العراق تحت تهديد فتنة غافية لا يصعب على الطائفيين إيقاظها

قوى حزبية وميليشيات مستعدّة لإشعال حرب أهلية حفاظا على السلطة.
الجمعة 2021/06/18
هدم ضريح.. وبعدها تتدفق الدماء

الدعوة إلى تدمير مرقد أبي حنيفة النعمان وإزالة تمثال أبي جعفر المنصور في بغداد لا يمكن تصنيفهما كمجرّد نزوة لمتطرّفين شيعة. فالأوضاع القائمة في العراق والصراعات المحتدمة على السلطة في فترة المسير نحو الانتخابات البرلمانية، تشير إلى وجود أطراف مستفيدة من إثارة النعرات الطائفية لتجييش الشارع وخلط الأوراق استباقا لأي تغييرات قد تهدّد مصالح تلك الأطراف ومواقعها في السلطة.

بغداد – أظهرت الدعوات التي راجت مؤخرا في العراق لهدم مرقد الإمام أبي حنيفة النعمان وإزالة تمثال أبي جعفر المنصور من بغداد، أنّ  البلد واقع بشكل مستمرّ تحت تهديد فتنة طائفية غافية قد لا يتردّد البعض في محاولة إيقاظها كلّما اقتضت مصلحتهم ذلك، مستغلّين الخلل الكبير في العملية السياسية التي تدار بها الدولة منذ ثمانية عشر عاما والتي انتقلت عدواها إلى المجتمع وأحيت فيه الهويات الجانبية والانتماءات العرقية والدينية والمذهبية على حساب الانتماء الوطني.

ومثلما أصبح العامل الطائفي أداة رئيسية من أدوات ممارسة السياسة بسبب هيمنة أحزاب وقوى دينية على مقاليد السلطة في العراق ووسيلة دعاية وترويج لتلك القوى والأحزاب لاستمالة الجمهور وتعبئته، فإنّ العامل نفسه يمكن تحويله في المنعطفات الحاسمة واللحظات الحرجة، إلى سلاح لحماية المكاسب وتثبيتها وللدفاع عن المكانة وضمان استدامتها.

هذا على مستوى داخلي، أمّا خارجيا فإنّ إيران المستفيدة مما آلت إليه حال العراق من ضعف وتراجع على مختلف المستويات، والمعنية إلى أبعد حدّ بإضعاف دولته وتفكيك وحدة مجتمعه تجد مصلحة كبرى في إذكاء النعرات الطائفية لدى العراقيين، وهو ما تقوم به فعلا عن طريق وكلائها من أحزاب وميليشيات شيعية.

مكانة مهدّدة

على هذه الخلفية لم يتردّد أغلب من تابعوا الحملة المفاجئة ضدّ مرقد أبي حنيفة وتمثال المنصور في توجيه أصابع الاتّهام إلى قوى محلّية مرتبطة بإيران بالوقوف وراءها.

ولدى هؤلاء العديد من المعطيات التي تُسند ما ذهبوا إليه وتتلخّص عموما في أنّ المرحلة الحالية تنطوي على تهديدات حقيقية لمكانة الأحزاب والفصائل الشيعية المسلّحة المتحكّمة في مقاليد السلطة في العراق والساهرة على تأمين النفوذ الإيراني في البلد.

وفقدت تلك القوى التي تصدّت لتجربة الحكم في العراق منذ سنة 2003 مصداقيتها لدى رجل الشارع وتآكلت قاعدتها الشعبية إلى حدّ كبير بفعل فشلها الذريع في قيادة البلاد وما تسببت فيه من تراجع للدولة على مختلف المستويات الاقتصادية والاجتماعية وحتّى الأمنية، حيث تغوّل الفساد في عهدها وانتشر الفقر والبطالة وعانى العراقيون حلقات متتابعة من العنف الدموي.

