المهاجرون العرب لا يكتبون أدبا مهاجرا

أدباء يعيشون في عواصم أجنبية ولا يكتبون إلا عن أوطانهم.
الثلاثاء 2021/03/30
وسائل الاتصال الحديثة أثرت في الأدب المهجري (لوحة للفنان علي رضا درويش)

عند الحديث عن الأدب الذي يكتبه العرب المهاجرون اليوم، يتبادر إلى الذهن أدب المهجر كما عرفناه في مطلع القرن الماضي، ذلك الذي انضوى تحت مدارس أهمها الرابطة القلمية والعصبة الأندلسية، تركّزتا في المنفى الأميركي بقطبيه الشمالي والجنوبي، فهل يصحّ هذا على الأدباء العرب المقيمين في المهاجر الغربية، الأوروبية أساسا؟ وهل ثمة ما يوحّدهم؟ وهل لأدبهم نوع من التأثير على غرار سابقيهم؟

اقترن أدب المهجر بتجارب أدباء عرب أجبرتهم ظروف الاحتلال، العثماني بخاصة، على الهجرة إلى الأميركتَيْن، الشّمالية والجنوبية، فتأثروا بالبيئة الجديدة، ونهلوا من معارفها وتجارب أدبائها، مثلما نهلوا من تراث لغتهم العربية، وظلوا يتغنّون بأوطانهم الأصلية ويحنّون إليه حنين كل مغترب إلى وطن شطّ مزاره، خاصة في ذلك الوقت.

وقد شكّل أولائك الأدباء روابط تجمعهم، أهمّها الرّابطة القلمية التي ظهرت في نيويورك وكان من مؤسسيها جبران خليل جبران وميخائيل نعيمة وإيليا أبوماضي، وهي الأسماء التي سيكون لها حضور بارز في الساحة العربية شعرا وسردا ونقدا.

بين أميركا وأوروبا

وقد أصدرت الرابطة القلمية مجلات لتطوير اللغة العربية وآدابها، كـ“الفنون” و“السّمير” و“السائح”، كانت فضاء تتلاقح فيه الأفكار الجديدة، التي لم تقطع صلاتها بموروثها الحضاري.

أما العُصبة الأندلسية التي رأت النور في ساو باولو بالبرازيل ومن مؤسسيها البارزين ميشيل نعمان معلوف وفوزي المعلوف وميشيل المغربي وشكرالله الجرّ والشاعر القروي رشيد سليم الخوري. فقد كانوا في معظمهم شعراء تأثروا بالشعر الأندلسي، وخاصة الموشحات، إضافة إلى نزعته الصوفية الزّهدية.

وأصدرت هي أيضا مجلات كـ“المراحل” التي ترأست تحريرها مريانا دعبول فاخوري، و“الكرامة” التي أشرفت عليها سلوى أطلس.

هناك انفصام يعيشه الأديب المهاجر ذو اللسان العربي، فهو يقيم في بلد أجنبي، ويتحدث عما يجري في وطنه

وقد تميز هذا الأدب بالنزعة الإنسانية والروحية والتأمل في الكون وعلاقة الإنسان بالطبيعة، إضافة إلى الحنين إلى الأوطان والتغني بالقومية العربية من جهة المضامين، مثلما تميز بتجديد الأغراض الشعرية والتحرر من الوزن والقافية والحرص على الوحدة العضوية للقصيد واللجوء إلى الرموز، تأثرا بالتجارب الغربية الرائدة، سواء في أميركا أو في أوروبا الغربية، سواء من الشعراء الناطقين بالإنجليزية وليم بليك، ووليم وودزورث، وصامويل كولرديج، ولورد بايرون، ووالت وايتمان، وإليوت… أو من الشعراء الفرنسيين أمثال بودلير، ومالارمي، ولتريامون، وفرلين، ورامبو…

ولما كانت غاية أولئك الأدباء تطوير الأدب العربي، الذي ظل قرونا متمسّكا بالقوالب القديمة، وإيقاظ العقل العربي، وشحذ همته من أجل نهضة حقيقية، فقد وجد أصداء واسعة لدى الأدباء الناشئين التائقين إلى نفس جديد، وحتى لدى المؤسسات التربوية التي سارعت بإدراج أدبهم في المقررات المدرسية، وكتب المطالعة.

