المغربية سميرة دباح تشكّل من الوشوم الأمازيغية لوحات معاصرة

الفنانة المغربية تضع وشومها على سطح القماشة لتبدو غائرة في عجينة ألوانها المتوسطية، وكأنها توثّق من خلالها لحياة مضت تود استردادها.
الأربعاء 2021/08/11
جمع بين الجمالي والنفعي

الرباط - ولجت الفنانة والنحاتة المغربية سميرة دباح، عالم النحت والتشكيل بقوّة، منذ طفولتها وبرزت موهبتها في الرسم بعد متابعة وتشجيع من والدتها، حيث تنقر على أوتار الفن بألوان طيفية تشكيلية صارخة أشبه بالجمرات، وتسكب أنفاسها في لوحات فنية نحتية تشكيلية في غاية الروعة، وتلد تأوهاتها إبداعا، وتسجل نبراتها ونبضاتها فعل مشهد نحتي ساحر، وترتّل بعضا ممّا تنحت وترسم وتشكل، وتغني إبداعاتها الفنية في عالم متناغم.

 وتعتبر دباح، الرسم باليد هوايتها التي تمارسها بشغف وحب، لأن طموحها كبير في عالم التشكيل وهذا ما تسعى إليه لتحقيق هدفها في المساهمة بنشر الجمال في بلدها من خلال فن “تصميم السطح”. وعنه تقول “أنا فنانة ومصمّمة الأسطح أو بما يعرف بالإنجليزية بـ’مصمم الأسطح’، والذي يمكن تفسيره أنه أي عمل فني من تصميم فنان يتم تطبيقه على سطح ما لتحسين مظهره المرئي”.

والفنانة المغربية تعمل بنوع من التجلي والتواصل مع مكونات اللوحة أو المنتج، حيث تبيّن معالم الرسم قبل كشفه، وتحكم ضوابط الألوان قبل إحكام توزيعها، كما أن اللون في أعمالها يظل مستحوذا على الذائقة البصرية، ويعطي المُشاهد لأعمالها إحساسا دائما لما تمثله عناصر اللوحة ورموزها الإبداعية، فهي فنانة تحتكر الإضافة والتجديد في الفن المعاصر، فمن خلال أعمالها تضيء مساحة من التشكيل والنحت المغربي الحديث، بعمق الحياة وتاريخها العميق.

سميرة دباح: حوّلت شغفي بالرسم إلى تصاميم فريدة وخالدة، حيث أن أعمالي هي تفسير لكل

وتظهر في لوحات دباح عناصر الوشم الأمازيغي، فكما ترسم الواشمة الوشوم على أجساد نساء القرية أو القبيلة أو العائلة في بلدان شمال أفريقيا، تضع الفنانة المغربية وشومها على سطح القماشة لتبدو غائرة في عجينة ألوانها المتوسطية، وكأنها توثّق من خلالها لحياة مضت تود استردادها عبر لوحاتها الجدارية التي باتت زينة البيت في ظل اختفاء أو تلاشي الوشوم شيئا فشيئا من وجوه بنات هذا العصر.

وتاريخيا، قامت المرأة الأمازيغية (البربرية) بوشم وجهها وأقدامها وذراعيها وأجزاء الجسم الأخرى من أجل الجمال والصحة والحماية، ومع تغيّر الديناميكيات والتقاليد الثقافية المغربية مع تطوّر إيقاع الحياة وتأثيرات العولمة، بدأ هذا التقليد القديم يختفي بسرعة.

إلاّ أن دباح تُعيد تشكيلها من جديد وبشكل معاصر على آثارها الفنية، ممّا يجعل رموز الوشم القديمة بمربعاتها السحرية وأشكالها الهندسية المخصوصة مثل مثلثات، حلزون، صلبان، ثمانية نجوم مدببة، دوائر، ماس، تتّخذ أبعادا حداثية يمكن من خلالها تزويق الفضاءات الداخلية ويكسبها بعدا جماليا يمزج التراث بالمعاصرة.

وهذا الطابع البدائي في الرسم ينعكس تلقائيا أيضا في منحوتات الفنانة المغربية التي تجعل من الطين مادتها الأولى والأخيرة، دون تزيين أو إضافات لونية، لتأتي في شكلها الخام الأولي استمرارا لقناعات دباح المحتفية بالجمال في بساطته.

ففي إحدى مجسماتها الطينية، تغدو المنحوتة منفردة في جلستها القانعة بالانتظار، ربما هو انتظار التحاق الوجوه الموزّعة وراءها والمعلّقة على الجدران بها، كي يتشاركا وحدتهما ويتسامرا معا حتى بالنظر إلى بعضهما البعض دون الحاجة إلى كلام، فللطين صلواته وصوته الشعريّ الأثير.

الصورة

فكما أن الشعر فن زماني والنحت فن مكاني، تشكّل دباح في تلاقيهما حضور الزمان في المكان، فيتحرّر الشعر من زمانه ليصبح مكانيا ويتحرّر النحت من مكانه ليغدو زمانيا، ومن ثمة يمتزجان وينصهران في فن واحد أّسّست له الفنانة المغربية دون أن تدري، أو ربما وهي تدري أن في الصمت كلاما وفي الكلام صمتا، وما بينهما من طين حياة جديدة مديدة باذخة التفكير والتبصّر.

وتقول دباح “بعد دراستي وعملي في إدارة الأعمال قرّرت أن أحقّق حلمي، الذي كان قريبا من قلبي، وهو أن أصبح فنانة وأعيش من فني، وقد جاء شغفي بالفن منذ الطفولة، ولهذا السبب أخذت دروسا مختصة في باريس، ودورات تدريبية عن بعد من أكاديميين وأساتذة مختصين في عالم الفنون الجميلة”.

وتردف “حوّلت شغفي بالفن إلى تصاميم فريدة وخالدة، حيث أن عملي هو تفسير لكل ما أنا عليه، وأكثر ما أتواصل معه في الحياة، وخاصة الجانب العاطفي”، موضحة أنها لا تقتصر على أسلوب أو مفهوم واحد فقط، بل تحب اللعب  بالأشكال والظلال لإنشاء مزيج فريد، سواء للأفضل أو للأسوأ، فقد كانت مسيرتها المهنية تدور حول متابعة ما يثير اهتمامها، فالفنانة دباح، لم يكن لديها الكثير من الخطط أو الاستراتيجيات بخلاف إتباع قلبها والقيام بما يبدو جيدا بالنسبة لها وتعديل مسار عملها.

وتعمل دباح حاليا على إنشاء لوحات ومنحوتات تبيعها على صفحتها الخاصة على إنستغرام، وهي لوحات تشمل العديد من التنويعات الفنية على غرار اللوحات الجدارية والورق الجداري والبلاط والسجاد.

16