المستقبل تحول من مجهول ساحر إلى رؤى مخيفة

الإنسان المعاصر محشور بين التقدم العلمي والفكر الفلسفي.
الأحد 2020/10/18
التقدّم التقني يشبه الأوهام

ما يشهده العالم اليوم من تقدم علمي وتكنولوجي كبير ساهم في ترسيخ سيطرة الإنسان على العالم وفي تحقيق خطوات عملاقة في تطوير حياة الإنسان ورؤاه وواقعه، لكن نتساءل دائما عن عواقب الهوس بالتقدم العلمي، وهل هو فعلا طريق إلى السعادة أو إلى جعل حياة البشر أفضل. نتساءل كذلك إن كان الإنسان فعلا قد سيطر على الطبيعة وعمّا يعانيه الإنسان المعاصر اليوم من اكتئاب وتفكك أخلاقي والأهم من ضبابية وخوف في رؤاه للمستقبل.

يتواصل حضور فكرة التقدم في الخطاب السياسي، وتأخذ في غياب التقدم الفعلي معنى النموّ والتنمية والتحديث، غير أنها كيقين بتحسن شامل، ليس مادّيّا فحسب بل ثقافيا وحضاريا أيضا، لم يبق منها سوى أشكال تكاد تنحصر في المجالين التكنولوجي والاقتصادي، أو في أشكال أخرى مفرطة في الهذيان، مثل “ما بعد الأنسنة” تلك الحركة التي تستند إلى عِلمويّة scientisme عميت عن تبصرّ العواقب الوخيمة لعلوم تقنية ارتضَت التواطؤ مع مقتضيات الإنتاجوية الرأسمالية، لتحمل استيهامات نرجسية بالعظمة والخلود.

لقد بنيت فلسفة التقدم على فكرة مفادها أن الأفضل آتٍ لا ريب فيه، إن لم يكن لنا فسوف يكون حتما لأبنائنا. ومن ثَمّ كان الاعتماد على التنمية التقنية والصناعية بشكل مطّرد حسب زمن موجَّه ومتواصل. وساد الظّنّ بأن الإنسان يقدر، انطلاقا من هذا التصور، أن يعمّم فوائد التقدّم على السياسة والأخلاق، فكانت النتيجة أنّه نداوم الترقّب والانتظار، وأن فكرة التقدم في الواقع تمنح شحوب الحاضر نوعا من المنشّطات وقدرا من الطاقة.

القلق من المستقبل

إن الفكرة القائلة بأن المستقبل سيكون رهين المبادرات البشرية تشهد تراجعا، إذ يكفي أن يحضر المستقبل ويغدو حاضرا كي يزول بريقه.

صحيح أن الحاضر لا يشبه الماضي، لأن النقص يسكنه، وهذا النقص يجعل الإنسان يتطلع بشغف مرة أخرى إلى مستقبل يتهيّبه، بسبب عواقب أفعاله التي يعجز عن حصرها وتبيّنها بوضوح، بعد أن صار عاجزا أمام قوّته نفسه، لأن سيطرته على الأشياء والعالم يشوبها الإسراف وعدم الاكتمال في الوقت ذاته، فهي كافية كي يعي أنه يصنع التاريخ، ولكنها لا تكفي كي يعرف أي تاريخ يصنع. ولذلك فهو يهاب هذا المستقبل بينما هو بصدد بنائه، ولكن بطريقة عشوائية.

الهوس بالتقدّم بأي ثمن لا يمكن أن ينسينا أن فكرة التقدّم غامضة، وأن زوال السحر عنها مجرد وهم

وليست هذه آراء مسقطة أو واهمة لا صلة لها بالواقع، بل هي تستند إلى عوامل موضوعية، وقف على حقيقتها أغلب المحللين في العالم، كغياب الدلائل الثابتة، ونهاية اليقينيات، وموت الأيديولوجيات، وأزمة الروابط الاجتماعية، واستبداد التقنية وهيمنة العولمة… كل ذلك ساهم في خلق القلق الذي يعّكر مزاج الإنسان، ويعطّل آماله، ويلبّد حاضره بغيوم كثيفة.

ويزداد المناخ ضبابية وتعقيدا بتسارع الزمن، فلئن كانت المسافة الزمنية التي تفصل بين اكتشاف النار واختراع الأسلحة النارية تقدّر بخمسمئة ألف عام، فإن المرور من السلاح الناري إلى السلاح النووي لم يستغرق سوى ستة قرون.

