المدينة فضاء فني والجدران دفاتر الأزمنة

معرض باريسي يحتفي بالفنان الفرنسي جي أر وتجربته الجمالية متعددة الوسائط.
الأحد 2019/02/24
أشباح المهاجرين وحكاياتهم المنسيّة في بيوتهم الأولى

مازال الاسم الحقيقي للفنان الفرنسيّ جي أر-JR مجهولا بالرغم من شهرته العالميّة، وأعماله الجداريّة والمسرحيّة المُنتشرة في أنحاء العالم، والتي تتحرك بين فن الشارع والتصوير الفوتوغرافي وفن الأداء، فـ”جي أر” يرى في المدينة معرضا واسعا، أما جدرانها ومكوناتها الماديّة فليست إلا مساحات تختزن داخلها احتمالات فنيّة، ويجب ألا تقتصر على الإعلانات التجاريّة والدعاية السياسيّة، فجدارياته الضخمة التي تمزج بين التصوير الفوتوغرافيّ وفن الشارع، تجعلنا أمام صروح تتحدى قوانين المدينة وشكلها الرسميّ، بوصفه يصنف ويعزل وينمذج ويعكس النظام العام بأشد أشكاله سكونا.

يقيم المنزل الأوروبي للتصوير الفوتوغرافيّ معرضا ضخما والأول من نوعه للاحتفاء بـ”جي أر” وأعماله تحت اسم “الإيقاع، ميكانيكيّة الحدث”، الذي يحيلنا إلى مفهوم الحدث الفنيّ بوصفه جُهدا جماليا يتجاوز حدود مساحة العرض الرسميّة كالمتاحف وصالة العرض ويوظف الفضاءات العامة، مُعيدا تكوّن خصائصها الرمزيّة والسياسيّة، لتقديم حكايات علنية مختلفة عن تلك الرسميّة، إلى جانب تغييره لإيقاع المكان، ذاك المرتبط بالحركة البشريّة وتدفق العلامات العلنية والإطارات التي تحويها، والتي تتجلى بشكلها “الطبيعي” في ما نراه عادة من إعلانات ورسومات “مسموح” بها، كونها لا تهدد التجانس الرمزيّ للمكان.

الصعود من الماضي الى الحاضر
الصعود من الماضي الى الحاضر

نتعرف في المعرض على بدايات جي أر، أولى الأعمال الصغيرة التي أنجزها، لنرى بعدها أنفسنا أمام أول عمل ضخم أنجزه وهو “بورتريهات جيل”، إذ اختار واحدة من ضواحي باريس التي شهدت أعمال شغب عام 2005، وقام بصورة غير قانونيّة، بإلصاق صور عملاقة على جدرانها تحوي شبان المنطقة والذين شاركوا في الاحتجاجات، في محاولة لتغيير الصورة النمطيّة التي روجت لها وسائل الإعلام عن سكان تلك الضاحية، بوصفهم خطيرين ومشبوهين، لتغزو بعدها هذه الصور جدران باريس والمدن المختلفة في فرنسا.

ذات الشيء نراه في مشروعه “بلا إطار” الذي يحاول فيه أن يحيي ذكرى “جزيرة إليس” في خليج نيويورك في الولايات المتحدة، فالجزيرة المجاورة لتمثال الحريّة، هي المحطة الأولى التي كان يصل إليها المهاجرون قبل دخولهم الولايات المتحدة، والمثير للاهتمام أنه عمل ضمن المستشفى الذي يحويه، والمهجور منذ عام 1954، إذ قام بإنجاز مجموعة من الصور وأعمال التجهيز، معتمدا على أرشيف من كانوا فيه وحكاياتهم، التي يحوّلها إلى علامات مرئيّة تصورهم نفسهم وكيفية تواجدهم في المستشفى الذي يبدو كأنه مسكون بأشباح، حزينة، كئيبة، تعكس المعاناة والتعب اللذين شهدهما المهاجرون الذين تركوا كلّ شيء وراءهم واتجهوا نحو الأرض الجديدة.

صور أبناء الضواحي تحدّق بالمارّة
صور أبناء الضواحي تحدّق بالمارّة

نشاهد في المعرض أحدث أعمال جي أر، تلك التي أنجزها بالتعاون مع مجلة “تايم” الأميركيّة، بعنوان “الأسلحة في الولايات المتحدة” والتي يمكن وصفها بفيديو جداريّ تفاعليّ، نشاهد فيه صورة 245 أميركيا ينتمون لطيف سياسي واسع يبدأ من المعارضة الشديدة لاستخدام السلاح وينتهي بأشد المدافعين عن الحق بحمل السلاح.

  وما يثير الاهتمام أن العمل الذي يمكن أيضا “تلقيه” عبر الكمبيوتر  الشخصيّ، يتيح لنا الضغط على كل صورة-بورتريه، وسماع شهادة صاحبها ورأيه، سواء كان سياسيا أو جنديا أو صيادا أو ناشطا ضد حمل السلاح، فالعمل الذي صمم في الذكرى الخمسين لصدور قرار السيطرة على السلاح في الولايات المتحدة الأميركيّة، يسعى لجعل الرأي العام أشبه بصورة ناطقة، لا مجرد مجموعة مجزّأة من الآراء التي تتناولها وسائل الإعلام، وكأننا أمام صورة حيّة للمجتمع الأميركي.

يحوي المعرض أيضا مجموعة من أعمال التجهيز الصغيرة نسبيا التي أنجزها جي أر، إذ يتلاعب بأحجام الصور وألوانها والإضاءة حولها والظلال التي تنتجها، لتبدو كأنها تطفو في الهواء، مخلخلة الخصائص الماديّة للجدران وصلابتها، فصوره تحول المكان إلى فضاء مائع، هش، سهل الاختراق، سواء كان جدارا داخل معرض أو بناء ضخما في ريو دي جينيرو، وهذا ما يتضح لنا ضمن مجموعة الشرائط المسجّلة التي تشرح لنا آلية عمله وكيفية توظيفه للمكان ومكوناته في سبيل إنجاز أعماله المختلفة.

14