الفرسان الثلاثة.. رواية مثيرة للجدل بعد قرنين على صدورها

ألكسندر دوما.. ليس أكثر إدهاشا من روايته غير حياته الصاخبة.
السبت 2021/04/10
ثلاثة رابعهم «دارتانيون»

كل شيء في هذه الرواية يدعو للريبة والالتباس فشخصياتها ليست ثلاثا كما يوحي عنوانها بل أربع، وأحداثها تدور عام 1625، لكنها نُشرت سنة 1844، وعليها بُنيت أحداث وأنشئت أفلام وسلاسل ومغامرات كرتونية، وحتى ألعاب فيديو، مما يجعل منها رواية ليست ككل الروايات.

ألكسندر دوما، مؤلف الرواية (1802 ـ 1872) يُعد من أشهر كتاب فرنسا، وأكثرهم إبداعا وتشويقا واستيلاء على قلوب القراء، لما يمتلكه الرجل من موهبة نادرة في القص والأسلوب الذي سمي باسمه فيقال “هذا الكاتب دوماني النزعة والاتجاه”.. إنه شخص مثير للجدل وفريد الأسلوب والطريقة.

القرن السابع عشر في فرنسا كان مفصلا في كل شيء تضمنه تاريخ فرنسا، حتى في الثورة التي توجتها رواية “الفرسان الثلاثة”، وحمّلها ألكسندر دوما صراع النبلاء ورجال الدين لكسب أكبرِ قدر مِنَ النُّفوذِ والحُظوةِ لَدى المَلِك؛ فحشَدَ كلُّ فريق الفرسانَ والحرَسَ الأشدَّاء؛ الأمرُ الذي أشعَلَ نيرانَ الفُرْقَةِ بينهم، وكثيرا ما دارت اشتباكاتٌ ومُبارَزاتٌ عَنيفةٌ في شوارعِ باريس بينَ أشياعِ النَّبيلِ دي تريفيل ورجالِ الكاردينالِ ريشيليه.

“آراميس” و”آتوس” و”بروتوس” هم الفرسان الثلاثة، وأشجع رجالِ النَّبيلِ “دي تريفيل” وأشدَّهُم بأسا وترابُطا؛ حيثُ قيلَ إنَّ الواحدَ مِنهُم لا يَغلِبُه إلا جَيش. لكنَّهم على الرغمِ من ذلكَ قَبِلوا انضمامَ الشابِّ الشُّجاعِ “دارتانيون” لمَجموعتِهِم الصغيرةِ خِدمةِ البلاد؛ وذلكَ بعدَ أنْ أُعجِبُوا بشجاعتِهِ ونُبلِ أخلاقِهِ إثرَ إِحدى المُبارَزات، لتبدأَ مرحلةٌ جديدةٌ مِنَ المُغامَراتِ المُثيرةِ ضدَّ رجالِ الكاردينالِ المُتعجرِفين.

ما أروعك يا ألكسندر

أمبرتو إيكو: الإنترنت لا يمكن أن تحل محل رائع الأدب كرواية ألكسندر دوما

كانوا ثلاثة ورابعهم “دارتانيون”، الأكثر فتنة وفصاحة ووسامة، وكان دوما الأكثر لعبا والتباسا بالشخصيات والعناوين المضللة، إلى درجة أن الإيطالي أمبرتو إيكو قد مشى على دربه في روايته المثيرة “اسم الوردة”، وقال لحفيده ناصحا “حفيدي العزيز، احفظ عن ظهر قلب قصائد الشعر، وقائع التاريخ كتاريخ الإمبراطورية الرومانية.. وحتى أسماء الشخصيات الثانوية في رائع الأدب كرواية ألكسندر دوما (الفرسان الثلاثة)، لأن الإنترنت لا يمكن أن تحل محل المعرفة، كما أن أجهزة الكمبيوتر لا يمكن أن تحل محل أدمغتنا”.

“نحن معك يا ألكسندر.. نمتطي صهوات خيولنا، نزور كل ساحات فرنسا ونحن نحلم ثم نحلم”.. كانت هذه كلمات الرئيس الفرنسي جاك شيراك عام 2002 في ذكرى مرور مئتي عام على ولادة أكثر الناس شغفا بالتاريخ واستحقاقاته.

