القاهرة تستدرج اقتصاد الظل بالقروض الصغيرة

قطاع التمويل الأصغر في مصر يسعى بشكل خاص لتوفير احتياجات ومتطلبات رأس المال لصغار المزارعين والأشخاص الذين يعملون لحسابهم الخاص، وتشجيع الشباب على تطبيق فكر وثقافة العمل الحر.
الجمعة 2019/12/13
أموال لا تطالها الرقابة

وجهت القاهرة أنظارها إلى قطاع التمويل الأصغر في محاولة لامتصاص الاقتصاد الموازي من خلال آليات ونظم التتبع، التي تعقب دخول الفئات المهمشة دائرة الاقتصاد الرسمي بهدف تحقيق أقصى استفادة من ملايين المصريين الذين يعملون بعيدا عن رقابة القانون.

 القاهرة - فتحت الحكومة المصرية نافذة قطاع تمويل النشاطات المتناهية الصغر، أطلقت عليها “نانو فينانس” في مسعى لضم اقتصاد الظل إلى السجلات الرسمية وتمكين المهمشين اقتصاديا عبر آليات تمويل تؤدي لتحسين ظروفهم المعيشية.

وأعلنت الهيئة العامة للرقابة المالية ضوابط لهذا القطاع تشمل الحد الأقصى لمنح التمويل للشخص بنحو 190 دولارا، وفترة سداد لا تتجاوز ثلاثة أشهر.

وقال محمد عمران رئيس الهيئة في تصريح خاص لـ”العرب”، إن “منتج نانو فينانس يطرح لأول مرة في مصر ويعتمد بشكل أساسي على التقنيات الرقمية”.

وأضاف أن “التجارب الدولية التي أجريت على منتج التمويل الأصغر تشير إلى أنه يستخدم بشكل رئيسي لتغطية احتياجات الفئات المهمشة والأكثر احتياجا للخدمات المالية وتعاني من صعوبة الوصول للتمويل”.

ويسعى التمويل الأصغر بشكل خاص لتوفير احتياجات ومتطلبات رأس المال لصغار المزارعين والأشخاص الذين يعملون لحسابهم الخاص، والمشروعات المنزلية، والباعة باليومية، والباعة الجائلون من الجنسين وتشجيع الشباب على تطبيق فكر وثقافة العمل الحر.

ويعد “نانو فينانس” بمثابة تمكين لأسلوب ونمط حياة الأفراد لأنه يعزز بشكل مباشر وإيجابي مبادرات الشمول المالي في سوق تسيطر عليه التعاملات النقدية، بعيدا عن النظم المالية الرسمية.

وأوضح عمران، أن ضوابط المنتج المالي الجديد تلزم الشركات التي تحصل على تراخيص مزاولة نشاط التمويل الأصغر، القيام بالاستعلام الائتماني عن طالب التمويل وضامنة، لمن يتجاوز حجم تمويله حاجز 32 دولارا عبر إحدى الجهات المرخص لها بذلك من البنك المركزي قبل منح التمويل.

وفي حالة تعذر ذلك عمليا لأسباب تخرج عن إرادة الشركة وتقبلها الهيئة، تلتزم الشركة بالتعهد بإجراء الاستعلام المطلوب عن العميل خلال يومي عمل من منح التمويل والاحتفاظ به في ملف الزبون، مع عدم تجديد التمويل القائم له، حال وجود ما يشوب موقفه الائتماني لقواعد التمويل الأصغر.

ويزيد هذا القطاع من الترويج لثقافة التأمين لدى المجتمع، وتلزم هيئة الرقابة المالية الشركات الممارسة لنشاط التمويل الأصغر بالتأمين على المستفيدين بالقروض ضد مخاطر عدم السداد، الأمر الذي يعزز ثقافة غائبة عند غالبية المصريين.

وتؤكد الضوابط على تحديث بيانات ومعلومات المستفيدين من التمويل الأصغر ووضعهم الائتماني بشكل مستمر لدى جهة الاستعلام الائتماني على فترات دورية بحد أقصى كل أسبوعين.

وأدخلت الشركة المصرية للاستعلام الائتماني “آي سكور”، وهي الشركة الوحيدة المسؤولة عن الاستعلام الائتماني بالبلاد، نظام الاستعلام الائتماني عبر الهواتف المحمولة، ما يساهم في سرعة الاستعلام وخفض تكلفتها بما يتناسب مع قطاع التمويل الأصغر، ويعزز دمجه في المنظومة الاقتصادية الرسمية.

تشجيع الشباب على تطبيق ثقافة العمل الحر
تشجيع الشباب على تطبيق ثقافة العمل الحر

ويقدر حجم الاقتصاد الموازي في البلاد بنحو 154 مليار دولار، أي ما يمثل نحو 40 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي البالغ 385 مليار دولار.

