من جهة، وبينها وبين محافظة ديالى في الطريق باتّجاه إيران حيث كانت المحافظة الأخيرة خلال السنوات الأخيرة موضع تركيز استثنائي في قبل الفصائل الشيعية في إطار مخطّط إيراني لجعلها حزاما أمنيا متقدّما لإيران داخل الأراضي العراقية.

Thumbnail

وليست المرّة الأولى التي تشنّ فيها الميليشيات حملة ضدّ الطارمية وسكانها حيث توالت الدعوات لـ”تطهيرها” إثر اغتيال ضابط كبير في الجيش العراقي في صيف سنة 2020 ما جعل رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي يسارع إلى زيارة المنطقة وتوجيه تطمينات إلى أهلها.

ورغم هذا الموقف الرسمي يظل نموذج جرف الصخر بالنسبة إلى الميليشيات الشيعية تجربة “نموذجية” لا تتردّد في الدعوة إلى تكرارها في مناطق سنيّة أخرى، حيث اقترحت ميليشيا كتائب حزب العراق في وقت تطبيق نموذج الجرف “لضبط الوضع الأمني” في مناطق تقع شمالي العاصمة العراقية بغداد وما تزال تتعرّض لهجمات فلول تنظيم داعش.

واعتبر أبوعلي العسكري المسؤول الأمني للكتائب حينذاك أنّ “الوضع الأمني في الطارمية شمالي بغداد والمخيسة في محافظة ديالى لن يستقر إلا باستنساخ تجربة جرف النصر” في المنطقتين.

ويسبّب حضور الميليشيات الشيعية المنضوي أغلبها ضمن الحشد الشعبي في مناطق سنيّة توترات مستمرّة ويمنع عودة الاستقرار إلى تلك المناطق التي ما تزال تشهد أحداثا دامية ينسب أغلبها لتنظيم داعش، بينما يتّهم السكان الميليشيات ذاتها بالوقوف وراء عدد من عمليات التفجير والقتل لأسباب طائفية حينا وفي إطار صراعات بين الفصائل المسلّحة حينا آخر.

وتبنى تنظيم داعش تفجير الإثنين في مدينة الصدر وسط تساؤلات عن الطرف المستفيد حقا من خلط الأوراق في مرحلة الاستعداد لانتخابات برلمانية في العراق مقرّرة لشهر أكتوبر القادم، ويتوقّع أن لا تكون نتائجها لمصلحة القوى التي حكمت العراق منذ سنة 2003 في حال أجريت في مناخ من الشفافية وسلمت من التزوير وإغراءات المال السياسي وضغوط سلاح الميليشيات.

وجاء التفجير فيما يستقبل الرئيس الأميركي جو بايدن رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي في السادس والعشرين من يوليو الجاري في واشنطن في ظل محادثات يجريها العراق مع الولايات المتحدة بشأن قواتها الموجودة على أراضيه في نطاق التحالف الدولي ضدّ داعش والتي يضغط حلفاء إيران العراقيون من قادة أحزاب وميليشيات شيعية لإخراجها من البلاد.

3