الكلفة غير المرئية لقضية خاشقجي: السياح السعوديون يقاطعون تركيا

انسحاب المشترين السعوديين من سوق العقارات التركي هو السلاح المدمّر الذي لم تستخدمه الرياض بعد.
الجمعة 2019/07/12
الكساد يحل تدريجيا محل الطفرة الاقتصادية

الرياض -  تخطّت تداعيات قضية مقتل الصحافي السعودي جمال خاشقجي نطاق الدبلوماسية والسياسة، إلى مجال الاقتصاد إذ يبدو أنها بدأت تؤثر على وتيرة زيارات السياح السعوديين إلى تركيا بعد دعوات صدرت مؤخرا لمقاطعة منتجعات الدولة التي كانت تشكل مقصدا سنويا لعدد كبير من السعوديين.

وساهمت الجريمة التي حدثت خلال شهر أكتوبر الماضي في قنصلية المملكة بإسطنبول، في تأزيم العلاقات بين أنقرة والرياض، بسبب الحملة الشرسة التي شنتها الحكومة التركية على السعودية في محاولة لاستثمار الجريمة سياسيا في عملية تصفية حسابات ضدّ الرياض.

وبينما لم تترتّب أي نتائج ملموسة عن محاولة أنقرة تحميل القيادة السعودية مسؤولية مباشرة عن مقتل الصحافي، يبدو أن النتائج العكسية أوضح على الجانب التركي.

ويقصد مئات الآلاف من السعوديين تركيا سنويا هربا من الطقس الحار، وبحثا عن الشواطئ والمنتجعات السياحية المشهورة في منطقة تعتبر همزة وصل بين الشرق والغرب. إلا أنّ تعامل تركيا مع قضية مقتل خاشقجي أثار في المملكة ردود فعل سلبية ودعوات لمقاطعتها على اعتبار أنّها غير آمنة، بينما قامت وسائل إعلام محلّية بإبراز تحذير للسفارة السعودية في أنقرة من سرقات جوازات وجرائم في البلد.

وبحسب أرقام وزارة السياحة التركية، تراجعت أعداد الزوار السعوديين بنسبة 30 بالمئة في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي مقارنة بالفترة ذاتها من العام الماضي.

التراجع الاقتصادي وما سيستتبعه من تأثيرات على الأوضاع الاجتماعية للأتراك تصيب أردوغان وحزبه في مقتل

وأكّدت وكالة سفر في الرياض لوكالة فرانس برس تراجعا في الحجوزات بالنسبة ذاتها. وقال أحد سكان مدينة الرياض “ما يهمني هو الأمان”، مستبعدا أن يقرر السفر إلى تركيا.

وتشير دراسة سعودية تعود إلى العام 2018 إلى أنّ السعوديين ينفقون نحو 500 دولار يوميا خلال إجازاتهم الخارجية، وهو معدّل مرتفع نسبيا. ولا تنحصر دعوات المقاطعة بالسياحة فقط، لكنها أصبحت تطال أيضا المواد الاستهلاكية.

وكتب رئيس مجلس إدارة غرفة الصناعة والتجارة في الرياض عجلان العجلان على حسابه في تويتر هذا الأسبوع “في ظل مواصلة القيادة التركية والرئيس رجب طيب أردوغان مناصبة العداء واستهداف المملكة قيادة وشعبا، فإننا مطالبون أكثر من أي وقت مضى بمقاطعتهم ليس في السياحة والاستثمار فقط وإنما بكل شيء”. وتابع “الاستيراد والعمالة والتعامل مع الشركات التركية: المقاطعة الشاملة هي أقل ما يُرد به على هذا العداء السافر”.

ويقول أردوغان إنّ قرار تصفية خاشقجي صدر من أعلى المستويات في الحكومة السعودية. لكن السلطات في المملكة تشير إلى أنّ المجموعة التي نفّذت الجريمة وقدمت من السعودية إلى إسطنبول لهذا الغرض، تصرّفت من دون أوامر رسمية. ولا تزال أنقرة تحاول الضغط على الرياض باستخدام قضية خاشقجي. ودعا ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان الشهر الماضي إلى التوقف عن محاولة استغلال تلك القضية سياسيا.

وتأتي الدعوات لمقاطعة تركيا في ظل مصاعب اقتصادية تواجهها الدولة الخارجة حديثا من مرحلة من الركود.

وبحسب الباحث في معهد دول الخليج العربية في واشنطن حسين ابيش “قد يواجه سوق العقارات التركي هروبا من المشترين السعوديين”. ويضيف “إنه سلاح مدمّر لم تستخدمه الرياض بعد”.

Thumbnail

ويرى المحلل في معهد أبحاث الدراسات الأوروبية والأميركية في أثينا كونتان دو بيمودان أنّ السعودية “تضرب عصفورين بحجر واحد، إذا إنّها تمنع تركيا من الاستفادة من السياح السعوديين، وتقنع مواطنيها بإنفاق أموالهم في الداخل”.

ولن تكون قضية مقتل خاشقجي المظهر الوحيد لتأثير القضايا السياسية على الاقتصاد التركي في زمن حكم حزب العدالة والتنمية بقيادة رجب طيب أردوغان المعروف باندفاعه وحدّة خطابه، إذ سبق لأنقرة أن جنت الكثير من الخسائر جرّاء تفجّر الوضع في سوريا والذي ساهمت أنقرة بشكل مباشر في تأجيجه خصوصا من خلال فتحها الباب للآلاف من الإرهابيين الأجانب لعبور أراضيها إلى الأراضي السورية. وخسرت تركيا استثمارات كثيرة في سوريا كما فقدت مبادلات تجارية هامّة مع لبنان والأردن عبر الأراضي السورية.

كذلك أدخلت سياسات أردوغان تركيا في مشاكل مع حلفاء غربيين كبار لها على رأسهم الولايات المتحدة التي سبق لها أن أقرت عقوبات اقتصادية ضدّها. ويمثّل تراجع قيمة الليرة التركية أحد أبرز عناوين تراجع الوضع الاقتصادي والمالي لتركيا.

ويعني التراجع الاقتصادي وما سيستتبعه من تأثيرات على الأوضاع الاجتماعية للأتراك إصابة أردوغان وحزبه في مقتل، ذلك أن الطفرة الاقتصادية النسبية التي شهدتها تركيا خلال السنوات الأولى من حكم العدالة والتنمية، مثلّت رافعة أساسية للشعبية التي حظي بها ومكّنته من هزم خصومه ومنافسيه في أكثر من مناسبة انتخابية.

ومثّلت انتخابات بلدية إسطنبول الأخيرة والتي هزم فيها حزب الشعب الجمهوري حزب أردوغان في أكبر معقل له، أوضح إنذار لأردوغان ببداية أفول نجمه في سماء السياسة التركية.

3