وقال المحلل الاقتصادي ياسر عمارة، إن “منتج نانو فاينانس يدعم الطبقات المعدومة في مصر، لاسيما الحرفيين الذين يحتاجون إلى رأسمال صغير، ما يساعدهم في بداية عملهم المهني.

وأوضح لـ”العرب” أن طرح التمويل الجديد يضاعف تقنين منصات التمويل الجماعي، بعد انتشارها بشكل وصل للعشوائية عبر وسائل التواصل الاجتماعي المختلفة دون وجود رقيب.

وأشار إلى أن الهدف الرئيسي من “نانو فاينانس” تقنين أوضاع العاملين في الاقتصاد العشوائي ودمجهم في المنظومة الرسمية.

وقال “بمجرد حصول المستفيد على قرض من شركات التمويل متناهي الصغر، تتكون ما يشبه قاعدة بيانات لدى الشركات، ويُصبح المستفيد ملتزما بسداد الأقساط، ومن هنا يمكن إخضاعه للضرائب في مرحلة لاحقة”.

وتحتاج القاهرة لنجاح المنظومة، الاستفادة من تجارب الهند وبنغلاديش، وربما يتحول هذا المنتج التمويلي في النهاية إلى بنك للفقراء، أو للتمويل الأصغر، تحت مسمى “نانو بنك”.

وكافح الملياردير المصري نجيب ساويرس لسنوات لتأسيس بنك للمشروعات الصغيرة، لكن المركزي لا يمنح تراخيص لتأسيس بنوك للعائلات، بعد فشل تجربة بنك النيل الذي كانت تمتلكه عائلة العيوطي وانتهى أمره إلى الإفلاس.

وسبق وصرح ساويرس لـ”العرب”، إنه “يدرس الاستحواذ على بنك خارج مصر، ثم يفتتح فرعا له في القاهرة في مرحلة لاحقة”.

ويمتلك الملياردير المصري حصة حاكمة في شركة ريفي للتمويل متناهي الصغر، والتي حصلت على أول رخصة لمزاولة نشاطها من هيئة الرقابة المالية.

محمد نادر: خطوة فعالة لانتشال ثلث المجتمع المصري من دائرة الفقر
محمد نادر: خطوة فعالة لانتشال ثلث المجتمع المصري من دائرة الفقر

ويعد التمويل الأصغر إحدى الآليات الرئيسية التي تستخدمها الدول لجذب العاملين في الخفاء إلى منظومة الاقتصاد الرسمي، وبالتالي يجب أن تسعى الحكومة إلى تعميمها على أصحاب الحرف والساعين للبحث عن أرزاقهم بعيدا عن الوظائف الحكومية.

وتم إدخال نظم أكثر فعالية لتسهيل سداد أقساط التمويل الأصغر يوميا من خلال التليفون المحمول، إما عبر تطبيقات لسداد الأقساط وإما من خلال رسائل نصية بقيمة القسط اليومي.

ويستهدف البنك الأهلي المصري تطبيق تلك المنظومة بالتعاون مع جمعية رجال أعمال الإسكندرية والتي تشمل مظلتها ذراعا تمويليا للمشروعات متناهية الصغر.

وتكثف البنوك جهودها لدخول هذا النشاط، نتيجة انتظام المقترضين من خلال هذه الأنظمة بنحو 99.9 بالمئة، فضلا عن سرعة دوران حركة القروض، كما أن البنوك تحصل على منح من المؤسسات الدولية توجه لهذا القطاع، وتحقق المصارف من خلاله أرباحا كبيرة.

وقال محمد نادر رئيس شركة آرشر للاستشارات المالية والتمويل لـ”العرب”، إن “نانو فاينانس منتج فعَّال لانتشال فئة كبيرة من المجتمع من دائرة الفقر، وفتح آفاق تمويلية لصغار المزارعين والحرفيين”.

وتصل نسبة الفقر في مصر إلى نحو 32.5 بالمئة، بما يعنى أن ثلث سكان البلاد عند حد الكفاف ويصل عددهم لنحو 32.3 مليون فرد من إجمالي عدد السكان المقيمين في الداخل والبالغ عددهم نحو 99.6 مليون نسمة.

ورغم أن مبادرة التمويل الأصغر تركز على الفئات المهمشة، إلا أن هناك فئات تمارس أنشطتها داخل نطاق الاقتصاد الموازي وتعمل في العلن، في مقدمتها الأطباء وسماسرة العقارات، والدروس الخصوصية، ولا تخضع للمنظومة الضريبية بشكل كفء. ويحتاج ذلك إلى برامج إلكترونية لربط وتتبع تعاملات أصحاب هذه المهن، لضمهم بشكل كامل للمنظومة الاقتصادية الرسمية لزيادة موارد البلاد، من أجل الإنفاق على خدمات الصحة والتعليم وتحسين الجودة.

10