القاهرة تواجه الاقتصاد الخفي بأول فاتورة ضريبة إلكترونية

78.5 في المئة مساهمة الضرائب في الموازنة ورقمنة التعاملات المالية تضاعف الحصيلة.
السبت 2020/07/04
تعاملات بحاجة ملحة إلى التقنين

أطلقت الحكومة المصرية نظاما لتتبع حركة المعاملات المالية إلكترونيا داخل الأسواق بهدف حصر الاقتصاد الخفي وضمه للمنظومة الرسمية، وتضييق الخناق على المتهربين ضريبيا، من أجل زيادة مواردها المالية عبر رفع الحصيلة الضريبية.

القاهرة - دفعت القاهرة بآخر أوراقها لضم الاقتصاد غير الرسمي في إطار المنظومة الرسمية، وأعلنت عن تطبيق نظام الفاتورة الإلكترونية، ويتم خلالها تتبع المعاملات المالية بين طرفي أي تعاقد، ومراقبة حركة البيع والشراء والتعاملات المرتبطة بها من أجل الوصول إلى نظام محكم يراقب الأموال في الأسواق.

وعبر هذه المنظومة التي طبقت رسميا الثلاثاء الماضي، تقع جميع الصفقات في مرمى بصر مصلحة الضرائب، وتتمكن من ضمها للوعاء الضريبي، إلى جانب تتبع تأثيراتها على معاملات الأسواق.

وتمكن الآلية الجديدة الحكومة من حصر الاقتصاد الخفي الذي يتجاوز حجمه نصف اقتصاد البلاد، وزيادة موارد موازنتها العامة التي تعتمد على الضرائب.

وتستحوذ الضرائب على نحو 78.5 في المئة من إجمالي موارد الموازنة الحالية للبلاد، وتستهدف وزارة المالية جباية ضريبية بنحو 60.4 مليار دولار من إجمالي الموارد البالغة نحو 80.5 مليار دولار، وتبدأ موازنة البلاد سنويا مع غرة شهر يوليو من كل عام.

ويعمق تسرب الاقتصاد الخفي خارج المنظومة الضريبة من زيادة الدين العام للبلاد، حيث يتم تمويل هذا العجز عبر التوسع في الاقتراض، داخليا من خلال الاقتراض من البنوك المحلية، وخارجيا بطرح سندات في أسواق المال الدولية.

محمد معيط: المنظومة تحقق العدالة الضريبية وتُحكم رقابة الأسواق
محمد معيط: المنظومة تحقق العدالة الضريبية وتُحكم رقابة الأسواق

وقال محمد معيط وزير المالية إن “المنظومة الجديدة تمكننا من تتبع جميع التعاملات التجارية بين الشركات، وفق تبادل بيانات جميع الفواتير لحظيا بصيغة رقمية دون الاعتماد على المعاملات الورقية”.

وأوضح في تصريح لـ”العرب” أن هذه الخطوة تضمن زيادة إحكام المجتمع الضريبي، بما يمكّن من ضم الاقتصاد غير الرسمي للمنظومة الرسمية، وتحقيق العدالة الضريبية.

وتحقق منظومة الفاتورة الإلكترونية مآرب أخرى للحكومة، في مقدمتها مكافحة التهرب، الذي يتكشف تباعا عبر مراقبة التعاملات، ما يمكنها من كشف الحلقات المفقودة التي تتهرب عندها شرائح كبيرة.

ومن خلال آلية العمل الإلكترونية يتم حصر حجم الأعمال الحقيقي للمؤسسات والأنشطة الاقتصادية، وهي نقطة مهمة لصالح الاقتصاد الكلي للبلاد، حيث تمثل هذه الكيانات جزءا أصيلا في الناتج المحلي الإجمالي، وإذا تمكنت الحكومة من زيادته سيتم إصلاح عدد كبير من المؤشرات التي يتم تنسيبها للناتج المحلي.

ويصل حجم الاقتصاد المصري في الموازنة الحالية إلى نحو 427.75 مليار دولار، فيما يقدر حجم اقتصاد الظل بنحو 214 مليار دولار على اعتبار أنه نصف الاقتصاد الحقيقي للبلاد.

ومن أهم هذه المؤشرات حجم الدين العام إلى الناتج المحلي الإجمالي، فيما تعد حصيلة هذه النسبة مؤشرا تتابعه بدقة وكالات التصنيف الائتماني عالميا والمؤسسات المالية التي تشتري سندات البلاد في الأسواق الخارجية.

ويفضي نجاح المنظومة الجديدة إلى تعزيز التعاملات الرقيمة والمدفوعات الإلكترونية، بما من شأنه القضاء على ظاهرة التعاملات النقدية المسيطرة على السوق المصرية وتعمق فجوة التهرب الضريبي، وغسيل الأموال.

