الفقير المضحوك عليه المثقل بالديون لا يُمنع من الكلام

دخلُ المواطن الأردني يتآكل مع الارتفاعات المستمرة في الأسعار وتزايد ضغوط الضرائب والرسوم على المعيشة اليومية لتتسع رقعة الفقر بشكل لافت حتى بات مئات الآلاف يعانون من انعدام الأمن الغذائي.
الأربعاء 2021/10/20
قيود على حرية التعبير

تتوالى الأرقام والمؤشرات الاقتصادية المثيرة للقلق في الأردن وتضيق في نفس الوقت هوامش حرية التعبير في السنوات الأخيرة. ثم يقال إن هذه وصفة مثالية للاضطراب الاجتماعي، فتغض أجهزة الحكم النظر وتلتفت إلى ما هو بعيد عن اهتمامات الناس.

إذا كانت أزمة الوباء الممتدة منذ سنة ونصف السنة نالت من الاقتصاد الهش القائم أساسا على المساعدات الخارجية والضرائب والرسوم، فإن “قانون الدفاع” الذي تعمل بموجبه الحكومة حسب الدستور، كرّس أيضا انتهاك الحريات العامة المكفولة في الدستور.

الآلاف خسروا وظائفهم إلى جانب عدد كبير من الشركات الصغيرة والمتوسطة التي أنهت أعمالها بسبب قرارات الحظر والإغلاق غير المفهومة أحيانا وغير المبررة في أحيان أخرى، فارتفعت البطالة بين الشباب إلى أكثر من النصف وحوالي 25 في المئة في مجمل سوق العمل.

منذ بدء تطبيق قانون الدفاع في مارس من العام الماضي، لم تتوقف الانتقادات الحقوقية لطريقة تعامل الحكومة مع قضايا الحريات العامة وخصوصا حرية التعبير

تتآكل الدخول مع الارتفاعات المستمرة في الأسعار وتزايد ضغوط الضرائب والرسوم على المعيشة اليومية للأردنيين، وتتسع رقعة الفقر بشكل لافت حتى بات مئات الآلاف يعانون من انعدام الأمن الغذائي. وكل هذه أرقام رسمية صادرة عن الحكومة.

أما الدين العام فقد قفز إلى أكثر من مئة في المئة من الناتج المحلي الإجمالي بواقع حوالي 50 مليار دولار في نهاية سبتمبر. وهذا يعني بحسبة “شعبية” سريعة أن كل مواطن أردني مدين بنحو خمسة آلاف دولار، معظمها لمؤسسات وبنوك في الخارج.

عاملان أساسيان آخران يساهمان في تحول العلاقة بين الأردنيين والحكومة من حالة فقدان الثقة إلى شعور عام أبعد وأخطر، وهو أنها تحاول أن تضحك على الناس.

لا يصدق الأردنيون أحاديث الحكومة عن مكافحة الفساد والمحسوبية وتوريث المناصب، وهم يعلمون أن قضايا الفساد الكبرى لا يقترب منها أحد، ولو كثر الكلام عن الشفافية والنزاهة وتكافؤ الفرص.

كما أن الارتباك الحكومي ظهر واضحا في الروايات الرسمية وتعديلها وتفسيرها لأبرز حدثين شهدتهما المملكة وتداولهما الرأي العام بكثافة في الشهور الأخيرة، وهما الكشف عن عقارات للعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني في الخارج حسب “أوراق باندورا”، وقبلها أزمة الأمير حمزة بن الحسين.

وهكذا تركت الحكومة تساؤلات مهمة حول الحدثين بلا إجابة. وأفسحت مجالا أوسع للهمس والشكوك وكثرة التأويلات. ومعها يتولد الاستياء والإحساس المبرر بأن “ما خفي أعظم” وأكبر أحيانا من قدرة الحكومة نفسها على التصريح به.

