القراء ينصرفون عن الشعر لأن الشعراء تخلوا عن أدوارهم الكبرى

غياب الدور الهام الذي يمكن للنقد أن يلعبه في تحريك مياه المشهد الشعري الراكدة يساهم في عدم الحضور الفاعل للشعر في الحياة الثقافية.
الثلاثاء 2019/12/31
الناقد لم يعد يلاحق الشاعر (لوحة للفنان خالد تكريتي)

تتحول المتابعة لأحوال الشعر تأليفا ونشرا ومهرجانات وجوائز في نهاية كل عام إلى مهمة شاقة، بسبب البحث عن إضاءات مهمة جديدة في هذا المشهد تجعلنا أكثر تفاؤلا بمستقبل الشعر وقدرته على استعادة حضوره وانتشاره بالصورة التي تليق بهذا الفن العظيم. لقد ظل الشعر يقود قاطرة الفنون زمنا طويلا حتى في أحلك مراحل التاريخ الإنساني وأكثرها قسوة، ولم يكن إلا الفن الذي يرتقي بجماليات التعبير واللغة المسكونة بالدهشة والمجاز وهي تعيد بناء العالم والأشياء باعتبارها اللغة العليا التي حفظت أناشيد الإنسان الأول وملاحمه الكبيرة وما زالت تضعنا في قلب العالم.

هذا الشعر العظيم الذي كان صوت الإنسان وضميره الحي يبدو أن ثقافة الاستهلاك ما زالت تحاول تطبيعه من خلال انتزاع جوهره منه عبر تجريده من عنصر الموهبة والمكابدة، وتجعله أقرب إلى لغة التداول اليومي أو مجرّد تهويمات حتى أصبحت كتابة الشعر خالية من تلك الروح المتوثبة التي يمتزج فيها الخيال بالتجربة الإنسانية الحيّة، وصار أغلب ما ينشر لغة بلا روح ولا خيال إلى درجة التماثل المملّ ما جعل كثيرا من المجلات الثقافية تتوقف عن نشره أو لا تعرف ماذا تفعل أمام هذا الكمّ المتماثل من الكتابات التي فقدت عنصر الإثارة والدهشة والجمال. ولا يختلف الحال بالنسبة لدور النشر التي بات القليل منها يهتم بنشره ولو على نفقة صاحبه لمحدودية قرائه.

مغامرة الكتابة عن الشعر

لذلك تتحول الكتابة عن الشعر في عام مغامرة صعبة، نحاول فيها أن نخرج من رمادية هذا المشهد بالبحث والتنقيب عن التماعات هنا أو هناك يمكنها أن تضيء ولو جانبا منه يعيد للشعر حضوره الذي نريد. لكن ما يحدث يعيدنا إلى حديث الأزمة خاصة مع هذه الزحمة في ما ينشر من أعمال ونصوص تحت يافطة الشعر، أو مع التكاثر العجيب لأسماء الشعراء والشاعرات خاصة بعد توفر فرص النشر الإلكتروني ومواقع التواصل الاجتماعي وانسحاب النقد والنقاد من الدور المناط بهم في مواكبة هذا المشهد والعمل على تقديم التجارب المهمة فيه والتعريف بالإضافات التي تقدمها والاقتراحات الجمالية التي تضيفها إلى التجربة الشعرية العربية وتسهم في تطورها. ويكفي أن نجد العشرات من الكتب النقدية من ما ينشر اليوم تهتم بدراسة الرواية بعد أن أصبح الاهتمام الثقافي والإعلامي بها قويا، في حين يبقى الشعر أسير محاولات نقدية تجاهد وسط هذا المشهد النقدي لكي تعيد للشعر بعضا من الاهتمام الذي يستحق.

إن قراءة هذا المشهد الشعري بمعزل عن قراءة المشهد الثقافي وما يعانيه من مشاكل وتحديات هي محاولة لإخراجه من سياقه، فالشعر الذي قاد مشروع الحداثة الفكرية والجمالية هو الشعر الذي يدفع ثمن فشل هذه الحداثة، بل هناك من يحاول أن يجعله يدفعها من خلال التغييب أو تحويله إلى تظاهرات إعلامية وسياحية محكومة بالشخصنة والشللية والعلاقات الخاصة.

