الفتيات الأردنيات ضحايا الزواج المبكّر وجرائم القتل

السلطة الذكورية تحرم المرأة من طفولتها وتمارس عليها عنفا مفرطا.
الأحد 2021/09/26
المرأة ضحية مجتمعها

يعدّ الزواج المبكر والعنف المؤدي إلى الموت أكثر “الجرائم” المسلّطة ضدّ المرأة في العالم العربي، حيث تمارس العديد من الأسر القوة ضدّ الفتيات، والتي تصل في أحيان كثيرة إلى حدّ القتل، فيما تُرغم فتيات أخريات على الزاوج المبكّر الذي يحرمهن من طفولتهن ويرسم لهنّ مستقبلا قد يكون في أحيان كثيرة أشد إيلاما من قسوة العائلة التي تخلّت عنهنّ.

عمان – تكشف أحدث الإحصاءات ارتفاع حالات الزواج المبكّر في صفوف الفتيات الأردنيات بالإضافة إلى جرائم العنف والقتل داخل الأسر التي تنذر بأن وضع المرأة الأردنية في خطر ويستوجب مراجعة التشريعات والقوانين التي تكفل للمرأة المزيد من الحقوق.

وحذّرت جمعية معهد تضامن النساء الأردني (تضامن)، وهي مؤسسة مدنية معنية بقضايا المرأة في المملكة، منذ أشهر، من أن جائحة كورونا أثرت سلباً على تزويج القاصرات بزيادة 740 عقداً إلى حدود فبراير 2021.

وتقول “تضامن” إن عدم وجود نص في قوانين الأحوال الشخصية النافذة في الأردن لتحديد سن أدنى للخطبة يساهم في زيادة حالات الزواج والطلاق المبكرين، ويفتح الباب أمام استمرار حالات الزواج المبكر والقسري.

وتحذّر من أن ذلك يشكل حرمانا للفتيات من حقهن في اختيار شريك الحياة ورسم مستقبلهن واستكمال تعليمهن الجامعي، كما يحرمهن من طفولتهن ويعرضهن لخطر الطلاق المبكر الذي تزداد مشاكله في حال كانت “الزوجة الطفلة” أما لأطفال آخرين.

عادات المجتمع وتقاليده قد تحول دون تطبيق الإجراءات القانونية، وبالتالي احتكار حقوق المرأة من قبل الأب أو الزوج

وكشفت ورقة بحثية استطلاعية صادرة عن تضامن مطلع هذا الأسبوع، أن 57 في المئة من فتيات العينة اللاتي تزوجن قبل بلوغهن 18 عاماً يعارضن موضوع تزويج الأطفال، وأن 23 في المئة منهن اتخذن موقفاً محايداً، في حين أيدت 20 في المئة منهن موافقتهن على تزويج الأطفال بعد مرورهن بهذه التجربة.

وجاءت الورقة بعنوان “دور معايير منح الإذن بالزواج لمن هم أقل من 18 عاماً في الحد من تزويج القاصرات” بدعم من اللجنة الدولية للإغاثة. وشملت 266 فتاة من مختلف محافظات المملكة، نصفهن تقريباً أردنيات ونصفهن الآخر سوريات، وتراوحت أعمارهن ما بين 15-27 عاماً، وتزوجن جميعهن قبل بلوغهن 18 عاماً.

وتقول “تضامن” إنه وبسؤال العينة فيما إذا كن سيوافقن على تزويج أبنائهن أو بناتهن قبل بلوغهم 18 عاماً، كانت 85 في المئة منهن غير موافقات، و5 في المئة موافقات، فيما أبدت 10 في المئة منهن عدم قدرتهن على تحديد موقفهن سواء بالموافقة أو الرفض.

ولفتت “تضامن” إلى أنّه هنالك علاقة وثيقة وقوية ما بين تزويج الفتيات في مرحلة المراهقة وبين أغلب المشاكل التي يعانين منها، حيث يؤدي تزويج القاصرات إلى إهدار حقّهن في استغلال إمكانياتهن واتخاذ القرارات المتعلّقة بهنّ وبخياراتهن، كما أنّ التزويج والحمل المبكرين يعرضهنّ لمشكلات صحية خطرة، كالوفاة أثناء الولادة، إلى جانب حرمانهن من التعليم أو مواصلته، ودخولهن بالتالي في دائرة الفقر والتهميش والحرمان والعنف.

وأشارت بعض فتيات العينة إلى أنهن بعد الزواج أصبحنّ معارضات له وبشدة، كونهن تعرضن لضغوطات نفسية، ولا يعرفن تماماً ماذا يعني الزواج ومسؤولياته إلا بعد الزواج، حيث أشارت إحداهنّ إلى رفضها الزواج في عمر مبكر ويرجع ذلك “بسبب المسؤوليات الكثيرة”.

ورأت فتاة أخرى “أن الشهادة التعليمية أهم من الزواج”، بينما تشير أخرى إلى “مسؤوليات وضغوطات نفسية فحين تتزوج بسن صغير ما بتكون فاهمة الحياة والزوج بده يتحكم.. بيمحي شخصيتها كليا”، فيما عبرت أخرى عن رفضها التام لزواج القاصر من خلال قولها “بعد الزواج أصبحت معارضة”.

