المغاربة يحتفلون بانتهاء الحجر الصحي

سباحة وسمر وجلسات طويلة في المقاهي والمطاعم بعد ثلاثة أشهر من الحجر بسبب الوباء.
الثلاثاء 2020/06/30
متنفس الجميع في عز الصيف

عادت الحياة إلى المدن المغربية وأقبل المغاربة على الخروج من المنازل إلى الشوارع والمقاهي والساحات العامة مستمتعين بالأجواء الصيفية، لكن في المقابل مازالت الحركة في المحلات التجارية بطيئة ومازالت المدن السياحية بلا سياح نظرا لتأخر عودة المقيمين بالخارج.

الرباط - دبت الحياة في المدن المغربية، بعدما عادت المحلات التجارية والفضاءات العامة إلى نشاطها، وانطلق المغاربة يستمتعون بكل رشفة في المقاهي وبكل وجبة في المطاعم، يسبحون في البحر والنهر مع الأصدقاء ويتذوقون كل لحظة من الألفة في الهواء الطلق.

في العاصمة الرباط، احتفل الناس بانتهاء أكثر من ثلاثة أشهر من الحجر الصحي بسبب فايروس كورونا، فالتقوا بالأصدقاء وخططوا لقضاء أيام على الشاطئ وزاروا أقاربهم.

ترك الوباء ندوبه على الاقتصاد المغربي وعلى المغاربة، لكن ذلك سيستغرق وقتا طويلا للشفاء.

يقول محمد تيغيري، النادل في مقهى “بيست كوفي” في وسط المدينة، وهو يضع قناعه على ذقنه “فايروس كورونا هو أقل ما يقلقني. إذا لم يكن مديري قادرا على دفع فواتيره، فلن أتمكن من دفع فواتيري”.

توقف تيغيري مؤقتا لمشاهدة بائعي الزهور مقابل المقهى، وكانت أصواتهم أعلى من المعتاد، وهم ينادون على المارة للشراء من متاجرهم.

وفي أحد الشوارع، جلس حكيم تازي على شرفة صغيرة في مقهى “مزارين” الذي بني على الطراز الباريسي، وعُلقت به لافتات للتوعية من فايروس كورونا على كل نافذة زجاجية وجدار.

يستقبل تازي زبائنه بابتسامة ممسكا مطهرا في يديه، ويرش الكحول على الطاولات والمقاعد وهو يودعهم.

يقول تازي “لا يمكنك أبدا توخي الحذر بما يكفي. من خلال حماية نفسي، أحمي زبائني تلقائيا”.

وفي صالون لتصفيف الشعر مخفي في شوارع البلدة القديمة التي تشبه المتاهة، يقوم الحلاق ربيع سرحان بتصفيف شعر صديق طفولته ويكشف عن الانفصال العاطفي والاكتئاب الذي عانى منه أثناء الإغلاق.

رغم عودة الحياة إلى المدن المغربية من الواضح أن أغلبها يفتقد غياب سياحها وزوارها وحياتها الليلية المتميزة
رغم عودة الحياة إلى المدن المغربية من الواضح أن أغلبها يفتقد غياب سياحها وزوارها وحياتها الليلية المتميزة

يقول سرحان “أحيانا كنت أشعر أنني غير محبوب ووحيد في العالم. كانت لدي أفكار مظلمة أخذتني إلى أماكن سيئة حقا”.

صديقه يوسف العشيري يواسيه ويذكره بقيمته. وقال العشيري “أنا هنا من أجلك وأنت هنا من أجلي”.

يعمل الصديقان كمعالجين لبعضهما البعض في مدينة تكون فيها رعاية الصحة العقلية ميسورة التكلفة فقط للطبقة المتوسطة العليا.

وفي حي قصبة الوداية بالرباط، تمسك فاطمة غلاف بيد صديقها ويتبادلان العناق بينما يستمتعان بإطلالة بانورامية على الشاطئ.

تقول فاطمة ضاحكة “قضينا ثلاثة أشهر من الحذر والخوف من فايروس كورونا، ولكن حان الوقت لنمرح مرة أخرى”.

وفي مدينة سلا المجاورة، تجمع المراهقون والأطفال للاسترخاء على ضفاف نهر أبي رقراق.

ومع عدم وجود أي إبعاد اجتماعي أو إشراف من الوالدين، قاموا بالغطس في الماء البارد، ولفّوا ذراعيهم حول أكتاف بعضهم البعض وغنوا احتفالا بحريتهم المستعادة حديثا.

وبالنسبة إلى أيوب فارس البالغ من العمر 7 سنوات، تعني الحرية التدحرج على سفح تلة من المساحات الخضراء مرارا وتكرارا، قال بخجل وهو مستلق تحت أشعة الشمس مع عائلته “أنا سعيد جدا”.

وتخشى والدته نجاة عبدالعاطي أن يتأثر طفلها الوحيد بالوحدة والعزلة عن الأطفال الآخرين،  تقول “أحيانا يصرخ من دون سبب، ثم يبدأ في شد شعره. لا أعرف كيف أساعده على التكيف عندما لا أعرف كيف أضبط نفسي”.