هل تعاني الحكومة من قيود على حرية تعبيرها عن نفسها في حين تتكفل أجهزة الحكم الأخرى بتحديد ما يقال وما لا يقال؟ الواقع يقول: لا. لأن الحكومات تعرف حدودها جيدا قبل تشكيلها رغم أنها صاحبة “الولاية العامة” على البلد، وهي بذلك ترضى ولا تشعر بـ”القمع”!

وسط هذا كله اتخذت القيود المفروضة على حرية التعبير منحى تصاعديا، وبالأرقام أيضا. ففي 2020 زاد عدد قضايا الجرائم الإلكترونية إلى حوالي عشرة آلاف بارتفاع يناهز ألفي قضية عن العام الذي سبقه، بحسب تقرير صدر الاثنين عن مركز حماية وحرية الصحافيين في الأردن.

وذكّر المركز بالنصوص القانونية الفضفاضة التي تتيح ملاحقة الصحافيين والمدونين قضائيا، وأشار إلى دراسة تفيد بأن ثلثي الأردنيين يخشون من المساءلة عن آرائهم السياسية في البلد الذي تسيّر أجهزته الأمنية “دوريات إلكترونية” على مواقع التواصل الاجتماعي.

في نفس اليوم، دعا المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان السلطات إلى إلغاء العمل بقانون الدفاع الذي يتيح للحكومة استخدام صلاحيات استثنائية كما لو كانت في حالة حرب.

الحكومة بالفعل استخدمت هذه الصلاحيات في أكثر من مناسبة، ومنها إغلاق نقابة المعلمين وحظر الاحتجاجات اللاحقة لقرار الإغلاق ومنع تنظيم مظاهرات أخرى على خلفية الوضع الاقتصادي الصعب.

ومنذ بدء تطبيق قانون الدفاع في مارس من العام الماضي، لم تتوقف الانتقادات الحقوقية لطريقة تعامل الحكومة مع قضايا الحريات العامة وخصوصا حرية التعبير التي تتعرض حاليا للمزيد من التضييق.

أجهزة الحكم تجاهلت هذا كله وحاولت إشغال الأردنيين بقضايا الإصلاح السياسي والأحزاب والانتخابات. وهي قضايا، وإن كانت مهمة للوهلة الأولى، إلا أنها لا تسمن من جوع ولا تغني عن حرية الكلام.

ألا تستطيع الحكومة استدعاء الطريقة الكلاسيكية في التعامل مع الغضب الشعبي، وإعطاء مساحة “تنفيسية” لحرية التعبير؟ على الأقل من أجل قياس اتجاهات الرأي العام أو التنبؤ بما يمكن أن يحدث.

إذا كانت أزمة الوباء نالت من الاقتصاد الهش القائم أساسا على المساعدات الخارجية والضرائب والرسوم، فإن "قانون الدفاع" الذي تعمل بموجبه الحكومة حسب الدستور، كرّس أيضا انتهاك الحريات العامة المكفولة في الدستور

لكن الحكومة تنكر دائما أنها تفرض القيود على الحريات العامة. وحيث الإنكار غير مفيد في حالة تشبه قول المتنبي “وليس يصح في الإفهام شيء، إذا احتاج النهار إلى دليل”، تحاول الحكومة عقد مقارنات مع أوضاع الدول الأخرى في الإقليم.

المقارنة لا تستقيم طبعا مع دول تشهد حروبا واضطرابات مثل سوريا والعراق ولبنان، ولا مع الدول الخليجية التي استطاعت اقتصاداتها الغنية مواكبة الأضرار الناجمة عن أزمة الوباء.

المقارنات مع دول المنطقة لم تعد تقنع أحدا. ولو كان الأمر هكذا، سيقارن الناس أيضا بين الأردن هذه الأيام والدول التي مرّ عليها الربيع العربي قبل عشر سنوات وعانى أبناؤها قبل ذلك من تراجع الاقتصاد والفقر وقمع الحريات.

هذا كله يضع مواصفات المواطن الأردني ضمن سياق مؤسف: الساكت الفقير المضحوك عليه والمثقل بالديون.

8