الفن المنحطّ: تهمة النازيين المفضلة

كتاب يقدم مئات الوثائق والمقالات حول الاعتداءات على الفن فترة حكومة فيشي الفرنسيّة المتعاونة مع النازيين.
الخميس 2019/09/26
النازيون كانوا يريدون امتلاك كل شيء بما في ذلك الفن

يمكن للمهتم بتاريخ الفنّ أن يدخل إلى قاعدة بيانات الفنّ الضائع للبحث عن القطع الفنية التي قام النازيون بمصادرتها أو بيعها في المزادات العلنيّة أثناء اجتياحهم لأوروبا، كجزء من سياسات “أرينة” الفن -نسبة إلى آري-، والتي إثرها تمت مصادرة وبيع كل أملاك اليهود.

باريس - هناك الكثير من اللوحات والأعمال الفنيّة والمنتجات الثقافيّة في متاحف العالم وصلت إلى هناك بالقوة وبسطوة الاحتلال النازي لفرنسا عام 1940 أو لمصادرة النازيين أملاك اليهود، من بين هذه الأعمال مثلا لوحة “سيدتان في الحديقة” لريناور، التي أعيدت إلى حفيدة مالكها الأصلي في باريس، بعد أن عرضت في مزاد علنيّ في صالة كريستي الشهيرة في الولايات المتحدة.

الممارسات التي قام بها الاحتلال النازيّ في أوروبا ضد اليهود وخصوصاً العاملين في سوق الفنّ نتعرف عليها في متحف الشوا في باريس، في إطار معرض بعنوان “سوق الفنّ تحت الاحتلال 1940-1944”، والذي صدر عنه أخيرا كتاب يحمل ذات الاسم من تأليف إيمانويل بولاك، وفيه نقرأ المئات من الوثائق الرسميّة ومقالات الصحف التي تعود إلى فترة جمهورية فيشي الفرنسيّة التي تعاونت مع الاحتلال النازي، ونكتشف أيضا الديناميكيّة القانونيّة التي وضعها النازيون من أجل منع اليهود من التواجد في سوق الفن والتي تتجلى مثلاً بمنشورات تمنع دخولهم إلى المعارض، كذلك مُصادرة أملاكهم وبيعها في المزادات العلنيّة.

هذه السياسات كلفت فرنسا حينها 15 مليار فرنك من الخسائر، وما زالت في زيادة حتى الآن، لأن الأعمال الفنيّة كانت وما زالت سلعة لا ينخفض ثمنها، ما جعلها استثمارا مغريا تشتريه البنوك وجامعو التحف والمتاحف.

ذوق الدكتاتور

هناك صورة شهيرة لأدولف هتلر تعود إلى عام 1940، نراه فيها في ساحة تروكاديرو المطلة على برج إيفل، هذه الصورة تختزل انتصاره ورغبته في “امتلاك” فرنسا، وخصوصا باريس، محط الكثير من الفنانين من مختلف أنحاء العالم، فهدفه كان تغيير شكلها الثقافيّ و“تنظيفها” حسب قوله، وهذا ما حدث، إذ أوكلت مهمة إدارة “المنتجات الثقافيّة” في فرنسا إلى الـERR، المؤسسة المسؤولة عن البضائع الثقافية في البلدان المحتلّة، وكان أساس عملها مصادرة الأعمال “الساميّة” من ملاكها ومن تجار الفنّ، ثم إخلاء المتاحف من الفنّ “المنحطّ”، ذاك الذي لا يحمل خصائص “واقعيّة” ولا تتطابق مع ذوق هتلر الذي كان يحتفي بالأعمال “الكبرى”، كلوحة “عالم الفلك” لفير مير، التي قام بنقلها إلى متحفه في “لينز” عام 1940، وأعيدت لاحقا عام 1945 إلى صاحبها.