ألكسندر دوما، الملقب بالشيطان الأسود، بسبب لون بشرته، كان مدهشا في كل شيء. حياته المثيرة كانت آسرة، زيجاته، وعلاقاته ومغامراته العاطفية، وانزياحاته السياسية جعلته محطة إعجاب مثل نبيل ليس ككل النبلاء، حتى أن الكاتب المسرحي الإنجليزي واتس فيليبس قال عنه “هو أكثر الناس كرما وطيبة في العالم، كما كان أكثر الناس حُبّا للبهجة والتسلية وأكثر مخلوق مزهو بنفسه على وجه الأرض. مثل لسانه كمثل طاحونة هوائية، لا تعرف متى ستتوقف عن الحركة ما أن يتم إطلاقها، خاصة إذا كان الموضوع عن شخصه”.

ما أروعك يا ألكسندر وأنت ترتشف الكلمات كما يرتشق ويتمنطق أبطالك سيوفهم المسلولة بأزيائهم الأنيقة وحركاتهم المدهشة فوق الممرات المخملية في شيء يشبه راقصي التانغو كما لو أننا في عصر فيفالدي.. كنت أنيقا في كل شيء يا سيد الكلمات.

 ألكسندر دوما، أو الرجل الذي أراد أن يقول كل شيء، ولم يقل شيئا.. انتقمت لأبيك وتاريخك.. من قال إن الكتابة ليست فعل انتقام؟

رواية “الفرسان الثلاثة” تدهش قراءها في كل عصر ومصر، إلى درجة أن صنفها النقاد والدارسون من أجمل قصص التاريخ، وصنف الفرنسيون صاحبها وتوجهوه على رأس من باتوا يعرفون برواد المسرح التاريخي، لما لدوما من قدرة على استلهام الماضي و توظيفه في خدمة الحاضر.

أمير المفلسين

رواية ليست ككل الروايات
رواية ليست ككل الروايات

الشيء من مأتاه لا يُستغرب، ونحن إزاء رواية فرنسية ولد صاحبها توماس ألكسندر دوما في المستعمرة الفرنسية سان دومينيك المعروفة حاليا بـ”هايتي”، وهو ابن مُختلِط الأعراق لألكسندر أنطوان ديفي دي لا باليتيري، الماركيز من النبلاء الفرنسيين ومُفوض عام في مدفعية المستعمرة، ووالدته ماري سيسيت دوما، كانت من الرقيق وتنحدر جذورها من أفارقة منطقة البحر الكاريبي.

غادر دوما في صِباه إلى فرنسا مع والده وتلقى هناك تعليمه في المدرسة العسكرية وانضم إلى الجيش عندما كان شابا. اتخذ لقب والدته (دوما) بعدما انقطعت علاقته بوالده. تمت ترقيته إلى رتبة جنرال في سن 31 عاما، وهو أول شخص تنحدر أصوله من أفارقة الأنتيل يصل إلى تلك الرتبة في الجيش الفرنسي.

وبالمال الذي جناه من نشر رواياته، اشترى دوما الأرض وبنى شاتو دي مونتي كريستو في بورت مارلي، وكان القصد من هذا المنزل الذي أصبح الآن متحفا، أن يكون ملاذا له، حيث أمضى وقته هناك في الكتابة قبل أن يفوقه الدين ويصبح مفلسا ما اضطره للهرب إلى بلجيكا بعد بيع ممتلكاته.. أليس أكثر إدهاشا من روايته غير حياته الصاخبة؟

عاش صاحب “الكونت دي مونت كريستو” حياة مثيرة، يشوبها الكثير من الريبة والتوجس والفزع، صاحب الأمراء وعاصر الثورات وجال في الآفاق، خاض المعارك وامتلك القصور ثم أفلس بعد أن أغدق ماله على المفلسين.. إنه أمير المفلسين بامتياز.

يكفي أن دوما، صديق غاريبالدي، موحّد إيطاليا، كما أنه عاش أسخن أحداث القرن التاسع عشر، ودونها في مقالات ومسرحيات يعترف بقيمتها خصومه قبل أعدائه.. كم كنت مدهشا أيها المدهش.

ومثل كل معلّم ذي ضربة قاضية، تبدأ أحداث رواية “الفرسان الثلاثة” عام 1625 عندما حاول النبيل الشاب دارتانيون الانضمام إلى فرسان الملك الفرنسي لويس الثالث عشر، ويبدأ رحلة إلى باريس يتواجه فيها مع رجال رئيس الوزراء الفرنسي الكاردينال ريشيليو: ويتصادق مع ثلاثة من فرسان الملك مكونا معهم فريقا متماسكا شعاره “الجميع من أجل الفرد، والفرد من أجل الجميع” حيث يدافعون عن مصالح فرنسا دون علم الملك.