ثم استفحل الأمر اليوم فصار الجديد لا يدوم أكثر من سنة أو سنتين، سواء في مجال السيارات أو الحواسيب أو الهواتف الجوّالة، إذ عادة ما تعرض المصانع ما تسميه “جيلا جديدا” من منتوجاتها هي في الغالب بضائع محوّرة أو مطوّرة أو حديثة لا تختلف كثيرا عن سابقاتها إلا من حيث بعض الجزئيات الطفيفة، ما يفسر خضوعها لنوع من الانتشاء المزمن، يجعل العالم منفلتا عن أي شكل من التوقف أو الاستراحة.

منجنيق زمني

في رأي إتيان كلاين، المتخصص في فلسفة العلوم، إن منطلقات توقّع القادم تبدو معطّلة أو تكاد، في وقت نكتشف فيه أن تأثير التقنية سوف يتواصل آمادا طويلة، ويرسلنا إلى مستقبل هو من البعد ما يجعل الإنسانية تتفاجأ بتصوره لأول مرة في تاريخها.

ويكفي أن ننظر إلى مثال الإشعاع النووي، الذي تمّ اكتشافه منذ قرن، فهو يقيم الدليل على أن المادة ليست قارة، وأن الذرة ليست دائما ثابتة لا تقبل تغييرا ولا شَطرا، وأن كل نواة ذرية خلقت نتيجة أحداث متتالية، وأن بعض النوى تتحول تلقائيا بشكل لا رجعة فيه، بعد آماد مختلفة.

هل تتدخل التكنولوجيا لخلق إنسان سايبورغ أشبه بالروبوت
هل تتدخل التكنولوجيا لخلق إنسان سايبورغ أشبه بالروبوت

هذا الإشعاع النووي، يقول كلاين، أرغم علماء الفيزياء على إدماج الزمنية في حقل مشاغلهم، فكانت النتيجة ما نراه اليوم، حيث صار الكون مسارا ينظمه تتابع الظواهر الإشعاعية، ووجدت تلك الظواهر العرضية والمنفلتة وغير القارة مكانها في فيزياء كانت حتى تلك اللحظة متّسمة بالديمومة.

لم تعد زمنية المادة وحدها محل تساؤل، بل خلودها النسبي أيضا. والسبب النفايات النووية التي قد تُدفن في أعماق الأرض لمدة مئات آلاف من السنين، فالزمنية الجديدة، التي جاءت بالإشعاع النووي، تمطّطت بشكل فظيع، حاملة معها عدة أسئلة فرعية لا تخص نهاية العالم بل وجهه البعيد: كيف سيعيش الإنسان ويتطور خلال تلك المرحلة؟ هل من المعقول أنه يكون مماثلا لإنسان هذا العصر؟ هل تتدخل التكنولوجيا لخلق إنسان سايبورغ أشبه بالروبوت؟ أي أن الإشعاع النووي كان مثل منجنيق زمني، إن دلّ اكتشافُه على عدم الثبات، فإن استعماله دفع الإنسان إلى التساؤل عن آماده البعيدة.

التكنولوجيا تزاحم الطبيعة

لم يعد الإنسان واثقا من السيطرة على العواقب البعيدة لأعماله، بل صار واثقا من أنه لا يسيطر عليها كلّها. ولقائل أن يقول إنّ ذلك قدر الإنسان منذ وجوده على البسيطة، لا يسيطر إلا على ما بين يديه، ولا يمكن أن يطلق سيطرته على المدى الزمني البعيد، والجواب أنّه كان يعتمد على الطبيعة، التي كانت غالبا ما تقوم بتعديل ما يفسده الإنسان، وإعادة تنظيم الفوضى التي يتسبب فيها، للمحافظة على المستقبل، فقد كانت الطبيعة كالمؤتمن على حكمة باطنية، يسعى الإنسان لتكييف أعماله، وحتى نمط تفكيره في وجه من الوجوه، على ضوئها.

بيد أن التكنولوجيا انتهت إلى مزاحمة قدرة الطبيعة على التعديل، وحسبنا أن نذكر أثر الاحتباس الحراري، وتناقص كمية الأزون السّكاكيّ (السّكاك هو الهواء بين السّماء والأرض في الجزء الأعلى من الغلاف الجوي) بسبب التفاعلات الكيميائية الناجمة عن المواد التي ينشرها الإنسان في الجوّ.

