المصريون يستفتون السلفيين ليسمعوا ما يريدون

الجهات الرسمية للفتوى تدفع فاتورة تدخلها في الأمور الخاصة بحياة الناس حتى أصبحوا يبحثون عن رأي الدين في تعاملاتهم اليومية عبر مواقع إسلامية تصدر فتاوى عشوائية.
الأربعاء 2020/08/26
ارتفاع مستوى التشدد نتيجة حتمية

يتجنّب أغلب المصريين اللجوء إلى دار الإفتاء للحصول على رأي الشرع بشأن قضية معينة، وهو الأمر الذي يعود أساسا لفقدان الثقة في المؤسسة الرسمية وظهور جهات موازية معروفة بآرائها المتشددة، ينظر إليها كجهة أكثر مصداقية مقارنة بدار الإفتاء التي تأتمر بأوامر السلطة حسب رأيهم.

أحدثت نتيجة الاستطلاع الذي أجرته دار الإفتاء المصرية عبر حسابها الرسمي على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك، قبل أيام، صدمة للمؤسسة الدينية، بعدما أظهرت  تراجع ثقة الجمهور في الفتوى الرسمية، مقابل زيادة اللجوء إلى المواقع الإلكترونية، والتي تسيطر عليها جماعات إسلامية غالبيتها متشددة.

واختار 70 في المئة من المشاركين في الاستطلاع الحصول على الفتوى بعيدا عن دار الإفتاء، مقابل 30 في المئة يتمسكون باللجوء إليها، ما يعني أن الفتاوى الرسمية لم تعد ذات تأثير أو مصداقية في توجهات الناس، كما كان معتادا من قبل، وبالتالي فقدت القدسية التي كانت تستمدها من رمزية المؤسسة الدينية.

ورصدت “العرب” تعليقات بعض من شاركوا في الاستطلاع للاقتراب من مبررات الذين اعتادوا الذهاب إلى الفتاوى الإلكترونية العشوائية. فهناك فئة من هؤلاء تنظر إلى المؤسسة الدينية كجزء من الحكومة وخدمة توجهاتها، فيما تتعامل معها فئة أخرى ككيان ديني يتماهى مع التحرر والتحضر والتمدن لإرضاء السلطة.

تقود بعض الآراء إلى أن الأزمة لم تعد في جمود فكر جهات الفتوى، بل إنها عندما تتحرّر نسبيا من التراث وتصدر فتاوى عقلانية، تصطدم بتطرف فكر شريحة ليست بالقليلة داخل المجتمع، ما يعني أن معضلة التطرف متشعبة بين جهة الفتوى، والفئة التي تتلقاها، وكلتاهما لديها مشكلة معقدة.

ثمة معضلة أخرى مرتبطة بنظرة البعض لدار الإفتاء على أنها جزء من الحكومة، ويتنامى هذا الشعور كلما أصر بعض قادتها على الإدلاء بآراء دينية مرتبطة بالشأن السياسي، ويكفي ما جرى خلال الأيام الماضية بتأكيد وزارة الأوقاف ودار الإفتاء، على أن المشاركة في انتخابات مجلس الشيوخ واجب شرعي.

أحدثت الفتوى جدلا اجتماعيا وسياسيا، ورأى البعض أن الجهتين تم دفعهما من دوائر رسمية لحث الناس على المشاركة في الانتخابات، باعتبار أن الدين عامل أساسي في توجهات وقرارات الأغلبية السكانية، وتعرضت المؤسستان في حينه لهجوم ضارٍ لخلطهما بين الدين والسياسة لتبييض صورة الحكومة.

فتاوى موجهة

ما يلفت الانتباه، تلك السلبية التي تعاملت بها دار الإفتاء، وهي ترى مصداقيتها تتهاوى في الشارع وتتعامل مع الأمر ببساطة واستخفاف
ما يلفت الانتباه، تلك السلبية التي تعاملت بها دار الإفتاء، وهي ترى مصداقيتها تتهاوى في الشارع وتتعامل مع الأمر ببساطة واستخفاف

قال عماد السيد، وهو معلم بإحدى المدارس الحكومية بالقاهرة، إنه اتخذ قرارا منذ فترة طويلة بعدم التعامل مع أيّ رأي ديني صادر عن المؤسسة الدينية كشيء مقدس، لشعوره بأن هناك فتاوى موجهة لإقناع الناس بأشياء محددة غير التي نشأ وتربى عليها داخل أسرته، ويحاول جاهدا أن يزرعها في عقول أبنائه.

وأضاف لـ”العرب”، أن أغلب قاطني المناطق الريفية والشعبية يحصلون على الرأي الديني من الشيوخ، وغالبا ما تأتي آراؤهم مناهضة لكلام علماء المؤسسة الدينية.