أمراض العملية السياسية انتقلت عدواها إلى المجتمع وأحيت فيه الهويات الجانبية على حساب الانتماء الوطني

وجرّبت الأحزاب والميليشيات الشيعية بشكل عملي مدى نقمة العراقيين عليها وكرههم لها، حتى في معاقلها التقليدية بمناطق وسط وجنوب العراق موطن الغالبية العظمى من أبناء الطائفة الشيعية في العراق، خلال الانتفاضة الشعبية غير المسبوقة التي تفجّرت في تلك المناطق منذ خريف سنة 2019 ورُفعت فيها شعارات مناوئة لتلك القوى وقادتها وهاجم المحتجّون خلالها مقرّات للأحزاب والميليشيات ولم يستثنوا إيران من شعاراتهم المضادّة لها والمنادية برفع يدها عن البلاد.

ولحماية النظام من السقوط اضطّرت القوى الشيعية إلى التصادم مع بيئتها، سواء عن طريق انخراط الفصائل المسلّحة في قمع المحتجّين في الشوارع والساحات أو عبر تصيّد النشطاء المعارضين واغتيالهم.

ومع اتّساع الهوة بين تلك القوى وما كانت تعتبره خزانها البشري أصبحت مكانة الأحزاب والفصائل الشيعية في العملية السياسية غير مضمونة  وحصّتها الكبيرة في السلطة غير مُؤمّنة خصوصا إذا كان لعموم العراقيين كلمتهم الفعلية في اختيار من يحكمهم عن طريق صناديق الاقتراع.

ويسير العراق نحو انتخابات تشريعية مبكّرة تم إقرارها بضغط من الشارع في انتفاضته المذكورة، ويُجمع العراقيون على أنّ الأحزاب التي حكمت البلاد طيلة الـ18 سنة الماضية غير قادرة على كسبها إذا أجريت بعدل وشفافية في مناخ سليم من التزوير وتهديدات السلاح وإغراءات المال السياسي.

ومن هذا المنطلق تثور المخاوف من لجوء القوى المتوجّسة من الموعد الانتخابي الهامّ إلى خلط الأوراق وإحداث الفوضى عبر أقصر الطرق إليها وهي إثارة فتنة طائفية شهد العراق مثيلا لها في السابق وتمتلك القوى ذاتها خبرة في استثمارها والاستفادة منها.

ومثلما قدح متشدّدون قبل نحو 15 عاما شرارة حرب طائفية في العراق بتفجيرهم مرقدا لإمامين شيعيين، بدت الدعوات المفاجئة لهدم مرقد إمام سنّي وإزالة تمثال لرمز سياسي ذي قيمة لدى أهل السنّة، في هذا الظرف بالذات أبعد ما تكون عن مجرّد نزوة لمتعصّبين طائفيا.

وأبوحنيفة النعمان المتوفى في أواسط القرن الثامن ميلاديا هو أحد أئمة المذاهب الأربعة لدى أهل السنة والجماعة وهو صاحب المذهب الحنفي في الفقه الإسلامي ويتبعه غالبية سنّة العراق. ويقع مرقده في منطقة الأعظمية على الجانب الشرقي لنهر دجلة الذي يعبر مدينة بغداد.

أما أبوجعفر المنصور المتوفى سنة 775 ميلاديا، فهو الخليفة العباسي الثاني ويعتبر المؤسس الحقيقي للدولة العباسية وباني بغداد. وقد أقيم له نصب في حي المنصور بمنطقة الكرخ ببغداد.

وتعرّض النصب سنة 2005 للتفجير بعد حملة تحريض طائفي على أساس أنّ المنصور هو قاتل جعفر الصادق الإمام السادس من أئمة الشيعة الإثني عشرية. لكن تمّ في سنة 2008 ترميم النصب المكوّن من قاعدة بعلو خمسة أمتار وتمثال للرأس المتخيّل للخليفة العباسي منحوت من البرنز، وأعيد إلى مكانه.