الإنسان لم يعد واثقا من السيطرة على العواقب البعيدة لأعماله، بل صار واثقا أنه لا يسيطر عليها

هذا المعطى الجديد عن عواقب “الفعل التكنولوجي”، مضافا إلى تمطط “آماد التفكير” غيّرا النظرة التي نحملها عن الطبيعة، حيث صار يُنظر إليها كوعاء هشّ يتلقى الآثار التي تُحدثها الأفعال والأفكار وتحافظ عليها، ما جعل الأرض فضاء ناقلا، متصلا بما ستكون عليه غدا وبعده، أي أن الإنسان لم يعد بوسعه القول إنه يصنع الهنا والآن فقط.

يقول إتيان كلاين “ما نستشعره عن المستقبل صار له تأثير علينا، ولكننا لا نعرف كيف نعدّل سلوكياتنا على الضغط الجديد للمستقبل، لأن فكرة الواقع نفسها في أزمة”.

كذلك العلم، الذي كان حتى نهاية القرن التاسع عشر مناهضا للظلامية والرجعية والاستبداد، مساندا لتقدّم الإنسان، حتى أن بعض المفكرين صنفوه مع قوى اليسار، التائقة إلى تحقيق العدالة والمساواة والكرامة لكل فئات المجتمع، فقد بشّر هو أيضا بالعقلانية والتقدّم، ولكن وصفه بالتقدمي والديمقراطي لم يكن دائما صحيحا، خاصة في القرن العشرين.

انحرف العلم بأهله مرارا في أماكن كثيرة من العالم كألمانيا زمن الحكم النازي، والاتحاد السوفييتي في عهد ستالين، وحتى في الولايات المتحدة حاليّا حيث يجدّ علماء الوراثة في البحث عن جينات الذكاء والمثلية والشيزوفرانيا لعزلها واستعمالها في ما قد يصلح لاحقا لخلق نماذج محدّدة من البشر، لها مواصفات يتمّ إعدادها في المخابر.

فما وجه التقدّم في محاولة الربط بين أمشاج صبغية وسلوكيات معينة، وما هي المعرفة التي يسعى إليها الباحثون لتحقيق رسالة العلم النبيلة؟

ثُمّ من الذي يقرر ما هو العلم، وما الذي ينبغي تقريره؟ يتساءل فرنسوا ليوتار. إن في هذا مواصلة فكرة تقوم على التفكيك، بما في ذلك الاعتبارات الحديثة أو الإنسانية التي ترى المعرفة حقيقة من خلال خصالها التقنية، أو خيرا أو عدلا عبر خصالها الإيثيقية، أو جمالا استنادا إلى ميزتها الإستيتيقية.  فالعلم يرتكز على عقيدة هي قيمة الحقيقة، ولكن إرادة الحقيقة بأي ثمن، قد تكون حقيقة يخفيها الموت.

الهوس بالتقدم

مراحل التطور التكنولوجي
مراحل التطور التكنولوجي

لقد روّج رجال الاقتصاد والتكنولوجيا بأن نمط المعرفة الذي تنتجه ذاتٌ عقلانية موضوعية هو العلم، لأنه قادر على تقديم حقائق كونية عن العالم، وأن هذه المعرفة التي ينتجها العلم هي الحقيقة، والعقل هو الحكم النهائي للحق، أي كلّ ما هو عادل وخيّر. وتتمثل الحرية في إطاعة القوانين التي تمتثل لعلوم اكتشفها العقل. وفي اعتقادهم أن عالَمًا يحكمه العقل تكون فيه الحقيقة هي نفسها دائما، مثل الخير والعدل والجمال، وأن العلم يبقى نموذجا لكل أشكال المعرفة المفيدة اجتماعيا، فالعلم في اعتقادهم محايد وموضوعي.

إن الهوس بالتقدّم بأي ثمن، ولو على حساب البشر والطبيعة، مرّة باسم حبّ المعرفة ولذّة الاكتشاف، ومرّة باسم تقديم خدمات جليلة للإنسانية، لا يمكن أن ينسينا أن فكرة التقدّم غامضة، وأن زوال السحر عنها لن يكون سوى ثمن أوهام التقدّم نفسه. فلئن كانت مزاياه كثيرة، فإن الكوارث التي تسبب فيها تفوقها بكثير.

يقول نيتشه “غريزتنا المعرفية لها من القوة ما لم نعد معها نثمّن سعادةً ما دون معرفة… لقد تحولت المعرفة عندنا إلى شغف لا يخشى التضحية ولا يخشى أي شيء عدا انقراضها. كلنا نفضّل تدمير البشرية على تراجع المعرفة”!

10