المصريون يكظمون غيظهم على ارتفاع أسعار الخبز والنقل

متابعون يرون أنه على الحكومة الاقتناع بأنها خسرت قاعدة شعبية كبيرة كانت تقف في مواجهة خصومها السياسيين.
الخميس 2020/08/20
معاناة مستمرة في رحلة البحث عن رغيف الخبز

أثار الصمت الشعبي على القرارات الأخيرة للحكومة المصرية برفع أسعار تذاكر النقل وتخفيض وزن رغيف الخبز المدعوم، تكهنات مختلفة خصوصا مع كتم المصريين غيظهم ولم ترافق تلك القرارات التي تمس صميم حياتهم أي احتجاجات أو تظاهرات كما حدث مع ثورة الخبز قبل عقود.

القاهرة – عكس استقبال المصريين الهادئ لتحريك أسعار تذاكر مترو الأنفاق وخفض الدعم الموجه لرغيف الخبز الشعبي أخيرا، حالة من اليأس لدى شريحة كبيرة في المجتمع، من إمكانية أن يكون غضبهم المعلن من إجراءات الحكومة كفيلا بتغيير سياسة اللجوء إلى جيوب المواطنين لإنقاذ الاقتصاد.

وبلغت نسبة الزيادة في أسعار تذاكر المترو قرابة 60 في المئة، في حين قررت وزارة التموين خفض وزن رغيف الخبز الذي يتحصل عليه نحو 70 مليون مواطن، من 110 غرامات إلى 90 غراما، وهو القرار الذي لم تجرؤ أي حكومة سابقة على اتخاذه، لأنه منذ عهد الرئيس الراحل أنور السادات وتتعامل أنظمة الحكم مع الاقتراب من رغيف الخبز، على أنه مقدمة لانتفاضة شعبية، كما جرى في يناير 1977.

ولم يسجل على المصريين أن تعاملوا مع زيادة أسعار سلع وخدمات أساسية بهذا الصمت، ودون تذمر، إذ كان الموقف مختلفا هذه المرة، وبدت الشريحة التي طالما وجهت سهام غضبها ضد سياسات الحكومة، كأنها رفعت الراية البيضاء، ما يوحي بأن اليأس من التغيير ينمو بشكل متسارع.

محمد سامي: شريحة كبيرة في المجتمع لا تريد تكرار تداعيات ثورة يناير
محمد سامي: شريحة كبيرة في المجتمع لا تريد تكرار تداعيات ثورة يناير

وتستمد الحكومة الثقة من قناعتها باستحالة خروج الناس إلى الشارع، فهم بلا قائد شعبي أو سياسي أو حزبي، لأن المجال العام شبه مغلق، والمعارضة لم تعد لها أنياب تساعدها على الوقوف في وجه الحكومة، لذلك بدت الأخيرة مطمئنة إلى أقصى درجة وهي تفصح عن القرار، وتدعو الناس إلى الالتزام الحرفي.

ويمكن ملاحظة ذلك في سيطرة الهدوء على الشارع اليومين الماضيين، فلم تتحرك أجهزة الأمن لتنتشر على استحياء في محيط محطات المترو، كما كان الأمر معتادا بالتزامن مع كل قرار يرتبط بزيادة أسعار التذاكر، أو تخرج الحكومة لدعوة الناس إلى الصبر والتحمل، واكتفى الجميع بالصمت.

وانعكست تداعيات القرار على الحالة المزاجية للبسطاء، إذ تكسو الوجوه حالة من اليأس والإحباط، لا تفرق بين الشباب وكبار السن، فالجميع يكتم غضبه، لكن مجرد النبش معهم داخل وسائل المواصلات العامة عن قرار الحكومة، تأتي ردود الفعل عنيفة.

ويقول الشاب محمد عيسى، وهو يقف في طابور شراء التذاكر، “من حق الحكومة أن تفعل في الشعب أكثر من ذلك، لأننا سمحنا لها بذلك”، ورد عليه جابر عيد في الأربعينات من عمره “ماذا تنتظر من شعب وقف ليتفرج على ثورة (يقصد ثورة يناير 2011) فشلت في تحقيق مطالبها البسيطة بالعيش والحرية والعدالة”.