إصدارات شعرية

بعض الشاعرات من الأسماء التي كانت مكرسة في المشهد الشعري لم يصدر لها أي ديوان جديد هذا العام، كما في أكثر من عام مضى، الأمر الذي يطرح أكثر من تساؤل عن أسباب هذا التوقف غير المفهوم عن النشر، في وقت يتحول فيه شعراء جدد إلى كتابة الرواية على عادة من سبقهم من الشعراء الآخرين.

على مستوى النشر ما زالت دار المتوسط التي تتخذ من مدينة ميلانو الإيطالية مقرا لها هي الدار الوحيدة التي تحتفي بنشر الشعر، الأمر الذي جعل الكثير من الشعراء يقصدونها لنشر أعمالهم الشعرية. ويظهر جانب التحدي في هذا الخيار في محاولتها وسط هذه الفوضى الشعرية أن تحافظ في منشوراتها على القيمة الشعرية في ما تنشره من أعمال. من منشوراتها المضيئة واللافتة هذا العام:

ديوان “مملكة آدم” للشاعر الأردني أمجد ناصر الذي غادرنا بعد أيام قليلة من صدوره. وديوان “تحدث أيها الغريب” للشاعر الفلسطيني غسان زقطان. وديوان “لا حرب في طروادة: كلمات هوميروس الأخيرة” للشاعر السوري نوري الجراح. والملاحظ أن هؤلاء الشعراء الثلاثة الذين استقطبتهم “دار المتوسط” هم من جيل الشعراء الذين ظهروا في نهاية القرن العشرين، وممن برزت تجاربهم في أواخر السبعينات وأوائل الثمانينات من القرن الماضي، وارتادوا الموجة الثالثة في حركة الحداثة في الشعر العربي. وقد صدرت أعمالهم صحبة أعمال أخرى لشعراء من أجيال لاحقة.

من هذه الأعمال “ثلاثون دقيقة في حافلة مفخخة” للشاعرة السورية مناهل السهوي، “الربيع العاري” للشاعر الإماراتي عادل خزام، “يوميات رجل أفريقي” للشاعر الجزائري خالد بن صالح. “لا تصدقوني إن حدثتكم عن الحرب” للشاعرة الفلسطينية أسماء عزايزة، “عن الضحك والغيتار البرتقالي والحرب” للشاعرة رجاء غانم، “الخريف من معارفي” للشاعر السوري نجيب جورج عوض.

من اللوحة التي ترسمها منشورات هذه الدار في علاقتها بالشعر وتجاربه وأجياله، لا بد أن نقدر لها أنها تجعل من نفسها منصة للتعايش والتناغم والتحاور بين أصوات الشعر القادمة من أجيال مختلفة، وهو ما يشير إلى نضج في العالقة مع الحركة الشعرية العربية الحديثة والمعاصرة.

وصدر عن الهيئة المصرية للكتاب مختارات شعرية للشاعر يانيس ريتسوس بعنوان “جيران العالم” من ترجمة خالد رؤوف، و”قبور زجاجية” للشاعرة المصرية نجاة علي، و”لم يحدث بعد” للشاعر الفلسطيني أحمد بشير.

وتحت عنوان “الشعراء الألف” صدرت في القاهرة مجموعة من الأعمال الشعرية لشعراء عرب من مصر وسوريا واليمن والسعودية وفلسطين والأردن والجزائر والمغرب منها: ديوان “سحب الشك” للشاعر السعودي سالم الضوى، وديوان “رسائل لا تصل” للشاعرة السورية هالة إدريس، وديوان “أبلغ من الصمت” للدكتور حسان قمحة. وعن دار الساقي ببيروت صدر ديوان الشاعر اللبناني عباس بيضون بعنوان “الحداد لا يحمل تاجا”، و”القمر يتبعني” للشاعر اليمني أحمد الشلفي. وعن دار المدى ببغداد صدر ديوان “ما تدور به الريح” للشاعر العراقي ياسين حافظ طه.