مئات الوثائق الرسمية
مئات الوثائق الرسمية

هذه الإجراءات الاستعماريّة حين اكتشافها، تغيّر علاقة الفرد مع باريس، خصوصا زوار المتاحف، إذ نعرف في الكتاب كيف تم تحويل متحف “جو دو بوم” في العاصمة الفرنسية إلى “مقبرة للشهداء” ووضعت فيه الأعمال التي لا تتوافق مع الأيديولوجيا النازيّة، ليتم فرزها وتصنيفها وإيجاد مشترين لها، والمحزن أن حديقة تولريري الشهيرة في باريس المجاورة للمتحف سابق الذكر، شهدت إحراق أكثر من 400 عمل، منها لوحات لسيزان وبيكاسو وخوان ميرو بسبب “انحطاطها”.

تحولت أيضا المعارض الكبرى في باريس كـ“أوتيل درو” إلى فضاءات تشهد مزادات علنيّة لكل ما هو “منحط” وكل ما تعود ملكيّته إلى الـ“ساميين” خصوصا أن منازل اليهود تم اقتحامها وتفريغها مما فيها، وإثر هذه العمليّة انتقلت الكثير من الأعمال إلى المتاحف العالميّة في سويسرا وأميركا وروسيا، والأهم أن الكثير من البنوك الدولية اشترت أعمالاً وخبّأتها في خزناتها السريّة، وإلى الآن لم تظهر كلها للعلن، فحكومة فيشيي والمتعاونون معها شاركوا مزادات إجباريّة، للتخلص والربح من هذه القطع الفنيّة.

هامش عن الانحطاط

بعد انتهاء الاحتلال النازيّ أنشُئت في فرنسا عام 1944 لجنة لاستعادة المسروقات والغنائم النازيّة وجردها وتتبع مسارها، وتمكنت بحلول عام 1949 من استعادة حوالي 2000 قطعة ولوحة، منها لأنغر وسيزان، واستمرت هذه الجهود لحين استعادة حوالي الـ60 ألف قطعة من أصل 100 ألف.

وبالرغم من الملاحظات الكثيرة على هذه اللجنة وتقصيرها في الكثير من النواحي إلا أن عملها مستمر حتى الآن، وخصوصا بعد عام 1995، حين أعلن جاك شيراك مسؤولية فرنسا عن ترحيل اليهود والمساهمة في قتلهم، والدور الذي على فرنسا أن تؤديه لاستعادة تراثها الوطنيّ والتكفير عن ذنبها إثر مشاركتها في عمليات القتل الممنهج لليهود ومصادرة أملاكهم ليكون الأمر جزءا من سياسة وطنيّة لتحقيق العدالة للضحايا.

تبنى سورياليو مصر مصطلح “الفنّ المنحط”، وأطلق جورج حنين على البيان الشهير الذي أطلقه ذات الاسم، ويقال إن هذا الوصف مرتبط بعدم تمكن هتلر من دخول أكاديميّة الفنّ، ما أدى إلى كراهيته للفن الحديث، فكلما كانت اللوحة أقرب إلى الصورة الفوتوغرافيّة، اعتبرت ملائمة لذوق الطاغيّة، أما كل ما لم يتمكن من فهمه، فكان يحكم عليه بأنه “منحط”، كما أشرف شخصياً على إنشاء متحف في “لينز” ليكون الأكبر في أوروبا ويحوي أرقى الأعمال الفنيّة.

رأى أيضاً أن الفن “الحديث” يشكّل تهديدا للثقافة الألمانيّة، كونه يحمل خصائص “يهوديّة وبلشفيّة” بل واتهم الفنانين الحداثيين بأنهم مصابون بأمراض عقلية “غريبة”، لأن أعمالهم لا ترتقي إلى تلك “البطوليّة”، فالألوان الانطباعية والأحلام السورياليّة والخطوط التكعيبيّة، كلها منحطة، ولا بدّ من القضاء عليها، وكأنها علامات على خلل في العالم.

14