على محمل الجدّ

Thumbnail

تجدّدت خلال الأيام الماضية الحملة ذاتها بالاستناد إلى نفس الذرائع، حيث دعا منشور تمّ تناقله عبر حسابات في تويتر “كل شيعي غيور للمشاركة في الحملة الكبيرة على منصة تويتر للمطالبة بإزالة صنم أبي جعفر المنصور قاتل مولانا جعفر الصادق عليه السلام”.

وفور رواج الدعوات لهدم ضريح أبي حنيفة وإزالة تمثال المنصور انطلقت المقارنات بين ما يمكن أن يؤول إليه الأمر إذا طبّقت التهديدات والأجواء التي مهّدت سنة 2006 لانطلاق حرب أهلية في العراق استمرت سنتين وسادتها موجة قتل وتدمير على الهوية الطائفية الشيعية والسنّية.

واستشعرت الحكومة العراقية خطورة الموقف وتعهدت بمواجهة “أي دعوات ذات بعد طائفي تهدّد السلم الاجتماعي بالقوة”، مؤكدة على دور رجال الدين في مواجهة تلك الدعوات.

وسارع الرئيس العراقي برهم صالح الأربعاء إلى زيارة مدينة الأعظمية حيث مرقد الإمام أبي حنيفة.

أحمد الجبوري: أبوحنيفة مطلوب أيضا.. اعترف عليه المنصور خلال التحقيق

وشدّد خلال الزيارة على أنّ "وحدة العراقيين كفيلة بالنيل من أي محاولة تستهدف الحياة الآمنة" للمواطنين، محذّرا من أنّ "هناك من لا يريد للعراق أن يستقر"، ومعتبرا أنّ "البلد يستحق أن يكون بالمكانة الفضلى.. وأنّه بعد خمسين سنة من الحروب والإرهاب آن الأوان للعراقيين أن يعيشوا حياة كريمة".

كما أثنى على قدوم أهالي الكاظمية (منطقة شيعية في بغداد) للصلاة في الأعظمية معتبرا ذلك رسالة مفرحة وبليغة بأن المدينتين هما جناحا بغداد وتاريخها ولن يفترقا.

ونشر النائب في البرلمان العراقي أحمد الجبوري صورة للتحشيد الأمني قرب مرقد النعمان وعلق بصيغة تهكّمية “الإمام الأعظم أبوحنيفة رضوان الله عليه تبيّن أنّه مطلوب أيضا.. ربّما اعترف عليه أبوجعفر المنصور خلال التحقيق”.

وكان مرقد أبي حنيفة قد تعرّض سنة 2015 لهجمات بزجاجات حارقة وأطلقت هتافات طائفية مسيئة لشخص الإمام خلال فترة زيارة دينية شهدتها بغداد وتمّ إحراق منشآت تابعة للوقف السني في المدينة بعد هجوم استهدف زائري الإمام الشيعي موسى الكاظم الذين كانوا يمرون من المنطقة.

وسبق لمنطقة الأعظمية أن شهدت احترابا طائفيا بعد حادثة جسر الأئمة التي قتل فيها المئات من زوار الكاظم في أغسطس عام 2005 غرقا بسبب تدافع نجم عن تحذير من وجود انتحاري على الجسر المزدحم بالزائرين والذي يربط بين منطقتي الأعظمية والكاظمية.

وضمن عمليات استفزاز المشاعر الطائفية التي تكثّفت في الفترة الأخيرة تمّ في مايو الماضي تعليق صورة كبيرة للمرشد الإيراني علي خامنئي وزعيم الثورة الإيرانية آية الله الخميني في مكان بارز وسط حي الأعظمية ذي الأغلبية السنية، ما أثار غضب السكّان الذين تجمّعوا في ساحة الإمام الأعظم مطالبين السلطات برفع الصورة.

وتداول نشطاء ومدونون عراقيون مقاطع فيديو وصورا للمحتجين وعلقوا عليها بالقول “شباب الأعظمية يحتشدون قرب مسجد أبي حنيفة النعمان لنبذ الممارسات الطائفية ورفض تعليق صور قادة النظام والجيش الإيراني”.