مهرجانات وجوائز

بعض الشاعرات من الأسماء التي كانت مكرسة في المشهد الشعري لم يصدر لها أي ديوان جديد هذا العام، كما في أكثر من عام مضى، الأمر الذي يطرح أكثر من تساؤل عن أسباب هذا التوقف غير المفهوم عن النشر، في وقت يتحول فيه شعراء جدد إلى كتابة الرواية على عادة من سبقهم من الشعراء الآخرين
بعض الشاعرات من الأسماء التي كانت مكرسة في المشهد الشعري لم يصدر لها أي ديوان جديد هذا العام، كما في أكثر من عام مضى، الأمر الذي يطرح أكثر من تساؤل عن أسباب هذا التوقف غير المفهوم عن النشر، في وقت يتحول فيه شعراء جدد إلى كتابة الرواية على عادة من سبقهم من الشعراء الآخرين

فاز الشاعر الأميركي تشارلز سيميك بجائزة الأركانة العالمية في دورتها الرابعة عشرة في المغرب. ونال الشاعر الراحل أمجد ناصر جائزة الشاعر محمود درويش، إضافة إلى جائزة الدولة التقديرية الأردنية.

وفي فلسطين فاز الشاعر والأكاديمي عزالدين المناصرة بجائزة فلسطين للآداب عن مجمل أعماله الشعرية والنقدية. وفاز ثلاثة شعراء بجائزة “شاعر عكاظ” السعودية وهم محمد إبراهيم يعقوب من السعودية بالمركز الأول، والشاعر اليمني عبدالله عبيد بالمركز الثاني، والشاعر السعودي شتيوي الغيثي بالجائزة الثالثة.

أعلن مهرجان طنجة الدولي للشعر عن الفائزين بجائزة طنجة الكبرى للشعراء الشباب، والتي فاز بها الشاعر كريم أيت الحاج.

كذلك أعلنت جائزة الشاعر عبدالرزاق عبدالواحد في دورتها الثالثة أسماء الفائزين الثلاثة وهم الشاعر خالد عبدالله الحكيمي بالمركز الأول عن قصيدته “الموج يفشي الملح يما”، والشاعر هارون عمري بالمرتبة الثانية عن قصيدته “بعثة الروح”، والشاعرة ريهام ماجي بالمركز الثالث عن قصيدتها “فصول الحب”. وفازت الشاعرة البحرينية جميلة العلوي بجائزة أفضل ديوان شعري “كشرنقة تحتويني” في مسابقة الشارقة لإبداعات المرأة الخليجية.

وفي مسابقة القسم العربي التي تحمل اسم ريناتو فيلبي الإيطالية الدولية فاز ثلاثة شعراء خليجيون بالجائزة، الشاعر العماني حسن المطروشي عن قصيدته “النسل المطرود” والشاعر الكويتي محمد صرخوه عن قصيدته “الركبة الشهباء للضوء”، بينما فازت الشاعرة البحرينية ليلى السيد عن قصيدة “أربكنا الحجر”.

وأعلنت مؤسسة فلسطين الدولية في الأردن عن جائزة جديدة للشعر باسم “جائزة سميح القاسم”. وأقيم في غرينادا نيكاراغوا مهرجان الشعر العالمي شارك فيه مجموعة من الشعراء العرب منهم فاتنة الغرة وعصام السعدي من فلسطين وإيمان مرسال من مصر ومحمد بنيس من المغرب. كما أقيم في كولومبيا مهرجان الشعر العالمي شارك فيه من الوطن العربي جمانة حداد وإدريس الطيب وميسون صقر القاسمي وأنور الغساني وإبراهيم نصرالله وعلي الشلاه وأدونيس.

وشهد أتيليه القاهرة وقائع الدورة السادسة عشرة لمهرجان قصيدة النثر شارك فيه مجموعة من الشعراء المصريين وشاعران من الجزائر، في حين غابت الأسماء الشعرية العربية الأخرى عن هذا المهرجان. وإلى جانب الأمسيات الشعرية شهد المهرجان ندوات نقدية تناولت موضوعات مختلفة تخص قصيدة النثر وبعض تحاربها المصرية، شارك فيها الدكتور شاكر عبدالحميد والدكتورة ناهد رحيل والدكتور أبواليزيد الشرقاوي والدكتور صلاح السروي.