وأضاف عيد الذي يعمل إداريا بإحدى المدارس، لـ“العرب”، “إن معظم المصريين أصبحوا على قناعة بخسارة المواجهة مع الحكومة مهما ضاعفت من معاناتهم، فهذا سيصنف على أنه خائن، وذاك قد يخسر مستقبله، وثالث يزج به في السجن بتهمة تنفيذ أجندة جماعة إرهابية”.

ويرى متابعون أن نصف المصريين يعيشون تحت خط الفقر، وهؤلاء أقصى طموحاتهم أن يمر يومهم بسلام، بعدما اكتشفوا استحالة أن تتأثر الحكومة بردة أفعالهم، ما جعلها تتحرك بثقة دون خوف من وصول الغضب حد الانفجار، لكن أصبح عليها الاقتناع بأنها خسرت قاعدة شعبية كبيرة كانت تقف في مواجهة خصومها السياسيين.

واعتادت الحكومة أن تعول على التزام المواطنين الصمت تمسكا بالاستقرار والخوف من تحول بلادهم إلى دولة تعج بالصراعات، لتمرير قراراتها المرتبطة بتحريك أسعار السلع والخدمات الأساسية في هدوء تام، حتى بدت الكتلة الحرجة التي كانت ترفض هذه التصرفات عاجزة عن التلويح بالغضب.

سامية الساعاتي: تكرار تحريك الأسعار ولّد عند المصريين حالة من بلادة الشعور
سامية الساعاتي: تكرار تحريك الأسعار ولّد عند المصريين حالة من بلادة الشعور

واعتبرت خبيرة علم الاجتماع سامية الساعاتي أن “تكرار تحريك الأسعار ولّد عند المصريين حالة من بلادة الشعور، فهذا لم يعد مفاجئا بالنسبة لهم، بعكس أول مرة لجأت فيها الحكومة إلى هذا القرار، ومع الوقت بدأ الناس يتقبلون الموقف بعد أن أصبحت الزيادات عادة موسمية”.

وقالت الساعاتي لـ“العرب”، “إن انشغال شريحة كبيرة من المصريين بالبحث عن مخرج للظروف الاقتصادية الصعبة، جعلهم منهمكين في البدائل وترتيب الأولويات أكثر من الاهتمام بممارسة النشاط السياسي، ولو من باب مناقشة قرارات تحريك الأسعار للتخفيف عن أنفسهم، فالجميع يشعرون بأن هناك أمورا حياتية أهم”.

ويبدو أن الحكومة المصرية لا تقدر التداعيات المحتملة عندما تتعامل مع الصمت على تحريك الأسعار، على أنه قبول بالخطوة من وازع وطني، ولا تدرك أن هذا الشعور يخفي وراءه حالة من الغضب المكتوم، لاستسهال الضغط على البسطاء وتحميلهم فاتورة الإصلاحات الاقتصادية دون البحث عن حلول مبتكرة.

وانتقلت عدوى الصمت إلى شخصيات سياسية محسوبة على المعارضة، اعتادت التعاطي مع غضب الشارع، كما اختفت الوجوه التي كانت تظهر في مثل هذه المناسبات لتبرر تحريك الأسعار وقرب جني الثمار، أيّ أن المؤيدين والمعارضين لم يظهروا على الساحة، جراء الاستسلام الذي غطى على المشهد.

وفسر رئيس حزب الكرامة محمد سامي صمت المعارضة بأن “الناس أنفسهم أصبحوا يستقبلون قرارات زيادة الأسعار بهدوء، وبالتالي لا توجد مبررات لدى السياسيين المعارضين للحكومة للدخول في معارك كلامية معها”.

وما زالت تخشى دوائر سياسية من أن يستمر تعامل السلطة مع استسلام المصريين للغلاء على أنه “صك على بياض” للتمادي في إصدار قرارات مماثلة، لأن اللعب على هذا الوتر قد يتسبب في تأجيج الوضع دون مقدمات، عندما لا يجد البسطاء ما يخسرونه أو يبكون عليه، وحينها قد تجد الحكومة نفسها في مواجهة غير محسوبة العواقب.

2