ولعلّ الظّروف التي كانوا يعيشونها، حيث التواصل عسير من جهة التراسل والتنقل لبعد الشقة، هي التي جعلتهم لا ينتقدون الأوضاع في بلد الإقامة، وخاصة في أميركا حيث التمييز العنصري سائد في كل منعطف، لا تخطئه العين، فكان اهتمامهم في المقام الأول بأوطانهم وتراثهم ولغتهم وبالنواحي الفنية في المقام الثاني.

أما الذين هاجروا إلى أوروبا أو أقاموا فيها ردحا من الزمن، أو اختاروها إقامة دائمة، فقد كان موقفهم مختلفا، فلئن بدا أول الأمر تعبيرا عن انبهار بمجتمعات تفوقنا حضاريا وثقافيا، كما فعل توفيق الحكيم وطه حسين وسهيل إدريس، ثم تحول إلى صدام حضاري مع الطيب صالح، وانتهى في المرحلة الأخيرة إلى نقد لما يلاقيه العربي في المهاجر الغربية، وفضح للسياسات العنصرية التي ترفض الآخر المختلف، أو تصوير لتمزّق الإنسان العربي بين حضارتين وثقافتين، تمزّقا يؤدي في أغلب الأحيان إلى التقوقع والانكفاء، ورفض الاندماج في مجتمع يختلف معه في النظر إلى قيم كثيرة.

الحبل السري الجنوبي

Thumbnail

الطاغي اليوم، هو هذا الانفصام الذي يعيشه الأديب ذو اللسان العربي، فهو يقيم في بلد أجنبي، ويتحدث عما يجري في أوطانه، وقلّ أن يأتي على ذكر ما يواجهه في الغربة، وكأنّه لا يستطيع أن يقطع الحبل السّرّيّ نهائيا، برغم طول سنوات الإقامة. فإذا النصوص شبيهة بما يكتب في بلاد العرب قاطبة، ولولا هوية الكاتب لما عرف القارئ أنه مهاجر.

فاليمني علي المقري المقيم في فرنسا، لا يزال يركز نقده في ثيمة كبرى هي اليمن، قديما وحاضرا، منذ روايته الأولى “طعم أسود رائحة سوداء” التي يصور فيها قاع المدينة وأطرافها الغارقة في الفقر والقذارة والقسوة والظلم، إلى روايته الأخيرة “اليهودي الحالي” التي يعود فيها إلى علاقة اليمنيين بالأقلية اليهودية إبّان القرن السابع عشر من خلال قصة حب بين مسلم ويهودية.

والعراقية إنعام كجه جي مقيمة في فرنسا هي أيضا ترتدّ إلى وطنها الجريح، سواء في “الحفيدة الأميركية” التي تروي مأساة العراق من خلال مترجمة عراقية مهاجرة تعود إلى وطنها في صفوف الجيش الأميركي الغاصب، أو في “طِشّاري” التي تصور تشتت العراقيين في أنحاء الأرض، من خلال سيرة عائلة هاجر أفرادها إلى قارات مختلفة، فما عادت توحّدهم عند الموت مقبرة.

كذلك السوداني عبدالعزيز بركة ساكن المقيم في سويسرا، فهو منذ “ثلاثية البلاد الكبيرة” إلى “منفستو الديك النوبي” مرورا بـ“مسيح دارفور” لا يزال يحفر في جينيالوجيا العسف والحروب ونما تخلفه من تهجير ومجاعات في بلاد شاسعة، متعددة الأعراق والديانات، يعيش أهلها على الأساطير، ويقطر من سمائها الحكي، ويعانون الجور والقهر في أشّد مظاهره قسوة.