لا وجود لكلمة مجانية في رواية دوما فكل جملة مرتبة حسب تصنيف صاحبها وبلغة فرنسية فائقة الإعجاز

ويكتشفون أن ملكة فرنسا على علاقة غرامية بالإنجليزي دوق بكنغهام، وأن ريشيليو كان يريد فضحها لحقده عليها لرفضها تحرشاته الجنسية، وكذلك للبدء بحرب بين فرنسا وإنجلترا. ويقاتل دارتنيان ورفاقه رجال ريشيليو في فرنسا وإنجلترا ويواجهون دهاء جاسوسة حسناء بالغة الخطورة، كانت تعمل لصالح ريشيليو.

وفي خضم كل ذلك نجد الكثير من الإغراءات الجنسية والعلاقات العاطفية ذات الأهداف الخبيثة أحيانا، ومقتل البعض مثل دوق بكنغهام. وفي نهاية المطاف ينجح الفرسان في مسعاهم، وينضم دارتانيون إلى فرسان الملك.

ألا يذكّر الأمر بالروايات البوليسية الحديثة على نمط العميل 007 أو جيمس بوند، وذلك على غرار قصة الغواية التي تفضي إلى الخيانة كما هو الشأن بالنسبة إلى حكاية تسالومي ويوحنا المعمدان أو ما يفسره المفسرون بـ”الخيانة المقدسة” على نمط يهودا الأسخريوطي، وكيف باع المسيح وتلاميذه بثلاثين من فضة.

إحالات كثيرة تفضي إليها “الفرسان الثلاثة” وذلك من خلال التسمية والترقيم والترميز، حتى أن رواية حراس المعبد، المنسوبة إلى الماسونية، تكشف، فيما تكشف، صحة مقولة المجموعة مع الفرد والفرد مع المجموعة، في توليفة براغماتية وسياسية مثيرة للجدل والسجال.

أن تكون مع الملك في حين لا يعلم الملك ذلك أو أن تحرص على السلطة أكثر من أن تحرص عليك السلطة، مقولة أكدتها رواية “الفرسان الثلاثة” في مواربة ذكية، قال من خلالها دوما إن الثلاثة لم يكونوا ثلاثة بل “أربعة”، كما أن اسم الوردة لم يكن وردة بل شيئا آخر كما دل على ذلك الإيطالي المتأثر به أمبرتو إيكو في روايته الشهيرة.

لم يعرف التاريخ قصة أكثر ريبة من “الفرسان الثلاثة” وأبطالا أكثر إخلاصا بعد تحقق، مثل دارتانيون ورفاقه.. كانت ولا تزال رواية مثيرة للجدل بعد ما يقارب القرنين على صدورها.

هي رواية صغيرة، حيث تكونت الطبعة الفرنسية من سبعمئة صفحة، واحتوت على جميع أنواع الإثارة الأدبية لامتلائها بالفضائح الجنسية والسياسية للطبقة الحاكمة الفرنسية، وعلى الأخص عائلة الملك لويس الثالث عشر نفسه.

ومن الواضح أن القراء الفرنسيين، كما يقول الكاتب زيد خلدون جميل، استمتعوا بتلك الفضائح الملكية، ما يدل على قلة احترامهم للنظام الملكي، حتى كون عشيق الملكة إنجليزيا لم يزعجهم. ويشير إلى أن الرواية احتوت كذلك على الكثير من الإشارات الجنسية، ولذلك اضطر المترجم الإنجليزي للرواية إلى حذفها كي تكون مقبولة من قبل السلطات البريطانية.

ومن الملاحظ أن كل امرأة متزوجة في الرواية لديها عشيق، وكل رجل فيها لديه علاقات غرامية. ومن الممكن أن دوما كان قد اقتبس حكاية علاقة الملكة الجنسية من إشاعة قديمة عن الملكة ماري أنطوانيت، حيث اتُّهِمَت بمختلف العلاقات الجنسية، على الرغم من عدم وجود أي دليل يدعم صحتها. وكان دوما قد كتب ثماني قصص عن الملكة أنطوانيت.

من المظلوم ومن الجاني

جاك شيراك: نحن معك يا ألكسندر نمتطي صهوات خيولنا ونحن نحلم ثم نحلم

ما يلاحظه المرء في رواية “الفرسان الثلاثة” أن كل شخصية في أساسها مأخوذة من شخصية حقيقية، فالكاردينال ريشيليو والملك لويس الثالث عشر كانا شخصيتين تاريخيتين، ولكنهما لم يكونا متنافسين، كما في الرواية، بل إن قوة ريشيليو أتت من دعم الملك له.