ارتفاع حالات الزواج المبكّر في صفوف الفتيات
ارتفاع حالات الزواج المبكّر في صفوف الفتيات

ويعدّ الأردن إحدى الدول العربية التي تسمح بتزويج الفتيات دون بلوغ السنّ القانونية، حيث تنص المادة الرابعة من تعليمات منح الإذن بالزواج لمن أكمل الخامسة عشرة سنة شمسية من عمره ولم يكمل الثامنة عشرة على أنه “يجب على المحكمة قبل منح الإذن بالزواج مراعاة أن يكون الخاطب كفؤاً للمخطوبة وفقاً لأحكام القانون وأن يتحقق القاضي من الرضا والاختيار التامين ومن الضرورة التي تقتضيها المصلحة وما تتضمنه من تحقيق منفعة أو درء مفسدة وبما تراه مناسباً من وسائل التحقق، وأن لا يتجاوز فارق السن بين الطرفين الخمسة عشر عاماً. كما ينصّ على ألا يكون الخاطب متزوجاً وألا يكون الزواج سبباً في الانقطاع عن التعليم المدرسي، بالإضافة إلى إثبات مقدرة الخاطب على الإنفاق ودفع المهر وتهيئة بيت الزوجية وإبراز وثيقة الفحص الطبي المعتمد.

لكنّ عادات وتقاليد المجتمع قد تحول دون تطبيق هذه الإجراءات القانونية، وبالتالي استمرار الاعتداء على حقوق المرأة مقابل احتكار هذه الحقوق والحريات لصالح الأب أو الزوج.

وسبق أن طالبت منظمات حقوقية أردنية ومن بينها “تضامن”، بتجريم زواج القاصرات الذي يتم دون توثيق ويخالف قانون الأحوال الشخصية الأردني، واعتباره شكلا جديدا من أشكال الاتجار بالبشر.

ولا تعدّ الفتيات الأردنيات ضحايا للزواج المبكرّ فقط، بل هنّ أيضا ضحايا للعنف الأسري الذي يؤول في أحيان كثيرة إلى مقتل فتيات في ريعان الشباب على يد أولياء أمورهن أو أزواجهن.وهزّت جريمة مقتل “هيفاء” المجتمع الأردني في الأسبوع الأول من سبتمبر الجاري، حيث أضرم زوجها النار فيها بعد أن سكب عليها مادة الكيروسين.

وتوفيت الزوجة بعد سبعة أيام قضتها في المستشفى، لم يتمكن خلالها الأطباء من إنقاذها.

تضامن: تزويج  الفتيات القاصرات سبب أغلب المشاكل التي يعانين منها
تضامن: تزويج الفتيات القاصرات سبب أغلب المشاكل التي يعانين منها

وتعدّ هذه الجريمة البشعة واحدة من العشرات من الجرائم المٌرتكبة في حق النساء، والتي لا يصل صداها القضاء الأردني ووسائل الإعلام أو حتى مواقع التواصل الاجتماعي.

وتقول منظمات حقوقية إن أغلب النساء اللاتي يتعرضن لعنف جسدي من قبل الزوج أو أحد أفراد الأسرة لا يتقدمن بشكاوى، خشية تجاهل القانون لمعاناتهن، وخوفا من وسمة العار التي قد تلحقهن في المجتمع في حال صرح الأب أو الزوج بأنه يعنفهن دفاعا أو حفاظا على شرفه.

وتفيد إحصاءات غير رسمية بأن الأردن شهد، منذ مطلع العام الجاري وحتى السادس عشر من سبتمبر، 12 جريمة قتل أسرية راح ضحيتها 13 أنثى. بالإضافة إلى نجاة ابنة وزوجة طعنتا في حادثين منفصلين على يدي الأب والزوج.

وتحذر “تضامن” من أن “جرائم القتل الأسرية ستستمر لا بل قد تزداد وتيرتها، ما دامت التشريعات تتضمن أعذارا مخففة لمرتكبي الجرائم بذريعة الشرف وما دام القانون يجيز ضرب الأطفال تأديبا، وما دام التنمر والعنف يزدادان انتشارا وتوسعا”.

وللحدّ من هذه التجاوزات في حق النساء، يطالب ناشطون حقوقيون بضرورة تشديد العقوبات القانونية، لحماية المرأة الأردنية والفتيات القاصرات من مثل هذه الجرائم.

في المقابل، تقول جمعيات حقوقية من بينها “تضامن” إن تشديد القوانين لن يكون كافيا دون اتخاذ إجراءات وقائية وحملات توعوية تغيّر الموروثات الثقافية للمجتمع وتصحح المفاهيم الخاطئة حتى يقتنع المجتمع الأردني “الذكوري” بأن مثل هذه المعاملة للنساء تعدّ جرائم لا تُغتفر.

وتوجه هذه الجهات بضرورة تكثيف العمل على برامج الإرشاد والمساعدة الاجتماعية والصحية والقانونية، لحماية المرأة، دون تجاهل الجانب النفسي الذي يعدّ مؤشرا هاما من مؤشرات احتمالية استخدام الفرد للعنف بكافة أشكاله وأساليبه، بالإضافة إلى الجانب النفسي المتعلّق بالنساء المتعرضات للعنف والزواج القسري وضرورة تأطيرهن ليندمجن مجددا في المجتمع”.

21