كما أقيم في الأردن مهرجان جرش للشعر العربي شاركت فيه مجموعة من الشعراء العرب. وفي سيت بفرنسا أقيم مهرجان الشعر العالمي الذي كان الحضور الشعري العربي فيه محدودا على خلاف السنوات الماضية. وأقامت الجمعية الدولية للشعراء العرب تحت عنوان “الشعر يجمعنا” مهرجانا للشعر العربي في مدينة إسطنبول شاركت فيه مجموعة من الشعراء العرب والأتراك.

ترافق هذا النشاط الاحتفالي للمهرجانات الشعرية العربية والعالمية مع غياب واضح للملتقيات النقدية المعنية بدراسة الشعر وواقع التجربة الشعرية العربية الراهنة بأجيالها وتياراتها المختلفة وقضاياها الجمالية والفكرية، في وقت هي أحوج ما تكون فيه لمثل هذه الملتقيات من أجل تعزيز حضور الشعر في الحياة الثقافية، والإجابة عن الأسئلة التي يطرحها واقع التجارب الجديدة والتحديات التي تواجهها على مستوى المرجعية والرؤية ولغة الخطاب الشعري، إضافة إلى ما تضيفه التجارب الجديدة والهامة إلى رصيد هذه التجربة. وشهد هذا العام رحيل الشاعر الأردني المعروف أمجد ناصر بعد صراع مرير مع المرض تاركا وراءه حصاد تجربة غنية تنقلت بين أكثر من منفى ومكان.

خلاصات أولية

يمكن للقارئ بعد هذا العرض لواقع الشعر أن يتوقف أمام مجموعة من الملاحظات الأساسية سواء على مستوى الأعمال الشعرية التي صدرت أو المهرجانات الشعرية أو الجوائز. في البداية لا بد من القول إن أغلب ما ينشر من دواوين جديدة لم يستطع أن يقدم إضافات ملحوظة يمكنها أن تضيف إلى المنجز الشعري الراهن ما يثريه ويفتح أمامه آفاق التجديد والتطور، مع استثناءات قليلة لم تنل حقها من المتابعة والقراءة النقدية لأسباب متعددة سنتحدث عنها بعد قليل. إن غياب المرجعية التي يمكن أن يستند إليها الشعراء الجدد في صياغة وعيهم الجمالي والفكري وتحقيق التراكم المطلوب ناجم عن انقطاع العلاقة بين التجارب الجديدة والتجارب المميزة في المشهد الشعري الراهن أو مع التجارب السابقة، ما شكّل فراغا حاولت بعض التجارب أن تعوّض عنه بقراءة الشعر المترجم وسط فوضى الترجمة الراهنة والاختيارات العشوائية إلى جانب ما يفقده الشعر من قيمة جمالية وبلاغية عندما يتم نقله إلى لغة أخرى.

ومما زاد في تعميق هذه الأزمة عند الشعراء الجدد انقطاع التواصل والتفاعل في ما بينهم في ظل تخلّي النقد بصورة كبيرة عن دوره المنتظر منه في تجديد الحوار مع هذه التجارب، إضافة إلى الدور الذي باتت تلعبه وسائل النشر الإلكترونية والعلاقات الشللية في تعميق حالة الفوضى في هذا المشهد.

لقد أدى هذا الواقع إلى غياب السجالات الشعرية والحوار بين أجياله المختلفة، ما يدل على افتقار هذا المشهد للتعددية في التجارب والرؤى وأشكال الوعي الجمالي، الأمر الذي جعل الكثير من هذه التجارب يبدو وكأنه يعيد استنساخ بعضه البعض خاصة بعد تراجع حضور القصيدة في المشهد الثقافي العام وتراجع اهتمام الشعر نفسه بالقضايا الكبرى للحياة والمجتمع والواقع.