ولفت إلى أن اتجاه 70 في المئة إلى المواقع الإلكترونية بحثا عن الفتوى هو نتيجة طبيعية لتركيز جهات الإفتاء على قضايا سطحية التي لا تهم شريحة كبيرة في المجتمع.

يقود ذلك إلى أن نسبة كبيرة من الذين قرروا مقاطعة الفتوى الرسمية ما زالوا يتمسكون بالتعاليم الدينية التي ورثوها عن آبائهم وأجدادهم ولا يقبلون بغيرها، وهو ما تلعب عليه التيارات المتطرفة في محاولة لاستمرار هذه الفئة عند قناعاتها، فالحجاب فريضة، والديمقراطية كفر، وفوائد البنوك حرام، وزواج القاصر حلال، والاختلاط بين الجنسين معصية.

فاتورة باهظة

رغم تغيّر الرأي الديني الرسمي حول هذه القضايا، إلا أن الأغلبية غير مقتنعة وترفض تليين مواقفها أمام استمرار الفتاوى الشاذة والمتطرفة حول ذات الموضوعات، وطالما أن النسبة الأكبر من الناس تراجعت ثقتها في المؤسسة الدينية، فمنسوب التشدد المجتمعي مرشح للزيادة بما يعيق خطط الحكومة لمحاصرته.

يعتقد مراقبون، أن الجهات الرسمية للفتوى تدفع فاتورة تدخلها في كل الأمور الخاصة بحياة الناس، حتى أصبحوا يبحثون عن رأي الدين في جميع تعاملاتهم اليومية، وإن لم يجدوا مرادهم بشكل يتناسب مع ظروفهم، فإنهم يذهبون لمواقع التطرف للحصول على مباركة دينية من نصوص التراث.

وإذا كان بعض من يتعاملون مع المواقع الإلكترونية على أنها البديل الأكثر مصداقية يشككون في توجهاتها وأحيانا لا يقتنعون بها، لكنهم يتصفحونها كنوع من الفضول، فقد ينتهي بهم الأمر إلى الاقتناع بأن هناك من يدعمون هذا التوجه على أرض الواقع.

وقال علي جمعة مفتي مصر السابق، إن 5500 فتوى تم ترصدها على شبكة الإنترنت تحدد إطار العلاقة بين المسلمين والأقباط، حوالي 70 في المئة منها تحرّم التقارب بين الطرفين، مقابل 20 في المئة تعتبر أن ذلك مكروه، في حين سمحت قرابة 10 في المئة فقط بالتراحم بين المسلم والمسيحي.

أزمة جهات الفتوى أن مواقفها عبارة عن ردة فعل ضد أصحاب الفكر المنحرف ولا تسبقهم بخطوات قبل أن يلجأ الناس إليهم، كما أنها تقليدية لأقصى درجة

وبحكم أن السلفيين في مصر، ما زالوا يصدرون فتاوى تكفّر الأقباط، وتحرّم تعامل المسلمين معهم، فأغلب من يتصفحون منتديات ومواقع المتشددين على شبكة الإنترنت ولو كانوا غير مقتنعين بالفتاوى المرتبطة بهذه القضية، فتوجهاتهم تتغير إلى الاقتناع بدعم من التجنيد الفكري الذي يمارسه السلفيون بشكل معلن دون محاسبة.

وأكد سامح عيد، الباحث في شؤون الإسلام السياسي، أن التساهل مع الدعاة المتطرفين على منصات التواصل الاجتماعي، وتجاهل إقرار تشريع يقضي بإغلاق المواقع الإسلامية المتشددة داخل البلاد، دفع الأغلبية الرافضة لتسييس الخطاب الديني إلى البحث عن بدائل تتناسب مع أفكارهم، فوقعوا فريسة لشيوخ التكفير والتمييز والعنصرية.

وأشار لـ”العرب”، إلى أن التماهي السياسي لقادة المؤسسة الدينية مع الحكومة أعطى الفرصة للإخوان والسلفيين لتشويه صورة الفتوى الرسمية والتشكيك في نواياها وتوقيت إصدارها، ولأن هناك نسبة كبيرة من الناس قليلي الوعي وتحكمهم العاطفة الدينية، فإنها انزلقت مع تحريض المتطرفين ضد الأئمة المنوط بهم إصدار الفتاوى.

الخطورة، أن المواقع الإسلامية التي صارت بديلا عن الفتوى الرسمية، تعج بالآراء الدينية في كل التخصصات بشكل يغري الناس على الذهاب إليها للفتوى في أي موضوع، بحيث لا يحتاجون إلى جهات أخرى، وتنشر الفتاوى مدعومة بأدلة وبراهين تثبت حجتها وبعضها يستند لآراء علماء دين كانوا في الماضي قيادات أزهرية.

