المناجم ثروة يكبلها مناخ الاحتجاجات المطلبية في تونس

ضعف آليات الاستكشاف والتنقيب وغياب حوافز التمويل يغرقان القطاع في متاهة الركود.
الثلاثاء 2021/06/01
آفاق ضبابية لمستقبل القطاع

اعتبر خبراء اقتصاديون أن مناخ الاحتجاجات المطلبية في تونس يشكل أحد أهم أسباب عجز الحكومات المتعاقبة عن النهوض باستثمارات احتياطات ثروات المعادن المنسية في المناجم المنتشرة في البلاد، خاصة عند استدعاء تجربتي قطاعي الفوسفات والطاقة، واللتين تعكسان بوضوح تدهور حالة بيئة الأعمال.

تونس - تزايدت ضغوط الأوساط الاقتصادية التونسية على السلطات والجهات المعنية من أجل إيقاظ مكامن ثروات المعادن المنسية بسبب الإهمال المستمر لهذا القطاع الحيوي، الذي يمكن أن يدعم خزينة الدولة بعوائد كبيرة بالعملة الصعبة إذا ما تم استغلاله على النحو المطلوب.

ويرى  محللون أن مناخ الاحتجاجات المطلبية المتكررة في العديد من القطاعات قد تكون سببا جوهريا في عدم الإستفادة من قطاع المناجم على النحو الأمثل، ويقولون إن المخاوف تسيطر على المستثمرين من تعرضهم إلى صعوبات كالتي تعرض لها قطاع النفط حينما اضطرت إلى مغادرة البلاد.

ولم تفلح الحكومات المتعاقبة منذ 2011 في دفع صناعة استخراج المعادن مثل الزنك والذهب والفضة في مختلف مناطق البلاد بسبب ضعف آليات الاستكشاف والتنقيب وكذلك غياب عوامل التحفيز المالي وعدم قدرة مناخ الأعمال على جذب الاستثمارات.

وظلّ ملف الثروات الطبيعية رهين رفوف مكاتب الهياكل والوزارات المعنية، وعجزت السلطات عن دفع الاستثمار في القطاع جراء ضعف الإمكانيات، لتبقى الثروات الباطنية مهملة ومنسية، عمقتها أزمة توقف الإنتاج في حقول النفط ومناجم الفوسفات.

عماد الدرويش: تونس لا تزال تعمل بآليات قديمة ولم تساعد في تمويل الشركات
عماد الدرويش: تونس لا تزال تعمل بآليات قديمة ولم تساعد في تمويل الشركات

وحسب بيانات رسمية، تقدر طاقة إنتاج منجم المكناسي بمحافظة سيدي بوزيد (وسط) بنحو 600 ألف طن سنويا، بينما تتراوح طاقة إنتاج منجم نفطة بين 3 و4 ملايين طن سنويا.

ووفق أرقام رسمية، بلغ عجز ميزان الطاقة لتونس نحو 1.71 مليون طن مكافئ نفط خلال موفى مايو 2020 مقابل عجز بنحو 2.09 مليون طن مكافئ نفط خلال نفس الفترة من 2019، أي بارتفاع بنسبة 18 في المئة.

وانتقد خبراء في المجال تواصل إهمال الدولة للقطاع بسبب التعقيدات الإدارية والبنكية للمستثمرين في المجال، فضلا عن الاقتصار على آليات تقليدية في العمل دون تطوّر يذكر.

وأكد الخبير الدولي في الطاقة عماد الدرويش أن “قطاع المعادن قطاع تاريخي في تونس التي كانت سبّاقة في اكتشاف الرصاص والزنك والفوسفات، فضلا عن تحويل الفوسفات إلى حامض فوسفوري”.

وأضاف في تصريح لـ”العرب”، “ما لم يقع في تونس هو تطوير آليات العمل، والبلاد ظلت تشتغل بآليات قديمة، واليوم لا تتم مساعدة شركات التعدين بالقروض البنكية والمساعدات”.

وتابع “كنت قد اقترحت في وقت سابق إنشاء بورصة للتعدين وإعطاء فرص للمستثمرين وإدماج بعض المواد المعدنية في البورصة، كل الصناعات تتغير في العالم وتونس لم تواكب هذا التغيير، ولم تستدرج مستثمرين في المناجم وتشجيعهم بالقروض والتسهيلات”.

وتبدو تونس إلى حدّ الآن عاجزة عن حلّ أزمة الفوسفات ويرى فيها الدرويش رسالة سلبية إلى المستثمرين الأجانب، ولذلك فالسلطات تحتاج إلى مراجعة جذرية لاستراتيجيتها من أجل تنمية القطاع ودفع وتيرة الاستثمار في المعادن وتحريك نشاط الاكتشاف والتنقيب.