واستعاد سكان مدينة طنجة، في جو زادته بهاء زرقة السماء والأجواء الصيفية، ابتسامتهم المعهودة التي تبدو على محياهم بالرغم من ارتداء الأقنعة الواقية، وهي متعة طال انتظارها بالنظر إلى قيود الحجر الصحي التي أبعدتهم عن الساحل لمدة تزيد عن ثلاثة شهور.

وعبر رضوان، في تصريح لوكالة المغرب العربي للأنباء، عن ارتياحه الكبير لتمكنه أخيرا من التنزه رفقة ابنه في كورنيش طنجة بعد شهور عديدة من الحجر الصحي، مؤكدا استمراره في اتخاذ الاحتياطات طالما أن الفايروس مازال يشكل خطرا على صحة الجميع. وانطلاقا من شارع محمد السادس مرورا بسوق المعكازين وساحة الأمم المتحدة، بدأت الساحات والفضاءات العمومية التي كانت مقفرة لعدة شهور، تستعيد بريقها وحيويتها المعهودة.

وفي طنجة جوهرة الشمال، اتجه البعض صوب صالونات الحلاقة والمراكز التجارية الكبرى. ولم يفوت العديد من سكان المدينة ممن اعتادوا المشي على طول الشاطئ وقت غروب الشمس، الفرصة للاستمتاع بالجو الاحتفالي الذي عم جميع ساحات المدينة.

وعاد سكان مدينة العيون حاضرة الجنوب المغربي يملأون المقاهي والمطاعم لارتشاف القهوة والشاي الصحراوي وأكل الطاجين.

عقارب الساعة القارة في الثامنة والنصف صباحا، لم تمنع عبدالإله من الاختلاء بقهوته (نيسبريسو تخصيصا) في المقهى الذي يعرفه كراحة يده بشارع محمد السادس، عادة أوقفها الحجر.

وقال المحاسب الأربعيني في حديث لوكالة المغرب العربي للأنباء “أصطبح. أرتشف قهوتي. هما رغبتاي اليوميتان اللتان حيل بيني وبينهما لثلاثة أشهر بسبب فايروس كورونا”.

وأكد زميله جلال وكأس الشاي بيده أنه لن يخلف هذا الموعد لأي سبب من الأسباب، مضيفا متأبطا صحيفته “أنا سعيد للغاية لأجدد الوصل مع البعض من عاداتي لقبل الحجر واستعادة نزر من حياتي الطبيعية”.

وإذا ما كانت الطرق والمقاهي قد استعادت نصيبا من مرتاديها وزنائنها في الدار البيضاء، فإنه على مستوى المتاجر يمكن ملاحظة بعض التردد والتوجس، ومع ذلك فالأمل كبير في استعادة الإيقاع السابق عن الجائحة بأسرع وقت ممكن.

ورغم حالة التوجس تلك، فقد فتح تجار العاصمة الاقتصادية للمملكة محلاتهم، آملين في إنجاح هذه العودة التي طالما انتظروها، عازمين بكل مسؤولية على احترام كل شروط النظافة والسلامة الصحية.

ويقول حسن أحد أصحاب محلات بيع الملابس الجاهزة بدرب عمر “سعدنا باستئناف نشاطنا التجاري، والذي لا يمكن إلا أن يكون مفيدا بالنسبة إلينا بعد توقف دام أزيد من ثلاثة أشهر”.

ورغم الخسائر الثقيلة التي ترتبت عن فترة التوقف هذه، خاصة التراجع الكبير للمداخيل، إضافة إلى النفقات الثابتة التي لم يتم سدادها بعد، فإن هذا الرجل الأربعيني لم يستسلم في مواجهته لهذه الأزمة الخانقة، بل بالعكس، عيناه تشعان أملا وتفاؤلا وتصميما على رفع التحدي والنهوض مجددا، دون هدر للوقت، عازما على بلوغ أهدافه بمساعدة من أقربائه.

وبالرغم من عودة الحياة، فإنه من الواضح أن المدن المغربية تفتقد غياب سياحها وزوارها وحياتها الليلية المتميزة، وهو الوضع الذي ينتظر أن يتغير مع تحسن الوضع الصحي والرفع التدريجي لباقي قيود الحجر الصحي. ويمتلئ حي قصبة بالرباط عادة بالسياح والمغاربة الذين يعيشون في أوروبا ويعودون إلى بلادهم للقيام بزيارات صيفية. والآن، يجلس التجار ويتحدثون مع بعضهم البعض، دون أن يزورهم أي زبون.

قال بريك آيت قدور، الذي يصنع ويبيع الأحذية الجلدية التقليدية منذ أكثر من 40 عاما، إنه طالما بقيت الحدود مغلقة، “فكل ما يمكننا القيام به هو الجلوس أمام متاجرنا وتنظيف الغبار”.

20