فإذا أصدر مجمّع البحوث الإسلامية فتوى تقول، إن فوائد البنوك حرام، بشكل يتناقض مع قناعات البعض، تسارع المنصات الإلكترونية للتشكيك في الأزهر بنشر فتوى للشيخ جاد الحق علي جاد الحق مفتى مصر الأسبق، تحلل الأمر نفسه، حتى تظهر المؤسسة الدينية أمام الشارع كأنها مجبرة على تحليل المحرمات.

استفت قلبك

المؤسسة الدينية في مصر تعوّل على إصدار البرلمان قانون الفتوى العامة ليعيد إليها رمزيتها وقدسيتها
المؤسسة الدينية في مصر تعوّل على إصدار البرلمان قانون الفتوى العامة ليعيد إليها رمزيتها وقدسيتها

يرى متابعون، أنه يصعب فصل تراجع الثقة في الفتاوى الرسمية، عن التخبط الواضح بين المؤسسات الدينية حول بعض الأمور والقضايا المصيرية، فقد نرى الأزهر يصدر فتوى تحرّم فعلا بعينه، في حين يحلله علماء ينتمون لدار الإفتاء أو أئمة يتبعون وزارة الأوقاف، ما يدفع الناس للذهاب إلى مواقع المتشددين للحصول على رأي قاطع.

يضاف إلى ذلك، أن هناك قضايا حيوية ما زالت غير محسومة من جانب المؤسسات الرسمية، وتتحفظ على إصدار رأي نهائي حوله، وإذا تطرقت لبعضها تحت ضغوط مجتمعية، تترك الباب مفتوحا للجدل والاجتهاد بشأنها بذريعة اختلاف ظروف الناس ونمط حياتهم، وأن ما يصلح لهذا، لا يصلح لذاك، على طريقة “استفت قلبك”.

يفرض هذا الواقع وجود جهة واحدة للإفتاء لوقف التخبط والصراع على النفوذ بين المؤسسات الدينية، مع حتمية إعادة النظر في الفتاوى المنسوبة لقادة الأزهر والإفتاء في الماضي، لأن أغلبها قريب من وجهة نظر المتطرفين في بعض المسائل الحياتية، والكثير منها ما زال المرجعية الوحيدة لمن كانوا يتعاملون بقدسية مع الفتوى الرسمية.

وأوضح أحمد كامل بحيري، الباحث والمتخصص في شؤون التيارات الدينية لـ”العرب”، أن الموقع الرسمي لدار الإفتاء المصرية، ما زال يحتوي على فتاوى قديمة تحرم تهنئة الأقباط بأعيادهم، والبعض يتعامل معها كمستند رسمي لضرب مصداقية المؤسسة، والتأكيد على أنها تُفتي بآراء تتناقض مع قناعاتها خشية الصدام مع الحكومة.

أزمة جهات الفتوى أن مواقفها عبارة عن ردة فعل ضد أصحاب الفكر المنحرف ولا تسبقهم بخطوات قبل أن يلجأ الناس إليهم، كما أنها تقليدية لأقصى درجة ولا تملك استراتيجية تضمن نجاحها في احتواء كل الفئات بمختلف توجهاتهم وانتماءاتهم، بحيث يقنع كلامها الجميع وليس لشريحة اعتادت التعامل مع رأيها على أنه مقدس.

تماهي قادة المؤسسة الدينية مع الحكومة، أعطى الفرصة للإخوان والسلفيين لتشويه صورة الفتوى الرسمية

انعكست هذه السلبية على صورة رجل الدين التقليدي في الشارع، واهتزت بشكل ملموس ولم يعد كثيرون يشعرون بالراحة تجاه آرائه، وأصبح منتهكا معنويا، وزادت معاناته بنجاح الإخوان والسلفيين في إقناع متدينين بالفطرة بأنه “جزء من الدولة”، ومن الواجب التشكيك في نواياه والبحث عن خلفيات آرائه ومدى ارتباطها بالحكومة.

وحسب أحمد زايد، الخبير في شؤون الجماعات المتطرفة، فإن ما يلفت الانتباه، تلك السلبية التي تعاملت معها دار الإفتاء، وهي ترى مصداقيتها تتهاوى في الشارع وتتعامل مع الأمر ببساطة واستخفاف، في حين أن بديلها يحمل أفكارا تكفيرية تصعب السيطرة عليها، دون أن تقوم بالبحث وراء أسباب النظرة السلبية وتجاوزها.

وكشف زايد في تصريح لـ”العرب”، أن المؤسسة الدينية في مصر تعوّل على إصدار البرلمان قانون الفتوى العامة ليعيد إليها رمزيتها وقدسيتها، لكنه سيكون والعدم سواء، وسوف يستمر سحب البساط من تحت أقدامها طالما تتعامل بسلبية مع أصحاب الآراء المتشددة من أبناء الأزهر نفسه الذين يطعنون في توجهاته ويقنعون الناس بأنه لم يعد مستقلا حتى يحسم رأيا دينيا ويحرضون الناس على اللجوء إلى مواقع التطرف.

13