المشاهدة الممتعة تنقصها القصة الكاملة

عملية المشاهدة صارت أحوج ما تكون إلى المشاهد اليقظ الذي لا يكتفي بالمشاهدة بل بالمشاركة وحس التأويل.
الأحد 2021/09/19
الوطأة الغريزية للزمان والمكان تشكيل شعوري تعيش الشخصية في دوامته

لا شيء يبعد الإنسان عن سماع الحكايات ومشاهدتها، وهو الكائن الحكّاء، المنتج والصانع والمستهلك للحكايات في آن معا.

وهو الراوي والمروي له الذي أسس منظومة من المرويات التي تواترت عبر السنين حتى استقرت على الشاشات فصارت ميدانا مدهشا للمرويات والحكايات.

خلال ذلك بقي الفيلم وسيطا مطالبا أن يمتع مشاهديه بما هو مروي وبنسيج من الحكايات المدهشة، ومهما بلغ بالاتجاهات التجريبية والطليعية من إنجازات بقي هنالك ظل يلاحق المشاهد ويسأله أين هي الحكاية المكتملة المدهشة؟

تحولت خلال ذلك مسيرة السينمائيين المتفاعلين مع الحداثة وما بعدها إلى أنماط واتجاهات سردية وأساليب سينمائية صارت تشتغل على الأثر والتأثير في المشاهد وفي رمزية الصورة وفي الاستعارات والإيحاء والانطباع أكثر من الإفصاح والشرح والتوضيح، وبذلك غابت الحكاية والمروي في شكلها التقليدي الذي قوامه الأركان الثلاثة: البداية والوسط والنهاية.

الثالوث المركزي الذي حافظ عليه كتاب السيناريو هو بالنتيجة نوع من المحافظة على متن الحكاية والمروي وبنائهما التقليدي، وصار التمرد عليهما يقودنا إلى اجتهادات لا حصر لها تجسد إحساس المشاهد باللاجدوى وبخراب الأماكن وفسادها وبطغيان تيار اللاوعي والغوص في تجليات الذات الإنسانية.

من هنا صار مقبولا ذلك التمرد على الشكل من خلال أفلام الخيال العلمي والأفلام التجريبية، إذ يتم بناء السرد في أزمنة وأماكن غير أرضية في بعض الأحيان، وتخرج عن سياقات الإنسان وما اعتاد عليه في حياته اليومية.

الفيلم بقي وسيطا مطالبا أن يمتع مشاهديه بما هو مروي وبنسيج من الحكايات المدهشة، ومهما بلغ بالاتجاهات التجريبية والطليعية من إنجازات بقي هنالك ظل يلاحق المشاهد ويسأله أين هي الحكاية المكتملة المدهشة؟

وبالطبع بمكننا أن نأتي بالعديد من النماذج والأمثلة التي ينقلب فيها الزمن بشكل جذري وتتداخل الأماكن وتحتشد الذاكرة بتشويش غريب تتصدع فيه الحكاية والقصة الكاملة في موازة إدهاش بصري وجماليات في الأداء وفي الشكل وفي بناء المكان وفي أفعال الشخصيات، لكن المتن الحكائي التقليدي والقصة الكاملة والمتكاملة في عناصرها الأساسية تم التلاعب بها.

في فيلم القضاء والقدر وفيلم الحلقي وشيفرة المصدر كأمثلة يمكننا تلمس تلك الوطأة الغريزية للزمان والمكان الذي خرج من طوق البناء التقليدي للحكاية، وصار مجرد تشكيل حسي وشعوري ولاشعوري تعيش الشخصية في دوامته.

ولأن كل ذلك المروي ما هو إلا خزين في الذاكرة يجري تجميعه تباعا وصولا إلى اكتمال القصة، فإن التلاعب بالوعي وبالشعور واللاشعور سوف يقودنا بالنتيجة إلى شعور متناثر يصعب من خلاله تلمس ذلك التماسك المعهود والمعتاد في المروي والحكائي، وهو مدخل قائم على فكرة اكتشاف أزمنة وأماكن وشخصيات واختبار تجارب ومواقف شعورية وحلمية وافتراضية، وكلها تجتمع لكي تهشم القصة الكاملة الممتعة التقليدية إلى شكل سردي - سمعي - بصري ذي بناء جمالي وحسي متقن.

كان رولان بارت يتوقف عند وحدة وهامش الصورة لوحدها في النسق الفوتوغرافي في مقابل اللقطة السينمائية، وهو كان يستجلي أمرين، ما بعد مشاهدة الصورة وما بعد الخروج من قاعة العرض، وفي كلتا الحالتين كان هنالك سؤال يتعلق بما خلفته عملية المشاهدة من تكامل في التأثير من جهة وفي المروي والحكائي من جهة أخرى، وما بينهما هنالك مشاهد اعتاد على شكل سردي ونمط في المشاهدة لا يكتمل إلا بالقصة الكاملة المتوازنة ذات الهيكل التقليدي المتوازن الذي اعتاد عليه كتاب الدراما ثم كتاب السيناريو من بعدهم.

من هنا صارت عملية المشاهدة في زمننا هذا تحمل معها إشكاليات متعددة، فالجمهور المسترخي المهتم بالإثارة والحركة بقي في إطار تلك المنظومة السردية التقليدية، لكنه خلال ذلك كان يتلقى إشارات تتعلق بما هو ما بعد الصورة أو ما هو خلفها مما تتحمله من تأويل، وبذلك صارت عملية المشاهدة أحوج ما تكون إلى المشاهد اليقظ الذي لا يكتفي بالمشاهدة بل بالمشاركة وحس التأويل الذي يتنامى بالتدريج حتى يصبح مكملا لعملية المشاهدة في حد ذاتها.

15