خلفيات سياسية

الكل سيبكي إذا اشتعلت الفتنة
الكل سيبكي إذا اشتعلت الفتنة

يرى متابعون للشأن العراقي أنّ محاولات إثارة النعرات الطائفية لا تنفصل عن حالة العداء التي نشبت بين الميليشيات الشيعية ورئيس الوزراء مصطفى الكاظمي المهتمّ باستكمال المرحلة الانتقالية التي يقودها في كنف الهدوء والاستقرار وصولا إلى الانتخابات المبكّرة. ويقول هؤلاء إنّ السعي لإشعال فتنة طائفية يأتي ضمن سلسلة أطول من الضغوط التي تعمل الميليشيات منذ فترة على تسليطها على الكاظمي دون هوادة، من استهداف السفارة الأميركية والقواعد العسكرية التي تؤوي جنودا أميركيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة، إلى اقتحام الفصائل الشيعية للمنطقة الخضراء ومحاصرتها مقر إقامة رئيس الوزراء، إلى استعراض إحدى الميليشيات في بغداد ورفعها صورا وشعارات مسيئة للكاظمي وطاقمه الأمني.

وقطعا للطريق على الفتنة دعا الكاظمي القبائل السنيّة والشيعية بمحافظة صلاح الدين إلى دعم سلطة الدولة والحفاظ على سلم المجتمع.

وقال في بيان صدر عن مكتبه إثر زيارة قام بها إلى المحافظة والتقى خلالها وجهاء قبائل مدينة سامراء “ندعو عشائرنا إلى إسناد الدولة في الحفاظ على وحدة العراق وتعزيز السلم الأهلي في المجتمع، وتجاوز الخلافات ووضع مصلحة المواطن وحقه في دولة تحميه هدفا للجميع”.

وتكتسي الدعوة إلى نبذ الطائفية من مدينة سامراء رمزية خاصة، إذ من المدينة ذاتها التي تضم خليطا من الشيعة والسُنة انطلقت سنة 2006 شرارة حرب أهلية امتدّت إلى معظم أنحاء العراق وأودت بحياة عشرات الآلاف وتمت خلالها عمليات تهجير قسري وتغيير في البنية الديموغرافية لعدد من المناطق التي كانت تضم خليطا من الطائفتين.

وانطلقت الحرب بعد إقدام عناصر من تنظيم القاعدة (البعض ينسب العملية لأجهزة مخابرات أجنبية) في شهر فبراير من السنة نفسها مرقد الإمامين العسكريين علي الهادي وابنه الحسن العسكري المبجّلين لدى المسلمين الشيعة وقاموا بتفخيخ قبة المرقد وتفجيرها بشكل كامل.

ورغم مضي سنوات طويلة على تلك الحرب لا يزال أهالي المدينة من أبناء الطائفة السنّية يعانون تبعاتها حيث تخضع أمنيا لميليشيا سرايا السلام بقيادة الزعيم الشيعي مقتدى الصدر، ويشتكون تعرّضهم لضغوط شديدة للتخلّي عن ممتلكاتهم والتفريط فيها بأثمان بخسة في إطار عملية تبدو أقرب إلى محاولة إحداث تغيير ديموغرافي في المدينة لتصبح رابع الأماكن المقدّسة لدى الشيعة في العراق بعد كربلاء والنجف بجنوب البلاد، والكاظمية ببغداد.

وفي مثل تلك الأجواء المحتقنة بالطائفية لا تزال فلول تنظيم داعش تعشّش في مناطق كثيرة من العراق رغم الهزيمة العسكرية التي مني بها التنظيم قبل نحو أربع سنوات متحينة الفرص ومنتظرة “الهدايا” التي يمكن أن يقدّمها لها المتطرّفون من الطائفة الأخرى من قبيل تفجير مرقد أبي حنيفة أو تدمير نُصب المنصور.

الدعوة إلى نبذ الطائفية من مدينة سامراء تكتسي رمزية خاصة
الدعوة إلى نبذ الطائفية من مدينة سامراء تكتسي رمزية خاصة

 

13