وقال الخبير الاقتصادي ياسر عمارة لـ”العرب” إن القاهرة “حاولت قبل 16 عاما تطبيق هذا النظام، إلا أنها فشلت نتيجة غياب التكنولوجيا التي تضمن نجاح المنظومة، وعدم وجود قواعد بيانات متكاملة عن جميع أطراف السوق”.

وجاهد وزير المالية الأسبق يوسف بطرس غالي عام 2004، لتدشين نظام لمنظومة الفاتورة الضريبية الإلكترونية، لكن جهوده باءت بالفشل نتيجة عدم استيعاب السوق لتلك الآلية.

وأشار عمارة إلى أن هذه الخطوة تأخرت كثيرا، لأنها إجراء مكمل لتفعيل منظومة الإقرارات الضريبية الإلكترونية التي طبقتها الحكومة مؤخرا، فضلا عن أنها تعزز حوكمة منظومة الضرائب.

وتعد الآلية الجديدة إحدى الخطوات العملية لمواجهة البيروقراطية العميقة، وتخفّف التشدد الإداري وتقلّل تكلفة التعاملات وإجراءات فحص ومراقبة أداء وميزانيات الشركات بما يضمن السرعة والدقة بعيدا عن التدخل البشري.

وتسمح المنظومة بإرسال إشعارات لحظية لكل من البائع والمشتري ومشاركتهما بيانات الفواتير، بكافة الوسائل، بدءا من خدمات الرسائل النصية والتطبيقات الإلكترونية عبر الهاتف الخلوي، ورسائل البريد الإلكتروني.

214

مليار دولار حجم اقتصاد الظل الذي تسعى الحكومة لضمه إلى المنظومة الرسمية

وأكد خالد الشافعي، خبير الضرائب والتشريعات المالية، أن الحكومة تعكف على تنفيذ منظومة متكاملة لإحكام السيطرة على فجوة التهرب الضريبي، ولذلك دشنت المجلس الأعلى للمدفوعات الإلكترونية.

وأشار لـ”العرب” إلى أنه سبق تلك الخطوة تطبيق نظام التحصيل الإلكتروني للمستحقات المالية الحكومية لتعزيز خطوات تعميم الشمول المالي والتحول نحو المدفوعات الإلكترونية.

وتجبر الخطوة المتعاملين مع الجهات الحكومية، أفرادا ومؤسسات، على دفع المستحقات عبر إحدى الوسائل الإلكترونية، ومتابعة حركة النقود في شرايين السوق، لمواجهة الاقتصاد الخفي إلى جانب ممارسات تجنب دفع الضرائب.

وأوضح الشافعي، أن رقمنة المعاملات المالية في السوق تعزز عمليات جذب الاستثمار المباشر، وتحسن تصنيف مصر في مؤشرات الشفافية الدولية، فضلا عن قدرتها الفائقة على إتمام جميع المعاملات عن بعد بدقة وسرعة تنعكس على تحسن ترتيب مصر في مؤشر مناخ الأعمال.

وقد تتسبب عمليات التطبيق في البداية في إرباك حركة الأسواق نتيجة سيطرة التعاملات النقدية على السوق، فيما قال اتحاد المصارف العربية إن تعاملات 38 في المئة من البالغين في العالم تتم خارج الأنظمة المصرفية، وهم يمثلون الأغلبية في دول جنوب آسيا ومنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقدمت الحكومة المصرية تسهيلات لعمليات التطبيق الجديدة، وأصدرت بطاقة دفع إلكترونية مصرية تحمل اسم “ميزة” يمكن لأي شخص ليس لديه حسابات مصرفية تنفيذ عمليات الدفع الإلكتروني من خلالها.

وتصدر بطاقة واحدة لكل شخص بموجب رقمه القومي من أي بنك، ويتم شحن رصيدها عبر ماكينات الصراف الآلي المنتشرة في جميع أرجاء البلاد، وأصدرت منها البنوك أكثر من 5 ملايين بطاقة، وفي سبيلها لاستهداف 20 مليون بطاقة.

وكشفت دراسة أعدها المركز المصري للدراسات الاقتصادية البعضَ من مؤشرات الاقتصاد غير الرسمي، وقدرت عدد منشآته بنحو 2.7 مليون منشأة يعمل بها نحو خمسة ملايين عامل.

ولفتت إلى أن هذا القطاع يستوعب 66 في المئة من مجموع العمالة غير الزراعية في القطاع الخاص، كما أن الممتلكات العقارية التي يمتلكها 92 في المئة من المصريين غير مسجلة وتتجاوز قيمتها 70 مليار دولار، وتتركز ملكية 70 في المئة منها في أيدي أصحاب الدخل المنخفض.

11