ولقد تفاقمت المشكلة تعقيدا مع غياب المشروعات الخاصة بنشر الشعر، باستثناء مشروع “منشورات المتوسط” الذي يواجه هو الآخر تحديات كثيرة في مقدمتها اختيار الأعمال الشعرية الجديرة بالنشر، في ظل واقع ثقافي عربي مأزوم من علاماته المرضية فوضى الكتابة والاستسهال الذي يعاني منه الشعر، إضافة إلى غياب العديد من المجلات الثقافية أو الخاصة بالشعر ونقده. وإذا كانت الدار المذكورة تحاول تحقيق هذه المعادلة الصعبة من خلال تقديم تجارب مهمة لأجيال مختلفة، فإن الشعر يكاد يكون غائبا تماما عن منشورات أغلب دور النشر الأخرى، ربما بسبب محدودية الإقبال على قراءة الشعر، ومحدودية الاهتمام الإعلامي بما ينشر من جديد الشعراء.

ولا بد من الاعتراف بأن غياب الدور الهام الذي يمكن للنقد أن يلعبه في تحريك مياه هذا المشهد الراكدة والإضاءة على الإضافات التي تقدمها التجارب الهامة يعدّ سببا آخر من أسباب غياب الحضور الفاعل للشعر في الحياة الثقافية، وغياب الاحتفال اللائق به.

إن قراءة هذا المشهد الشعري بمعزل عن قراءة المشهد الثقافي وما يعانيه من مشاكل وتحديات هي محاولة لإخراجه من سياقه، فالشعر الذي قاد مشروع الحداثة الفكرية والجمالية هو الشعر الذي يدفع ثمن فشل هذه الحداثة

إن احتجاب النقد، أو محدوديته، قد ساهم في تداخل صور هذا المشهد واختلاط أصواته حتى بدا وكأن كل شاعر أو شاعرة أصبح هو مرجع نفسه في الشعر. لقد أدّى هذا الغياب إلى ترك الساحة الثقافية خالية لأصحاب المشاريع الضيقة وللشعراء الأقل موهبة من ذوي العلاقات النفعية في ظل ضعف المناخ الثقافي، وبعد الشقة بين الإبداع من جهة والفعل النقدي من جهة أخرى، وهو ما يكشف من جهة حقيقة عن زلة النقد الجاد البعيد عن كل ارتهان أو منفعة. والحقيقة إن غياب الدور الفاعل للنقد يمكن أن يلحظه أيّ قارئ من خلال متابعة عدد الكتب النقدية التي صدرت هذا العام والخاصة بدراسة الشعر أو عدد الندوات النقدية الخاصة بالشعر وتجاربه وأجياله ونظرياته، بينما يتركز الجهد النقدي على الرواية لأسباب إعلامية، ولتركيز الاهتمام بها وعليها من قبل المؤسسات الثقافية الأهلية والرسمية.

في نظري إن غياب اهتمام مؤسسات الثقافة الرسمية وغير الرسمية بالشعر خصوصاً، يعدّ من بين الأسباب الإضافية للفوضى الراهنة في الحياة الشعرية. أما على مستوى المسؤولية الخاصة بالشعراء أنفسهم فإن الشعر أصبح في تجارب عديدة وكأنه بلا قضية تشغله ما جعله يتحول، مع نصوص كثيرة نطالعها، إلى تهويمات ذاتية وتداعيات وجدانية، بعيدا عن قضايا الواقع والحياة التي باتت تشكّل تحديا وجوديا وثقافيا واجتماعيا كبيرا للحاضر والمستقبل العربي.

لذلك فإن انصراف القارئ عن هذا الشعر مردّه أنه لم يعد يجد فيه أفقا لنفسه، ولا يعثر من خلاله على صوته وقضاياه. ولقد كان الشعر حتى في أكثر مراحل التاريخ مأساوية هو الصوت الحر المعبّر عن آلام الناس وأحلامهم، وكان الأكثر قدرة على استشعار هذه الآلام والآمال والتعبير عنها، إضافة إلى أنه، في جوهره الكينوني الأكثر تعبيرا عن تمرد الإنسان على شرطه الوجودي والإنساني، وهو ما منح تجاربه الكبيرة حضورها العابر للزمن والأجيال.

14