وقس على ذلك أمثلة عديدة، من السوري الكردي جان دوست المقيم بألمانيا، ومواطنه هيثم حسين المقيم في لندن، والعراقي محمد حياوي المقيم في هولندا، واللبنانية هدى بركات المقيمة في فرنسا، فهم جميعا يرتدّون إلى ذاكرتهم، وما تعيشه أوطانهم من حروب ومآس، تختلف من بلد إلى آخر بالدرجة لا بالنوع.

قلة قليلة، تراوح في كتاباتها بين الضّفتين، شأن التونسي الحبيب السالمي المقيم في باريس، ولو أنه يميل هو أيضا إلى تصوير العادات البالية والفهم الخاطئ للحداثة، نجد ذلك في “صورة بدوي ميت” كما نجده في “بكارة” و“نساء البساتين”. كذلك المغربي أحمد المديني المقيم في عاصمة الأنوار ولاسيما روايته الأخيرة “المخدوعون”. كذلك كاتب هذه السطور وخاصة في روايتَي “مسارب التيه” و“الرجل العاري”.

الأديب المهاجر اليوم يتوجّه إلى القارئ العربي، ويطمح إلى الجوائز العربية، لذا سجن نفسه، عن وعي أو غير وعي
الأديب المهاجر اليوم يتوجّه إلى القارئ العربي، ويطمح إلى الجوائز العربية، لذا سجن نفسه، عن وعي أو غير وعي

ولما كان الأديب المهاجر اليوم يتوجّه إلى القارئ العربي، ويطمح إلى الجوائز العربية، فقد سجن نفسه، عن وعي أو غير وعي، في المحظورات الثقافية العربية المعروفة، وقلّت بذلك جرأته على انتهاك المحظور، ولا يجترأ أحيانا، للفت انتباه القارئ الغربي أساسا، إلا على تابو الجنس، كما فعلت سلوى النعيمي.

لقد أصيب الأديب المهاجر نفسه بما أصاب زملاءه في الضفة الجنوبية، الساعين إلى الترجمة بكل جهد، ونعني تخير المواضيع التي تروق القارئ الغربي (وهي قطعا غير ما يعري المجتمع الغربي) والأساليب التي لا ترهقه، وبذلك انتفت الجدة الشكلية، وطغت على النصوص كتابات تثبّت الصورة التي يحملها الغرب عنا، من خلال تركيز الكتاب على تصوير مظاهر البؤس والتخلف في شتى أوجهه، إذ قلّ أن نعثر على بطل إيجابيّ بالمعنى النبيل للكلمة.

ومن الطبيعي أن يكون تأثيرهم غائبا، لأن نصوصهم تنتمي في معظمها إلى ما يكتب اليوم في الضفاف الجنوبية، ولا تمثل في نظرنا إلا امتدادا له.

أما الشعر، ولنا في المنافي شعراء متميزون أمثال السوري نوري الجراح والجزائري أزراج عمر، والعراقي كاظم جهاد، فهو أيضا امتداد لحركة الشعر العربي في وجهه الذي ظهرت بوادر تجديده مع حركة شعر، المتأثرة هي نفسها بتجارب الشعر الغربي، من سان جون بيرس وعزرا باوند وتي إس إليوت إلى روني شار وإيف بونفوا وفيليب جاكوتي، وإن كانت تتسم بميسم إنساني، ينطلق من واقع محليّ مأساوي، ليصوغ ملاحم تعبر عن تراجيديا الإنسان وهو يواجه واقعا يغتصب منه حريته وحتى حقه في الكلام.

والخلاصة أن هذا الأدب لا يصحّ وصفه بالمهاجر، أو المهجري، خصوصا بعد أن ألغت وسائل الاتصال الحديثة المسافات، وصار المقيم في الغرب يجاور زميله الذي لم يبرح أرضه. فهو لا يشكل وحدة متجانسة. وحتى المجلات التي ظهرت في المنافي كـ“الناقد” و“الجديد” على سبيل الذكر لا الحصر، لم تكن سوى فضاءات تحتفي بكل الأقلام العربية، أيّا ما يكن مقامها، يستوي في ذلك من يعيش في صنعاء، ومن يحيا في ستوكهولم.

15