وكانت تونس تصدر نحو 80 في المئة من إنتاجها إلى أكثر من 20 سوقا، في حين تسوق الكمية المتبقية محليا، إلا أن موجات الإضرابات وتنامي المطالب الاجتماعية في السنوات الأخيرة تسببا في فقدان عدد من أسواقها الخارجية.

وتقدر مساهمة قطاع الفوسفات والمنتجات المنجمية قبل 2011 بنحو 9 في المئة من إجمالي عائدات الصادرات التونسية، حسب الإحصائيات الرسمية.

وربط مراقبون حلحلة الأزمة بضرورة توفّر حزمة من الدعائم والإمكانيات، علاوة عن ضرورة الانكباب على إيجاد حلول جذرية لأزمة ملف الفوسفات في الحوض المنجمي في محافظة قفصة جنوب غرب البلاد الذي عطّل الإنتاج وظلّ عالقا منذ سنوات.

ويؤكد الخبير الاقتصادي نادر حداد أن تونس لديها ثروات باطنية ومعادن وحقول للنفط، ولكن في مقابل ذلك هناك عوائق كبيرة، حيث أن دخول شركات التنقيب في أي استثمار يتطلّب الإمكانيات والدراسات.

وقال في تصريح لـ”العرب”، إن “الدولة الآن لا تستغل كميات الفوسفات كثروة طبيعية بالأساس وشركة فوسفات قفصة الحكومية أصبحت تكلف الدولة خسائر مادية كبيرة بسبب التوريد، بعد أن كانت تونس ثاني أكبر منتج للمادة في العالم”.

نادر حداد: تدخّل شركات التنقيب والاستكشاف يتطلب الإمكانيات والدراسات
نادر حداد: تدخّل شركات التنقيب والاستكشاف يتطلب الإمكانيات والدراسات

ورغم ترسانة التشريعات المواكبة لهذه الصناعة، لا يزال القطاع يعاني من ضعف الحوكمة وغياب السياسات القادرة على إيقاظ فرص تصنيع الخامات التعدينية وتطويرها. ويعتقد حداد أنه من الضروري وضع تشريعات جديدة.

وعلى الرغم من إسناد عدد من الرخص في السنوات الماضية في مجالات استخراج الملح والجبس والفوسفات وكربونات الكلسيوم، لا يزال القطاع ضعيفا ومنسيا دون تفعيل من الدولة العاجزة أصلا على حلّ مشكلة الفوسفات.

وتشير التقديرات إلى تراجع حجم الاستثمار في الاستكشاف والتنقيب عن المعادن من 400 مليون دولار سنة 2010 إلى87 مليون دولار سنة 2017، بسبب عدم منح التراخيص الخاصة بالاستكشاف ما بين سنتي 2014 و2016.

ويرى حداد أنه لا بدّ من استغلال المناجم وعودة وتيرة إنتاج الفوسفات والتنقيب عن المعادن، وقال “لا يعقل أن يكون الإنتاج متوقفا منذ سنوات وهذا فيه خسائر كبرى، على غرار توقف إنتاج النفط بحقل نوارة جنوب البلاد الذي كبّد الدولة خسائر بنحو 380 مليون دينار (139 مليون دولار)”.

وأشار إلى أن الدولة تمتلك الآليات القانونية لعودة الإنتاج، لكن عليها أن تواكب التطور التكنولوجي وتخرج من دائرة تعدين المنتجات بالطرق التقليدية.

وتحولت تونس التي كانت ثالث منتج لمادة الفوسفات عالميا بإنتاج فاق 8 ملايين طن في 2010، إلى مستورد لأول مرة في تاريخها، جراء تعطل الإنتاج لأسباب تشغيلية واحتجاجات مطالبة بالتشغيل.

وفي أواخر العام الماضي، وصلت إلى الميناء التجاري بمدينة قابس جنوب شرق البلاد، سفينة مُحملة بنحو 16.5 ألف طن من الفوسفات، قادمة من ميناء عنابة الجزائري.

وسبق أن تمّ غلق محطّة ضخّ البترول بالكامور بتطاوين في يوليو 2020 في حركة تصعيديّة لاحتجاجات شباب المنطقة المطالبين بحقّهم في العمل وفي التنمية.

ورفض المعتصمون إعادة تشغيل المحطّة إلاّ في حالة تنفيذ جميع بنود اتفاق الكامور، الذّي تمّ توقيعه مع حكومة يوسف الشاهد في يونيو 2017.

وأعلن عبدالوهاب عجرود الرئيس المدير العام للمجمع الكيميائي التونسي، في تصريحات سابقة، أن البلاد اتبعت خطة لتوريد 500 ألف طن على دفعات من الفوسفات، ما يعادل مخزون استهلاك شهر لوحدات التحويل التابعة للمجمع.

11