وكذلك دارتانيون، والفرسان الثلاثة أنفسهم، ودوق بكنغهام والشخص الذي اغتاله. وحتى شعار “الجميع من أجل الفرد، والفرد من أجل الجميع” لم يكن من اختلاق دوما، حيث أخذه من شعار معروف في التاريخ السويسري أي أن دوما كاتب مؤرخ، ولا يدع شيئا لمحض الصدفة والمصادفة.

لكن كل شيء كان أشد الالتصاق والترابط مع حياة  دوما ونزواته العجيبة حتى أنه حين عاد إلى فرنسا عام 1864 وجد نفسه غارقا في الديون، وزاد على ذلك حبه للعلاقات النسائية التي كلفته الكثير من الأموال.. إنه ألكسندر العجيب.

تدخلك الرواية في متاهة من هو المظلوم ومن هو الجاني، وذلك عبر علاقات تفوح مؤامرة وخيانة، وكأن ذلك من طبيعة الذات البشرية كما هو حاصل في روايات شكسبير.

لنتوقف مرة أخرى عند هذه الرواية الآسرة، أليست كل المتضادات متلاقية مثل الوفاء والغدر، المؤامرة والإخلاص، الصداقة والعداوة، والفروسية والخذلان؟

لا وجود لكلمة مجانية في رواية دوما. كل جملة مرتبة حسب تصنيف صاحبها ذي المزاج الفني المدهش، وبلغة فرنسية فائقة الإعجاز.

تحولت الرواية إلى أفلام ومسلسلات وحلقات وألعاب كرتونية، حتى أنهم وصفوها بـ”الرواية المعجزة” لكثرة أحداثها ورهبة إثارتها ودقة تفاصيلها، بالإضافة إلى فصولها الساخنة.

هي ليست مجرد تأريخ لحقبة الثالث عشر كما يدور في خلد بعضهم، وليست درسا “أخلاقويا” كما يصفها السطحيون من القراء والنقاد، بل قصة في غاية التعقيد والمساءلة حول قضايا وجودية أشد نقاشا وجدالا مما يظن البعض.

وقفت شخصيا عند قبره في بانثيون بباريس، حيث يستقر بين عظماء الأدب الفرنسي الآخرين مثل منافسيه فيكتور هوغو وإميل زولا وجان جاك روسو، وتساءلت حول مصير أمثاله من أدباء العالم العربي الذين طواهم النسيان.

تمت ترجمة أعماله إلى أكثر من 100 لغة وتحويل بعضها إلى أفلام ومسلسلات.

وفي السينما العربية هناك أكثر من فيلم تناول الرواية نذكر منها الفيلم الذي قدمه المخرج توجو مزراحي عام 1941 ويحمل نفس اسم الرواية “الفرسان الثلاثة” كتب سيناريو وحوار الفيلم بمشاركة مزراحي، بديع خيري، وقام ببطولته كل من فوزي الجزايرلي، عقيلة راتب، إحسان الجزايرلي، فردوس محمد، محمد الديب، حسين المليجي، بشارة واكيم، فؤاد شفيق، أحمد الحداد، حسن صالح وحسن راشد.

كما قدم نجم الكوميديا إسماعيل ياسين في العام 1961 إنتاجا جديدا لرواية الفرسان الثلاثة وبنفس الاسم، من إخراج فطين عبدالوهاب وكتب السيناريو والحوار أبوالسعود الإبياري، وشارك إسماعيل ياسين البطولة كل من محمود المليجي، عبدالسلام النابلسي، محمود عزمي، رجاء الجداوي، عبدالمنعم إسماعيل، أنور محمد، نجمة إبراهيم، فوزية إبراهيم، محمد صبيح، أحمد ثروت، عبدالغني النجدي، سامية رشدي وبدر نوفل.

“الفرسان الثلاثة” رواية آسرة، شغلت الصغار والكبار، النساء والرجال، وظل يعشقها كل من قرأها، وخصوصا بلغتها الأم حيث لا يزال طعمها تحت لساني منذ أيام الطفولة، وأنا أجلس الآن في مقهى ريشيليو بتونس، عند ساحة جان دارك.. ما أقربك وأبعدك أيها التاريخ.

16